|
المحامي العربي - لبنان
جريدة السفير 8 / 4 / 2006
أنجز عطا الله غشام كتابه الجديد هذا مباشرة بعد ترك موقعه كمدير
عام لوزارة الداخلية، التي أمضى فيها تجربة طويلة وغنية مكّنته من ان يصبح
<الخبير الرقم واحد> في شؤون الانتخاب بكل ما يتصل بها من قوانين وتدابير.
هنا بعض من مقدمة الكتاب:
مقدمة
لقد تعددت الدراسات والابحاث والاقتراحات المتعلقة بقانون الانتخاب
العتيد الذي يسعى اللبنانيون للتوصل الى اقراره وفقا لما يرضي مختلف الفئات
والطوائف اللبنانية ويتماشى مع المصالح السياسية والمناطقية لهؤلاء.
كما تعددت اللجان المكلفة بدراسة وإعداد قانون عصري للانتخاب آخذة بعين
الاعتبار كل ما قيل وكتب ونشر في هذا الشأن، دون إغفال الاستعانة بخبراء في
الشؤون الانتخابية من الأمم المتحدة ومن مختلف دول العالم المتحضر الذي
يملك خبرة طويلة في ممارسة الديموقراطية والذي تتمتع دوله بنظام انتخابي
عصري ومتطور.
التجربة الاخيرة التي اتسمت بالجدية كانت عبر تشكيل الهيئة الوطنية
لقانون الانتخاب بقرار من مجلس الوزراء والتي ضمت مجموعة من المعنيين
بالشأن القانوني.
لقد توصلت هذه اللجنة بعد مرور ما يقارب خمسة اشهر على اعمالها الى اعلان
مبادئ حول عدد من النقاط التي لا خلاف عليها من حيث المبدأ، مثل وضع ضوابط
للإنفاق والإعلام والإعلان الانتخابية.
وبصرف النظر عن حجم الدوائر وتقسيماتها فقد توصلت الهيئة الى اتفاق يقضي
باعتماد النسبية كنظام انتخابي في جميع الدوائر على ان يتم اعتماد اللائحة
المقفلة، وحق التصويت التفضيلي، ومبدأ التأهيل.
غير ان العقدة الاساسية، برزت مجددا حول الصيغ المقترحة لتقسيم دوائر
الانتخاب لارتباط حجم التمثيل المسيحي بتقسيم الدوائر، مما أدى الى تجميد
اعمال الهيئة ثم التمديد لها لفترة اضافية.
وكان هذا الجانب من قانون الانتخاب ولا يزال يشكل المحور الاساسي والعقبة
الرئيسية التي تحول دون التوصل الى توافق حول تقسيم للدوائر الانتخابية
يرضي المصالح الطائفية والسياسية لمختلف القوى المتصارعة على الساحة
السياسية.
وهذه الاسباب هي نفسها التي حالت دون التوصل الى قانون جديد للانتخاب رغم
المناقشات والسجالات الواسعة التي رافقت مناقشة مشروع قانون الانتخاب الذي
أحالته حكومة الرئيس عمر كرامي الى مجلس النواب بموجب المرسوم رقم 14086
تاريخ 31/1/,2005 دون التوصل الى أية نتيجة مما اضطر الحكومة الى اجراء
الانتخابات النيابية العامة الاخيرة وفقا للقانون رقم 171/.2000
غير انه تجب المسارعة الى التأكيد أن النقاط التوافقية التي تم الاعلان عن
التوصل الى اتفاق بشأنها، ليست من الثوابت السياسية لدى مختلف القوى
السياسية.
فاعتماد النسبية كنظام انتخابي في جميع الدوائر، بصرف النظر عن حجم هذه
الدوائر، لا يزال موضع خلاف وتجاذب.
وإذا كان هناك من اتفاق، من حيث المبدأ، على تحديد الإنفاق الانتخابي، فإن
الاتفاق لم يتم على تفاصيل هذا الامر <والشيطان يكمن في التفاصيل> وتجدر
الاشارة الى مشروع القانون الذي أحالته حكومة الرئيس سليم الحص الى مجلس
النواب بموجب المرسوم رقم 2299 تاريخ 27/1/2000 والمتعلق بمصاريف الحملات
الانتخابية وسقفها وتكافؤ الفرص في الإعلام والإعلان الانتخابيين والذي لم
يصمد طويلا اثناء مناقشته في اللجان النيابية المختصة اذ سرعان ما تم
استرداده من قبل الحكومة بموجب المرسوم رقم 4827 تاريخ 2/1/2001 وتكليف
وزير الداخلية والبلديات إعداد مشروع قانون جديد بهذا الشأن.
اما مشروع القانون الذي يحمل نفس العنوان والذي احالته حكومة الرئيس عمر
كرامي الى مجلس النواب بموجب المرسوم رقم 14087 تاريخ 31/1/2005 بالتزامن
مع مشروع قانون جديد للانتخاب، فإنه لم تتح الفرصة لمناقشته لدى اللجان
النيابية المختصة لان البحث اقتصر لديها على مواد قانون الانتخاب دون
التوصل الى نتائج نهائية بشأن اي منها كما أسلفنا.
أما قضية تخفيض سن الاقتراع الى 18 سنة فلم تكن افضل حظا.
لقد اثير الموضوع بصورة رسمية للمرة الاولى عام 1999 عبر اقتراح قانون تقدم
به عدد من النواب منهم الرؤساء حسين الحسيني وسليم الحص وعمر كرامي وبرغم
ان هذا الاقتراح كان يحظى من حيث المبدأ بموافقة الغالبية من اعضاء مجلس
النواب في حينه فقد تم تأجيل البحث فيه لحين تقديم الدراسات والاحصاءات
التي طلبت وزارة الداخلية مهلة لاعدادها، بغية تحصين الاقتراح ووضعه على
أسس علمية وإحصائية وقانونية واضحة.
وبتاريخ 6/3/2002 اعيد طرح اقتراح القانون نفسه على لجنة الادارة والعدل،
حيث تم تأجيل البحث فيه مجددا على ضوء الخلافات في وجهات النظر التي برزت
اثناء مناقشته في هذه اللجنة:
فقد رأى رئيس لجنة الادارة والعدل وعدد من اعضائها انه يجب اتباع الآلية
المنصوص عليها في المادة 77 من الدستور اي تقديم اقتراح من المجلس النيابي
بأكثرية الثلثين من مجموع الاعضاء الذين يتألف منهم المجلس قانونا، وقد تم
تأييد هذا الرأي من وزير العدل ووزير الداخلية والبلديات.
فيما اعتبر البعض الآخر انه لا يوجد اي مانع من متابعة درس الاقتراح وفقا
لصلاحية لجنة الادارة والعدل الممنوحة لها في درس ومناقشة كافة المبادرات
التشريعية الاخرى على ان يحال الى الهيئة العامة لاستكمال الاجراءات
الدستورية اللازمة بشأنه، معتبرا ان هناك خلفيات سياسية وطائفية تحول دون
السير بهذا الاقتراح الذي قد يطيح بما تبقى من التوازنات الهشة في الوضع
الديموغرافي للسكان وتأثير ذلك على مجرى الحياة السياسية والطائفية في
البلاد.
وأخيرا وبتاريخ 27/1/2005 قرر مجلس الوزراء تكليف وزير الداخلية والبلديات
اعداد دراسة عن تعديل سن الانتخاب الى 18 سنة ورفعه الى مجلس الوزراء
باعتبار ان الموضوع يحتاج لتعديل دستوري.
تبقى قضية الكوتا النسائية، والتي تم تقديم اقتراح بشأنها من ضمن المشروع
الشامل المحال الى مجلس النواب، والتي تبقى بدورها موضع اعتراضات قانونية
ودستورية لا مجال للخوض بتفاصيلها ولا بتفاصيل باقي المواضيع والنقاط
التوافقية الاخرى والتي قرر مجلس الوزراء في قراره المشار اليه اعلاه تكليف
وزير الداخلية والبلديات وضع دراسة عن هذا الموضوع كذلك.
غير ان تركيز الاهتمام على ما تقدم من ابحاث، على اهميتها السياسية
والقانونية البالغة، يجب ان لا يصرفنا عن استكمال البحث في باقي الأمور
القانونية والتقنية والعملانية المتعلقة بالعملية الانتخابية، والتي تشكل
ما نسبته 90? من مواد قانون الانتخاب بدءاً من وضع قوائم الناخبين وتنقيحها
وإدخال التصحيحات القانونية عليها، مروراً بإجراءات الاقتراع، ومهام
وصلاحيات هيئة قلم الاقتراع وكيفية تشكيلها، ومهام وصلاحيات لجان القيد،
والمستندات الانتخابية الرسمية وكيفية تنظيمها، والقوة الثبوتية التي تتمتع
به كل منها، ونسيج العلاقات القانونية واللوجستية التي تربط بين مختلف
الهيئات القضائية والادارية المعنية بصورة مباشرة بالشأن الانتخابي.
وأستطيع أن اقول بأن تحصين العملية الانتخابية وحمايتها يتوقف بجوانبه
الرئيسية على تطوير النظام الانتخابي عبر الوقوف على الثغرات والنواقص التي
تعتري بعض مواد قانون الانتخاب وتحصين تقنيتها.
وتبعا لذلك فإن اصلاح النظام الانتخابي، لا يتوقف على ايجاد صيغ مقبولة
لتقسيم الدوائر الانتخابية، والاتفاق على اعتماد نظام النسبية او الأكثرية
لاجراء الانتخابات، وما بينهما من طرق وتفاصيل، قد يتم الاتفاق بشأنها
اليوم وقد تكون موضوع اعتراض في الغد من هذا الفريق او ذاك، وقد تتغير هذه
المعايير وفقا لتغير موازين القوى السياسية في البلاد.
لقد جرت محاولات عديدة لإصلاح النواحي التقنية والقانونية في قانون
الانتخاب وقد نجحت بعض هذه المحاولات وتم ادخال تعديلات على بعض بنوده من
شأنها تعزيز وضبط تقنية العملية الانتخابية غير ان ما تم انجازه في هذا
الشأن لم يكن كافياً فلا يزال قانون الانتخاب يتضمن مجموعة لا بأس بها من
النصوص التي تتعارض مع احكام الدستور والمبادئ الدستورية العامة، والتي لو
تعرضت للطعن امام المجلس الدستوري في حينه لكان نصيبها الإبطال.
وقد ظهرت هذه المخالفات بصورة واضحة وجلية من خلال مجموعة الاجتهادات
القيمة التي تضمنتها قرارات المجلس الدستوري ومجلس شورى الدولة في معرض
احكامها التي صدرت نتيجة المراجعات والطعون بنتائج الانتخابات النيابية او
البلدية والتي سنشير إليها تفصيلاً في معرض البحث.
لقد اتيحت لي فرصة، تحمل المسؤولية المباشرة في الاشراف على اجراء
الانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية، الاساسية منها او الفرعية منذ
العام 1994 وحتى الانتخابات النيابية العامة التي جرت عام .2005
كما كان لي فرصة المشاركة في وضع كافة نصوص مشاريع القوانين الانتخابية
والمساهمة في مناقشتها لدى اللجان النيابية المختصة بما في ذلك مشاريع
القوانين البلدية المتعاقبة التي كانت تحال الى مجلس النواب والتي ما زالت
بصيغها المختلفة قيد البحث والدرس والمناقشة لدى هذه اللجان منذ العام 1996
حتى تاريخه من غير ان تبصر النور، فجرت الانتخابات البلدية عامي 1998 و2004
وفقا لقانون البلديات الصادر عام .1977
كما ان مشاريع القوانين المتعلقة بالانتخابات النيابية والتي احيلت الى
مجلس النواب من الحكومات المتعاقبة، لم تكن احسن حظا، حيث كانت تبدأ اللجان
النيابية المختصة، بمناقشتها ويستمر ذلك لفترات طويلة ودون التوصل الى
قواسم مشتركة لانتاج قانون انتخابي عصري متكامل. فمن الملاحظ ان نظام
الانتخاب المعمول به حاليا هو نفسه النظام الذي وضعت سلطة الانتداب الفرنسي
قواعده الاولى فكان القرار 1307 تاريخ 10/3/1922 الذي شكل حجر الاساس
لقوانين الانتخاب اللبنانية المتتابعة حيث جرت على اساسه اول انتخابات في
دولة لبنان الكبير في ايار .1992
وهو نفسه القانون المطبق منذ العام 1960 برغم ادخال بعض التعديلات الموسمية
عليه، والتي كانت تقتصر، في معظمها، على تقسيم الدوائر الانتخابية بأشكالها
المعروفة وفقا لتغير الازمان، وتعديل مراكز القوى السياسية، ودون ان يتم
التطرق بصورة مباشرة الى تطوير وتعديل النظام الانتخابي بتفاصيله القانونية
والعملية.
لقد تكونت لديّ من خلال الممارسة العملية الطويلة خبرة غنية بالملاحظات
القانونية والإجرائية والعملانية، على سير العملية الانتخابية ومجموعة من
الاقتراحات.
مكننة قوائم الناخبين
لقد خطت الادارة خطوة هامة، بتنفيذ مشروع مكننة القوائم الانتخابية ولوائح
الشطب وتحقيق مشروع البطاقة الانتخابية.
وبرغم ان القوائم الانتخابية هي دائمة انما يعاد النظر فيها سنويا عبر آلية
محددة يتم خلالها تدوين الاضافات والشطوبات عليها من خلال اضافة اسماء
الاشخاص الذين تتوافر فيهم الشروط القانونية لقيد اسمائهم وإضافة اسماء
الاشخاص الذين اهمل قيدهم وشطب اسماء الذين توفوا... الخ.
لقد حرص قانون الانتخاب على لحظ آلية دقيقة وديموقراطية لعملية تصحيح قوائم
الناخبين عبر اشراك الناخبين والهيئات المحلية في وضع هذه القوائم
والمساهمة في تصحيحها، حيث يحق لكل ناخب سقط قيده او وقع خطأ فيه، ان يطلب
تصحيح ذلك، كما يحق لكل ناخب، وللمحافظ، والقائمقام، والمختار ان يطلب شطب
او قيد اسم اي شخص جرى قيده خلافا للقانون.
هذا من الناحية القانونية، اما من الناحية العملية فقد كنا نلاحظ باستمرار،
عدم مبالاة معظم المواطنين بهذا الشأن، وعدم اعارة الموضوع الاهتمام اللازم
من قبلهم، رغم الحملات الاعلامية المكثفة التي تقوم بها وزارة الداخلية،
لحث المواطنين على الاطلاع على هذه القوائم وممارسة دورهم الاساسي في
تنقيحها وتصحيحها، وكان الامر يقتصر بصورة إجمالية على بعض <الماكينات>
الانتخابية الفاعلة، وبعض المخاتير الذين يعملون بصورة مباشرة او غير
مباشرة لمصلحة القوى السياسية المرتبطين بها.
زيادة على ما تقدم اعطى القانون، لوزير الداخلية صلاحية الطلب من لجان
القيد تصحيح الاخطاء والنواقص التي تظهر لاحقا في القوائم الانتخابية
المصححة والمنقحة دون تحديد مهلة زمنية لذلك.
وقد شكلت هذه الصلاحية، خلافا للغاية من وضعها، سببا اضافيا لإحجام
المواطنين عن ممارسة عملية التصحيح خلال مهلة النشر القانونية، وانتظار
اقتراب مواعيد اجراء الانتخابات، حيث تنهال طلبات التصحيح بأعداد كبيرة على
وزير الداخلية، من مختلف <الماكينات> الانتخابية للمرشحين، مستفيدة من هذه
الصلاحية الاستثنائية والتي اصبحت من خلال التجارب السابقة تشكل الوسيلة
الاساسية للتصحيح.
(?) المدير العام لوزارة الداخلية سابقا
|