هل يعقل أن ينظر الأعضاء الجدد في قانونية تعيينهم ودستوريته ؟

أحمد زين - جريدة السفير

 

إنهاء ولاية <<الدستوري>> استكمال للانتخابات ولحود مطالب برد القانون

جريدة السفير 3/12/2005

ينضم قانون تعديل قانون إنشاء المجلس الدستوري، الذي اقرته الأكثرية النيابية في جلسة المجلس يوم الاربعاء الماضي، الى مجموعة <<القوانين القراقوشية>> باعتباره يقدم نموذجاً فجاً لقدرة السياسة والمصالح الشخصية والفئوية على قهر مؤسسات الدولة من اجل السيطرة عليها، ومثالاً لكيفية العبث بالمبادئ القانونية والأحكام الدستورية والقواعد التي باتت تشكل في الدولة الحديثة واحدة من المسلمات الأساسية.
قد يكون ما جرى على <<جبهة المجلس الدستوري>> منذ 25 آب سنة 2003 وحتى إقرار الاقتراح مثيراً، ولكن كونه اصبح من الماضي يمكن اختصاره بنقطة واحدة وهي ان الجهات والسلطات المعنية بتعيين اعضاء المجلس الدستوري قد توافقت عن قصد ام من دون قصد على الإجهاز عملياً على واحد من اهم إنجازات اتفاق الطائف.
وما جرى عند مناقشة اقتراح التعديل وإقراره جاء ليستكمل ما حصل منذ 25 آب، ويتبين ذلك من المعطيات الآتية:
اولاً: عندما يصدر قانون التعديل <<تنتهي ولاية كافة اعضاء المجلس الدستوري الحاليين بعد اكتمال تأليف المجلس>>. وهذا النص الذي ورد في القانون وضع لحفظ ماء الوجه، كما يقال، لأنه بمجرد عدم تعيين البدلاء عن الذين انتهت ولايتهم، كما هو حاصل حتى اليوم، يكون المجلس الدستوري معطلاً أي أنه من الناحية العملية بحكم الوضع المماثل لانتهاء ولاية كافة الاعضاء. ويبدو واضحاً من هذا النص ان الجهة التي ابتدعت اقتراح القانون حاولت الهروب من الوقوع في مطب تعطيل او إحداث فراغ في مؤسسة دستورية عندما قالت بانتهاء الولاية بعد اكتمال تأليف المجلس وليس من تاريخ صدور القانون. فهذا الاعتراف الضمني بمبدأ ضرورة استمرار عمل المؤسسات الدستورية وعدم إحداث أي فراغ فيها لأي سبب كان يطرح سؤالاً حول الصمت عن الفراغ الحاصل في مؤسسة المجلس حتى اليوم، خصوصا أن الأكثرية النيابية كانت قد أقرت اقتراح النظر بالمراجعات أمام المجلس الدستوري ريثما يتم استكماله، ولم يتم الاستكمال حتى بعد أن أبطل المجلس الدستوري هذا القانون.
والمفارقة هنا إذا ما صدر قانون التعديل وأصبح نافذاً يمكن نظرياً تقديم مراجعة طعن أمام المجلس الدستوري بالقانون باعتبار أن انتهاء ولاية أعضاء المجلس تبقى مستمرة الى ما بعد تعيين الأعضاء العشرة دفعة واحدة التزاماً بالاستمرارية المشار إليها سابقاً. ولكن المجلس الدستوري في ظل وضعه الحالي، أي في حال رفض الحكومة تعيين حصتها من الأعضاء و<<إضراب>> الأعضاء الخمسة الذين انتهت ولايتهم عن متابعة أعمالهم، تبقى مراجعة الطعن بالقانون <<قيد الحفظ>> أمانة للنظر بها من قبل المجلس الدستوري الجديد، وبمعنى آخر يكون المجلس الدستوري المعين هو الذي سينظر بدستورية قانون تعديل القانون الأساسي، وبالتالي فإن الأعضاء الجدد هم الذين سينظرون بقانونية ودستورية تعيينهم!
ولا بدّ من الإشارة هنا الى أن استمرارية عمل المؤسسات الدستورية التي لامسها النائبان عباس هاشم وإبراهيم كنعان لا تقبل أي وجه من وجوه التحايل عليها كما حصل، وخصوصاً لجهة اختصار ولاية اعضاء هذه المؤسسات. فبصرف النظر عما نصت عليه المادة الرابعة من قانون إنشاء المجلس الدستوري بنصها على أنه <<لا يجوز اختصار مدة ولاية أعضاء المجلس>> فإن عدم الجواز هذا مستمد من مبدأ استمرارية المؤسسة نفسها، وبالتالي فهو ذو بعد دستوري سيان أكان في القانون العادي نص على ذلك أم لاعتبار ان اختصار الولاية للأعضاء يؤدي الى إنهاء ولاية المؤسسة نفسها.
ومن البديهي القول أن اختصار الولاية كتمديدها، باعتبار أن المسألتين يرتبطان ببعد زمني، ومن يملك حق التقصير يملك حق التطويل. والدستور في هذا المجال كان واضحاً لجهة إلزامية الإقدام على الحالتين وفق النصوص التي يتضمنها وليس بموجب قانون عادي، ولهذا فإن ولاية اعضاء المجلس الدستوري وإن كانت محددة بقانون عادي فإن اختصارها يتطلب قانوناً دستورياً كما جرى ويجري بالنسبة لولاية رئيس الجمهورية، وإذا ما كان من خرق لهذا المبدأ في التمديدات الثمانية لولاية المجلس المنتخب سنة 1972 التي تمت بقوانين عادية فإن هذا الخرق يتجاوز الدستوري ولا يمكن البناء عليه.
وفي هذا المجال، يقول رئيس المجلس الدستوري الأول وجدي الملاط: <<هذا المجلس المحددة مدته بأربع سنوات بموجب قانون عادي الخاضع منذ انتخابه لاشتراط دستوري رسمت قيوده المادة 42 من الدستور هل كان يصح له ان يمدد لنفسه بموجب قانون عادي او انه كان ينبغي لمثل هذا التمديد ان يعمد الى قانون دستوري منطو على تعليق مؤقت لأحكام هذه المادة الدستورية؟ إن هذا الاستفسار لا يزال مطروحاً حول سلامة تمديد ولاية هذا المجلس دون مراعاة المدلول الدستوري والأدبي للمادة 42 من الدستور التي لا يبدو أنها تسمح بمثل هذا التمديد العادي الذي من شأنه قياساً ان يعني حقا في التمديد مدى الحياة>>.
ويقول الدكتور ادمون رباط في وصف تجديد ولاية احد رؤساء الجمهورية الأسبقين بأنه <<خرق ظرفي>> للدستور جاء تلبية لاعتبارات شخصية رغم انه كان بموجب قانون دستوري. وبعيداً عن النظريات والاجتهادات يمكن طرح السؤال التالي: ماذا يبقى من المؤسسات الدستورية ودورها اذا ما اتت اكثرية نيابية جديدة وقررت، لأي سبب كان، إنهاء ولاية المجلس الدستوري وتعيين اعضاء جدد بدلاً عنهم؟
ثانياً: إن مقولة إنهاء ولاية اعضاء المجلس الدستوري استناداً الى ما اجتهده هذا المجلس في واحد من قراراته لا يمكن البناء عليه وهو ادعاء ساقط. فلا القوانين ولا الأعراف ولا الدستور يسمح بأن يكون هناك سلطة رقابية على أعمال المجلس الدستوري، بحيث اذا ما كانت قرارته تتوافق مع رأي تلك <<السلطة>> يبقى في الولاية وإذا ما تعارضت تنتهي ولايته بقانون؟! فالمؤسسات تملك حق التقرير وفق شروط وآليات محددة، وقد تكون تلك القرارات صائبة بالنسبة للبعض وغير صائبة بالنسبة للآخرين فما المشكلة في ذلك؟ هل اذا ما اقر مجلس النواب مشروعاً فيه تجاوز للأحكام الدستورية يعمد لحل المجلس وإنهاء ولايته؟
من هذه المعطيات يتبين أن ما حصل بالنسبة للمجلس الدستوري، وخصوصاً بعد إقرار تعديل إنهاء الولاية، هو خطير على مستوى <<دولة القانون والمؤسسات>> التي يرفع شعارها الكثيرون وفي مقدمتهم الاكثرية النيابية التي اقرت التعديل. واستدراك ما يمكن استدراكه من تجنب هذه الخطورة يتطلب موقفاً صريحاً وعاجلاً ليس من قبل الجهات التي عارضت الإقرار بالانسحاب من الجلسة او التصويت ضد التعديل فقط من خلال تبرئة <<الذمة من دم هذا الصديق>> بتقديم مراجعة طعن امام المجلس الدستوري الموجود وغير الموجود، إنما من قبل رئيس الجمهورية العماد اميل لحود تحديداً وأعضاء المجلس الدستوري المضربين عن العمل ويكون ذلك بالخطوات التالية:
أ العودة عن قرار الإضراب، فلا يجوز ان تنتهي <<مناقبية 43 سنة>> بالمساهمة بتعطيل مؤسسة دستورية!
ب رد القانون من قبل رئيس الجمهورية الى مجلس النواب.
ج المبادرة الفورية لتعيين العضوين المتبقييْن من قبل مجلس الوزراء لاستكمال تعيين الأعضاء الخمسة الذين انتهت ولايتهم في آب 2003، علماً أن رئيس الجمهورية يمكنه طرح الأمر من خارج جدول الأعمال اذا ارتأى ذلك، لكن موازين القوى الحكومية لن تسمح بالتمرير.

 

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب والتنمية

 

 

 

 

 

ملف المجلس الدستوري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية