المجلس الدستوري : هرطقة دستورية

 

 

المحامي وسيم أحمد نابلسي

نشرت في جريدة الرقيب بتاريخ           , العدد

   بات المجلس الدستوري الموضوع الحاضر الغائب في مجمل النقاشات السياسية الدائرة في البلد منذ العام 2005 والى اليوم . ولكونة مؤسسة حديثة النشأة نسبيا" فقد صار موضوعا" للكثير من المغالطات وسوء الفهم , حتى أن أستاذا" جامعيا" متخصصا" لن نذكر اسمه كتب مقالة في جريدة السفير اعتبر فيها أن المجلس الدستوري يخضع لسلطة مجلس القضاء الاعلى رغم ما في ذلك من مغالطة . وإذ نورد المغالطة السابقة كنموذج لما قد يقع به البعض فلن نذكر باقي الاخطاء والمغالطات حيث تم ايرادها تفصيلا" في مقال أرسل الى جريدة السفير التي لم تعن بنشره .

   لذلك نرى ضرورة توضيح مسألة المجلس الدستوري بكل ما يعتورها من إشكاليات .

   المجلس الدستوري هيئة مستقلة ذات صفة قضائية أنشئت بموجب القانون رقم 250/93 وذلك بناءا" على المادة 19 من الدستور اللبناني وتنحصر مهامه في جانبين : الرقابة على دستورية القوانين والنظر في الطعون الناشئة عن الانتخابات النيابية والرئاسية .

   ويتألف  المجلس من عشرة أعضاء , يعين مجلس النواب نصفهم فيما تعين الحكومة النصف الآخر ويختارون من بين القضاة والمحامين والأساتذة الجامعيين وفق شروط خاصة ( راجع المادة 3 ) . و مدة ولاية العضو هي ست سنوات، غير قابلة للتجديد أو للاختصار . وعند انتهاء ولاية العضو يصار الى ابلاغ المرجع الذي عينه ( الحكومة أو البرلمان ) ليصار الى تعيين عضو بديل خلال شهر من تاريخ الابلاغ .

   وقد كان انشاء المجلس الدستوري خطوة تشريعية هامة نظرا" للفراغ التشريعي الكبير الذي كان سائدا" قبل انشائه , اذ لم توجد أي هيئة صالحة لمراقبة دستورية القوانين في لبنان , بينما كانت الطعون الانتخابية تعالج بصورة غير عقلانية حيث كان للنواب وحدهم صلاحية النظر في صحة نيابتهم , بكل ما في ذلك من تناقض .  

   بتاريخ 7/آب/2003 انتهت مدة ولاية خمس من أعضاء المجلس , ثلاثة كان مجلس النواب قد عينهم واثنان كانا قد عينا من طرف الحكومة . وبالرغم من أن القانون ينص على تعيين الأعضاء البدلاء خلال شهر من تاريخ ابلاغ المرجع الذي عينهم ( يتوجب ابلاغ المرجع خلال اسبوع ) , ورغم أن مجلس النواب قد عين ( بعد انقضاء مهلة الشهر ) الأعضاء الثلاثة الواجب عليه تعيينهم الا أن الحكومات المتعاقبة لم تقم بتعيين العضوين خاصتها كما لم تدع الاعضاء الذين عينهم المجلس الى حلف اليمين .  هذا وقد استمر الاعضاء المنتهية ولايتهم بممارسة صلاحياتهم كأعضاء في المجلس , بالاستناد الى النظام الداخلي والى مبدأ استمرارية المرفق العام .

   بتاريخ 19/7/2005 أصدر مجلس النواب القانون رقم 679 المؤلف من مادة وحيدة : "  يؤجل النظر بالمراجعات أمام المجلس الدستوري ريثما يتم استكماله , يعمل بهذا القانون فور نشره . "  فتقدم على الأثر عشرة نواب بطعن أمام المجلس الدستوري بالقانون المذكور طالبين ابطاله . أصدر المجلس قراره بقبول الطعن وابطال القانون ابطالا" كليا" . ( قرار رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005 ) . تلا ذلك اعلان اعضاء المجلس الخمسة المنتهية ولايتهم توقفهم عن ممارسة مهامهم معللين ذلك بالضغط على الحكومة للقيام بواجبها بتعيين العضوين البديلين الواجب عليها تعيينهما .

   في مقابل ذلك تبين أن الحكومة غير راغبة أصلا" في تعيين العضوين البديلين بل هي تذهب في اتجاه تعديل قانون المجلس الدستوري بمجمله واقالة أعضائه بمن فيهم الذين لم تنته ولايتهم بعد .

  وقد أثارت هذه المسألة الكثير من الانتقادات والتحفظات المحقة لدى أهل الاختصاص ولدى أهل السياسة على حد سواء . فأما أهل السياسة فقد اعتبروا أن الهدف الحقيقي من انهاء ولاية المجلس انما هو وقف النظر في الطعون الناشئة عن الانتخابات النيابية الاخيرة والتي تظهر ملفات الطعون فيها امكانية كبيرة وجدية لالغاء العديد من نتائج هذه الانتخابات لو تسنى للمجلس الدستوري النظر فيها . كما أن تعطيل المجلس الدستوري يفتح المجال واسعا" أمام الحكومة ومجلس النواب الحاليين لتمرير القوانين ووضعها موضع النفاذ دون اي رقابة على مراعاة هذه القوانين لأحكام الدستور . وبالفعل فإن ما كان تخوفا" أصبح حقيقة مع مجموعة القوانين القراقوشية التي صدرت مؤخرا" وأبرزها قانون العفو عن سمير جعجع والذي يعرف أهل الخبرة انه لا يمكن أن يصمد أمام اي نقاش قانوني وان اي مجلس دستوري كان ليبطله لو تسنى له النظر به . ( ربما تتاح لنا فرصة أخرى لنقاش هذا الموضوع تفصيلا" ) .

   فأما أهل الاختصاص فهم ينظرون الى المسألة بجملتها بوصفها مجموعة من الهرطقات الدستورية والقانونية, وتفصيل ذلك :

1-   إن مشروع القانون الذي تتبناه الحكومة يتضمن تقصير ولاية أعضاء المجلس الذين لم تنته ولايتهم بعد وفي هذا مخالفة صريحة لأحكام المادة الرابعة من القانون 250/93 والتي تنص : " مدة ولاية أعضاء المجلس الدستوري ست سنوات، غير قابلة للتجديد، ولا يجوز اختصار مدة ولاية أي منهم " .

2-   إن بدعة قيام مجلس نيابي منتخب حديثا" بإلغاء وانهاء ولاية أعضاء المجلس الدستوري قبل أن يمارس هذا الاخير مهامه في النظر بالطعون الناشئة عن الانتخابات النيابية يشكل خرقا" فاضحا" لجوهر الدستور ولروح مؤسسة المجلس الدستوري حيث هل يعقل أن يقوم النواب الجدد والحكومة الجديدة الناشئة عن أكثرية المجلس الجديد بتعيين أعضاء المجلس الذي سينظر في صحة نيابتهم ؟؟؟ وهذه السابقة تفتح الباب أمام التقصير والتعديل إثر كل انتخابات نيابية بما يدمر مؤسسة المجلس الدستوري تدميرا" نهائيا" , حيث يجدر هنا تذكير الاكثرية الحالية بالحكمة المعروفة : " لو دامت لغيرك لما وصلت اليك " , فماذا لو أفرزت الانتخابات النيابية التالية اكثرية غير الاكثرية الحالية ؟؟؟ هل ستقوم بتعطيل المجلس الدستوري الذي تنوي الاكثرية الحالية تعيينه؟

3-   وبما يزيد من مرارة المسألة أن التعديل المقترح يتضمن ان تجري مقابلة الاعضاء المرشحين والاستماع اليهم من قبل بعض النواب في المجلس النيابي , حيث نحيل هنا الى راي العلامة القانوني الدكتور حسن الرفاعي : <<المفروض أن يختار أعضاء المجلس الدستوري من أعلى طبقات المجتمع وأكثرها علماً في القانون الإداري والقانون الدستوري، ومثل هؤلاء لا يجوز إطلاقاً، وهم لا يقبلون أصلاً، أنْ يستجوبوا من قبل نواب مهما علا شأنهم>>.

خلاصة القول أن مسالة المجلس الدستوري هي مهزلة أخرى من أخطر المهازل التي تضاف الى السيرك السياسي القائم في البلد حاليا" وحلقة أخرى من حلقات مسلسل الهرطقة الدستورية والقانونية الممارسة يوميا" والتي ينبغي المحاسبة عليها  وعدم السكوت عنها صونا" للبنان    أولا"!!!!