نحو قانون عادل للايجارات

 

جريدة الديار  17/3/2006

اضحت قضية الايجارات في لبنان مشكلة اجتماعية واقتصادية تكاد لا تنتظر حلاً في المدى ‏المنظور. ولعل التأجيل والتمديد المستمرين لقانون سنة 1992 وهو القانون الاخير الصادر في ‏لبنان بتاريخ 23/7/1992 والمتعلق بالايجارات، عدا بعض التعديلات اللاحقة التي لم تمس بجوهر ‏قانون سنة 1992، هما السبب الكامن وراء هذه المأساة وان لم يكن السبب الوحيد فهما سبب ‏رئيسي وجب ايجاد الحلول له والا تفاقمت المشكلة أكثر فأكثر.‏
أطلق قانون سنة 1992 مبدأ حرية التعاقد، وبموجبه يكون لطرفي العقد، اي المالك ‏والمستأجر، كامل الحق بوضع نصوص العقد وبنوده، من دون اي قيد او شرط يضعه المشرِّع بهذا ‏الخصوص، باستثناء قيد واحد هو الا تقل المدة التعاقدية الاولى عن ثلاث سنوات، الا اذا رغب ‏المستأجر بترك المأجور بملء ارادته. وفي هذه الحالة يتوجب عليه اعلام المالك بذلك الترك قبل ‏شهرين بكتاب خطي.‏
ان أمراً كهذا موضوع حتماً لحماية المستأجر من اعتباطية بعض المالكين وجشعهم وتعسفهم في ‏استعمال حقهم في التأجير، بحيث لا يستطيع المالك ان يجبر المستأجر على إخلاء المأجور قبل ‏انقضاء ثلاث سنوات من وقت دخول المستأجر المأجور للمرة الاولى.‏
لكن تحديد المدة التي لا يحق للمالك قبل انقضائها فسخ عقد الايجار، وان كان امراًجيداً ‏وضرورياً، ربما نظراً الى بعض الحالات الخاصة، لمنع المالك من التعسف في استعمال حقه، غير ان ‏امراً كهذا ليس كل شيء وليس الأمر الوحيد الذي يجب على المشرِّع استدراكه والنص عليه ‏والتدخل لتنظيمه. لكن ما أغفله المشرِّع - وهنا امر مهم جدا في رأينا - هو عدم وضع حد ‏أقصى وأدنى لا يجوز للمالك تجاوزه، إذ أطلق له العنان والحرية الكاملين في تحديد بدل الايجار، ‏وهنا تكمن احدى ابرز مشكلات القانون في لبنان.‏
اذن هناك مشكلة حقيقية. والاخطر من ذلك انها تتفاقم يوماً بعد يوم، بخاصة مع عدم صدور ‏اي تشريع جديد بهذا الخصوص منذ العام 1992. فالايجار الجديد باهظ والايجار القديم زهيد، ما ‏يعني عدم وجود سياسة اسكانية مدروسة وعادلة تعتمدها الدولة اللبنانية. فما هو الحل؟
في رأينا، يكمن الحل في إطلاق المبدأ الذي بموجبه يعتمد ثلث الحد الأدنى للاجور الذي هو مئة ‏ألف ليرة لبنانية كمعيار يعتمد من أجل تحديد بدل الايجار للشقق الأصغر مساحة والتي لا ‏تتعدى مساحتها ثمانين متراً مربعاً، واعتماد هذا المبلغ من أجل احتساب الزيادة الواجب ان ‏تطرأ على عقود ايجار الشقق الأكبر مساحة والاحسن موقعا ومواصفات بناء، بحيث يرتفع بدل ‏الايجار كلما زادت مساحة الشقة او كان موقعها في مناطق أفضل موقعاً وأسهل سكناً. هذا شرط ‏ألا يتجاوز بدل الايجار، مهما كانت الظروف، الحد الأدنى للاجور بأكثر من مرة ونصف المرة، اي ‏مبلغ أربعمئة وخمسين الف ليرة لبنانية، ولا يتعدى البدل هذا المبلغ مهما كانت الشقة ‏واسعة المساحة ومهما كان البناء الذي يحتويها فخماً او في منطقة سكنية راقية.‏
فالشقق المؤجرة بموجب عقود ايجار قديمة، اي قبل العام 1992، زهيدة البدلات بحيث لا يتعدى ‏بدل الايجار الشهري احيانا عشرين الف ليرة لبنانية، مع وجود مساحات واسعة لهذه الشقق ‏تتعدى احيانا مئتي متر مربع، بينما نرى في المقابل بدلات شهرية تتعدى ثلاثمئة او اربعمئة ‏دولار اميركي لشقق مماثلة بالمساحة والموقع والمواصفات. والسبب الوحيد في ارتفاع بدلات ‏ايجارها هو ان العقود التي ترعاها والتي أجّرت بموجبها تعود الى ما بعد العام 1992، أي ‏بعد ان أطلق المشرِّع مبدأ حرية التعاقد.‏
لذلك لا بد من دراسة القوانين التي هي على علاقة وطيدة ومباشرة بقانون الايجارات، كقانون ‏البناء مثلا، اذ من دون هذا القانون لا يمكن التحدث أساساً عن قانون الايجارات. فقانون ‏البناء هو الذي يرعى أصول تشييد الأبنية والشروط التي يخضع لها هذا التشييد، وقانون ‏الايجارات هو المادة او الموضوع الذي ستكون هذه الأبنية محوره، بخاصة في الحالة التي يشيد ‏المرء بناءً بهدف تأجيره من الغير وحسب، لا لبيعه.‏
فمن مراجعة قانون البناء، سيما المادة الاولى منه، نرى ان تشييد الأبنية وتحويلها ‏وترميمها وتجديدها يخضع لرخصة مسبقة تعطى وفقاً للنصوص النافذة واستناداً الى موافقة ‏الادارة الفنية المختصة، المبنية على كشف فني تجريه لهذه ا لغاية. وغني عن البيان ان ‏تكاليف الاستحصال على الرخصة قد تصل الى مئات الملايين من الليرات اللبنانية، بحسب الاحوال، ‏فضلاً عن الوقت - الطويل للغاية - الذي قد تستغرقه المعاملات والاجراءات المتممة لعملية ‏الحصول على الرخصة.‏
فقانون البناء في لبنان صارم للغاية (وربما يفترض فيه ان يكون كذلك نظراً لخطورة الأوضاع ‏التي يرعاها وينظمها). فان تشييد الأبنية يجب اخضاعه لشروط معينة، لأن في هذا التشييد ‏‏(او التحويل او الترميم اوالتجديد) اموراً مصيرية تتعلق بها ارواح الناس: فإذا كان هناك ‏بناء مؤلف من عشر طبقات مثلا ولم تراعَ في تشييده الشروط القانونية والفنية اللازمة التي ‏تكفل سلامته، فقد يتعرض للانهيار في مدة قصيرة من الزمن (قد لا تتعدى العشر سنوات) مما ‏يؤدي حتما الى كارثة بشرية فظيعة.‏
في اي حال، ولحسن الحظ، احتاط المشرِّع اللبناني لدرء المخالفات التي يمكن ان تنجم عن عملية ‏البناء، فنص في المادة الرابعة والعشرين من القانون على أن يعاقب المسؤول الذي يخالف ‏أحكام هذا القانون والنصوص التي تتخذ لتطبيقه بغرامة من مليونين الى مئة مليون ليرة ‏لبنانية. وان المخالف الذي يواصل العمل، بعد أن يكون قد أُوقف، يعاقب بالغرامة من ‏أربعة ملايين الى مئتي مليون ليرة لبنانية، وبالحبس من اسبوع الى خمسة عشرة يوماً او بإحدى ‏هاتين العقوبتين، على الا يحول ذلك دون ازالة المخالفة عند الاقتضاء. وتسجل المخالفة، بناء ‏على طلب البلدية او الادارة الفنية المختصة، على الصحيفة العينية للعقار ولا تشطب الا ‏بعد تسوية أوضاعه او إزالتها (الفقرة الاخيرة من المادة).‏
ومهما يكن من أمر، فإن إصدار قانون جديد للإيجارات، في القريب العاجل، يبقى أمراً ‏ضرورياً، لمنع الظلامة الناجمة عن مسألة احتساب البدلات، او على الأقل للحد منها قدر ‏المستطاع، كون هذه المسألة التي اخترنا معالجتها لوحدها في هذا المقال تسبب مشكلات مهمة ‏وكثيرة لا تستقيم معها أوضاع المجتمع اللبناني، لان القانون - وبخاصة قانون الايجارات - ‏ركيزة أساسية وجوهرية يرتكز عليها هذا المجتمع.‏

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب والتنمية

 

 

 

 

 

 

 

دراسات قانونية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية