النظــام الإنتخابـي الأمثـل فـي لبنـان

 

تصميم :

 

       نعرُضُ في البداية لوظائف النظام الانتخابي بشكل عام ، والذي بدورِهِ لا يمكنُ معالجَتُهُ إلا من خلالِ التطرقِ إلى :

نظامِ الاقتراعِ المتداول ( أكثري ، نسبي ، مختلط )

وتقسيمِ الدوائرِ الانتخابية ( الدائرة الفردية ، المتوسطة ، الكبرى والدائرة الواحدة )

محاولينَ إظهارَ ما يتضمَّنُهُ كل نوع من حسناتٍ وسيئات .

 

       وننطلقُ من المادة 24 من الدستور لإعطاء لمحةٍ تاريخيةٍ عن مسيرة الانتخابات وقانونها في لبنان ، ونعرُضُ للمجالس النيابية التي نشأت منذ عام 1920 الىعام 1992 .

 

       ويقودُنا البحثُ الى الحديث ، ولو بشكل موجز ، عن موضوعِ الطائفيةِ السياسـية ، ثم نعرض لبعض الاقتراحات العامة ، التي تلقي الضوءَ على بعض مشاكل النظام السياسي في لبنان والتي يشكل قانون الانتخابات جزء منها ، محاولين ايجاد حل لتلك المشاكل .

                                                                                 

 

                                                                                                                                                               المحامي

عمر سالم المـراد

 

 

 

 

 

 

       يعكُسُ النظامُ الإنتخابيُّ في بلدٍ ما صورةَ النظامِ السياسيِّ في هذا البلد ، وفسادُ أو صلاحَُ الأولِ لا شكّ ، يفسّر في قسم كبير منه ، فشلَ أو نجاحَ الثاني .

 

       والواقع أنّهُ ليس هناك نظامٌ إنتخابي مثالي يتلاءمُ معَ كلِ الانظمة السياسية أو مع أي مجتمع من مجتمعات الدول المعاصرة . كما أنه ليس هناك معيارٌ مثاليُّ لنظامٍ إنتخابي على المستوى العالمي . المعيارُ الوحيد هو معيار التنافسِ السياسي الحر في ظل نظامٍ ديموقراطي فاعلٍ يؤمن المداورةَ في السلطة . النُظُمُ السياسيةُ الفاعلة هي تلك التي تتناسب معَ واقعِ البلدِ المجتمعي ومع أوضاعِهِ السياسية وطموحاتِ شَعبِهِ المستقبلية .

 

       من هنا ، فان لكل نظام انتخابي وظيفةً تمثيليةً وأخرى سياسية ، بالاضافة لأهداف أخرى يحدد أُطُرَها المشترع ، وهي اهدافُ يجب ان تعكسَ ارادةَ الشعب وأولوياتَه .

 

وظائـفُ النظـام الإنتخابـي :

       من المفيد الإشارةُ أولاً الى الوظائفِ التمثيليةِ والسياسيةِ التي يؤمِنُها قانون الانتخاب في الانظمة الديموقراطية ، مع التمييز بين المجتمعات المتجانسة وغير المتجانسة ، كما هي الحال في لبنان ،حيث تكون لهذه الوظائف أهمية كبرى . وهذه الوظائف هي الآتية :

 

1- تأمينُ التمثيلِ الصحيح . وهو التمثيل الذي يَربُطُ النائبَ بالناخب، أي بالقاعدة الشعبية على مستوى الدائرة الانتخابية التي  يُمثّلُها النائب في المجلس النيابي . والتمثيل الصحيح يقتضي أيضاً تمكينُ الناخبين من محاسبة ممثليهم ( تأييداً أو معارضة ) وذلك من خلال منحهم القدرة على التأثير على العملية الانتخابية .

 

2- تأمينُ التمثيلِ السياسي الصحيح . بحيث لا يتحول النظام الانتخابي أداةً لضرب قوىً سياسية معينة أو تحجيمها .

 

3- تسهيلُ آليةِ الحكمِ الديموقراطي وتفعيلِها . وذلك من خلال إعتماد نظامٍ إنتخابيٍ يشجع على قيامِ تحالفاتٍ سياسيةٍ أو كتلٍ نيابيةٍ تساعد على تفعيل العمل السياسي البرلماني على اساس تنافس القوى السياسية بين الحكم والمعارضة ، وعلى أساسِ برامجَ وأهدافَ واضحة .

 

4- تحقيقُ الاستقرارِ السياسي . وهذا يعني عملياً ، عدمَ تحويلِ التنافس السياسيِّ تشرذماً بين القوى السياسية يحولُ دون تأمينِ الاستقرار الداخلي لتسيير شؤونِ الدولةِ ، على اساس اكثريةٍ حاكمة وأقليةٍ معارضة تسعى بدورِها للوصول إلى السلطة بالوسائل السلمية .

 

5- تجديدُ الحياةِ السياسية . من خلال تجديد النخب السياسية وتجديد طروحاتها، بحيث لا تقتصرُ فقط على مسائلَ إنتخابيةٍ يغلُبُ عليها الطابعُ الظرفيّ والمؤقت .

 

       إلا أن وظائفَ التمثيل تأخذ أهميةً قصوى في المجتمعات غير المتجانسة ، أي تلكَ التي توجد فيها انقساماتٌ داخلية ( عرقية، طائفية، ثقافية ، الخ..) . واهم هذه الوظائف :

 

1- تأمينُ تمثيل المجموعات التي يتألف منها المجتمع وليس فقط الافراد .

 

2- تأمينُ مساحةِ إلتقاءٍ وطني بين المجموعات التي يتألف منها المجتمع ، بحيث لا يشكل النظام الانتخابي سبباً لتعميق الانقسامات الداخلية ، سَواءً في الشأن السياسي أو في شؤونٍ ومسائلَ غير سياسية .

 

       إن صحةَ التمثيلِ وعدالَتَهُ التي يُفتَرَضُ تحقيقُها عن طريق قانون الانتخابات النيابية مسألةٌ ترتبطُ بنظام الاقتراع المُعتَمد بقدر ما تتعلقُ بتقسيم الدوائر الانتخابية، إن لم تكن تتعداها اهمية. 

 

 

أولا"- نظـام الإقتـراع المعتمـد :

         بالنسبة لنظام الاقتراع المعتمد ، نلاحظُ تنوعَ الانظمةِ الانتخابيةِ بحيث يمكن تصنيفَها بين الاشكال الاساسية التالية : نظامُ الانتخابِ الأكثريّ على دورةٍ واحدةٍ أو دورتين ، نظامُ الانتخابِ النسبيّ ، والنظامُ المختلط الذي يمزُجُ بين التمثيل النسبيّ والاكثريّ على أساسِ قواعدَ متنوعة .                                                           

 

 1- الإنتخـاب الأكثـريّ :

             يُعتَبَرُ الانتخاب الاكثري الطريقةَ الأبسطَ والأسهلَ والأقدمَ بين مختلفِ الانظمة الانتخابية ، وتطبيقاً لهذا النظام يُعتبر فائزاً المرشحُ الذي نال أكبرَ عددٍ من الاصوات ، ولو بفارقِ صوتٍ واحد . في النظام الأكثري البسيط يعتبر فائزاً المرشحُ الذي نال الاكثريةَ البسيطة . أما نظامُ الأكثريِّ على دورتين فهو يتطلب  لكي يُعتَبَرَ المرشحُ فائزاً أن ينالَ الأكثريةَ المطلقةَ في دورة الاقتراع الاولى .

 

  - نتائج الإنتخـاب الأكثـري البسـيط :

       يَعتَبِرُ أنصارُ الاقتراع الأكثري البسيط أنّهُ يشجّعُ على بروز نظامِ الحزبَين على المستوى الوطني ، بَيدَ أنّ مِن مفارقاتِ هذا النظام الانتخابي أنه يُمكن أن يؤدي الى فوز الحزب الذي ينال أقليةً من الاصوات على صعيد البلاد بأكثريةِ المقاعدِ في البرلمان ، كما حصل عام 1970 مع حزب العمال في بريطانيا الذي فاز بـ /319/ مقعداً من أصل /625/ ولم يكن قد نال سوى نسبة /4.39/ % من اصوات الناخبين ، بينما فازَ حزبُ الاحرار بـ /13/ مقعداً فقط على الرُغمِ أنه نالَ نسبةَ /6.18/ % من اصوات الناخبين ( أي تقريبـاً نصفَ ما نالَه حزب العمال ) .

 

       فهذا النظام يؤدي الى زيادةٍ في نسبة تمثيل الاكثرية وإِضعافِ نسبة تمثيل الاقلية . ولذلك تتمسك الاحزاب الكبيرة والهامة بنظام الانتخاب الأكثري رافضةً نظامَ الانتخاب النسبي .

 

2- الانتخـاب النسـبي :

       يؤمّن الانتخابُ النسبي لكلِ حزبٍ نسبةً في التمثيل البرلماني تعكُسُ نسبةَ الاصواتِ التي حصل عليها . ويرتبط نظام التمثيل النسبي بنظامِ اللائحةِ أوِ الدائرةِ الموسعة .

 

       من حسناتِ هذا النظام أنّه يؤمّن العدالةَ الحسابيةَ في توزيعِ المقاعدِ النيابية، فكلُ القوى السياسية قادرةٌ على أن تتمَثّلَ في البرلمان .

 

       الا أن تقييمَ أيَّ نظامٍ انتخابيٍ يجب أن ينطلقَ ليس من عدالته فحسب بل وأيضاً من فعاليته . حيث أن النظام النسبي يؤدي الى الافراطِ في التعددية الحزبية، مما يحول دون قيامِ حكومةٍ متجانسةٍ ومستقرة نظراً لعدم وجودِ أكثريةٍ نيابيةٍ متجانسة .

 

       ومن سيئات النظام النسبي المشاكلُ التي يثيرُها في التطبيق . كما انه يؤدي الى الحد من حرية الناخبين لأنه يرتكزُ على نظام اللائحة الحزبية . فعلى المواطن في النظام النسبي الرضوخُ للانضباط الحزبي . بالاضافة الى ذلكَ تتطلّبُ طريقةُ النظامِ النسبي حلولاً حسابيةً معقدة .

 

3- الأنظمـةُ الإنتخابيـةُ المختلطـة :

       تتعدّدُ الانظمةُ الانتخابية المختلطة لانها ترتكزُ على عملية جمعٍ أو توفيقٍ بين النظام النسبي والنظام الاكثري . فيكون التقسيمُ بين دوائرَ ترتكزُ على أساسِ النظام النسبي ودوائرَ ترتكزُ على أساسِ النظام الاكثري . كما يمكن تطبيقُ النظام الاكثري في الدورة الاولى على أن يُطَبّقَ النظامُ النسبي في الدورة الثانية .

 

       ويساعدُ هذا النظامُ على تشجيع الاحزاب الكبيرة على حساب الاحزاب الصغيرة .

 

 

ثانيا" – تقسـيمُ الدوائـرِ الإنتخابيـة :

       إنَّ محورَ الأساسِ لأيّ قانونِ إنتخابٍ ، يدورُ حول مسألةِ حجمِ الدائرةِ الانتخابية إلى جانبِ نظامِ الاقتراع .

 

       ويُمكنُ التمييزُ بين أربعةِ أحجامٍ للدوائر الإنتخابية : الدائرةُ الفردية (أوِ الصغرى ) حيث يَمثُلُ فيها الناخبونَ بنائبٍ واحد ، الدائرةُ المتوسطة حيث يكون عددُ المقاعدِ لا يتجاوزُ أَلسّتَةَ أوِ السّبعةَ مقاعد ، الدائرةُ الكبرى حيث يتراوح عدد المقاعدِ بينَ ثمانيةَ وخمسةَ عشرَ أوعشرينَ مقعداً ، وأخيراً الدائرةُ الانتخابية  الواحدة حيث يتم الانتخاب على مستوى البلاد ككل .

 

1- الدائـرةُ الفرديـة :

       ميـزةُ الدّائـرةِ الفرديـةِ أنَّها الأكثـرُ تمثيلاً للمواطنِ على مستوى الدائرة الانتخابية، وهي الدائرةُ المعتمدةُ في عددٍ كبيرٍ من الدولِ ذاتِ الأنظمةِ الديموقراطية ( ومنها فرنسا ، بريطانيا ، الولايات المتحدة ، أوستراليا ) وهي تؤمن التمثيلَ المناطقِيَ الصحيح وتجعل المواطنينَ قادرينَ على محاسبة النائبِ وعلى التأثيرِ في مجرى الانتخاباتِ بشكلٍ مباشرٍ وفاعل . وفي الدائرة الصغرى ، يكون التركيز عادة على الشؤون التي تَهُمُّ الناخبينَ من سكّانِ الدائرة . وهي غالباً ما تكون شؤوناً محليةً ذاتَ طابعٍ خدماتيٍ أكثرَ منها ذاتَ طابعٍ وطنيٍ عام . وفي ظل غيابِ الاحزابِ والتياراتِ السياسيةِ الناشطة ، قد يأخُذُ التمثيلُ منحىً ضيقاً أو عائليا" . وقد يُشبِهُ في بعض أَوجُهِهِ التمثيلَ والانتخابَ على مستوى البلديات .

 

 

 

  2- الدائـرة المتوسـطة :

       تؤمّنُ الدائرةُ المتوسطةُ نسبةً عاليةَ من التمثيل الصحيح ، وتُمَكّنُ المواطنينَ من محاسبةِ ممثّليهم في المجلس النيابيِّ بشكلٍ فاعل . وهي تمتازُ عنِ الدائرةِ الصغرى لجهةِ تأمينِ هامشٍ أوسعَ من العمل السياسيِّ على المستوى الوطنيِّ العام، بعيداً عن المصالحِ الفِـئَويّةِ الضيقة ، الطائفية ، المناطقيةِ والعائليّة .

 

3- الدائـرة الكبـرى :

       للدائرة الكبرى إيجابياتٌ وسلبيات . مؤيّدو الدائرةِ الكبرى ينطلقونَ من مُسَـلّمَةٍ تقولُ بأنه كلما كَبِرَ حجمُ الدائرةِ لجهةِ عددِ الناخبينَ والمقاعد ، كلما ازدادَ الاختلاطُ بين الطوائف ، الأمرُ الذي يساعِدُ على الانصهارِ الوطني . كما يؤدي الى تنامي الشأنِ الوطنيِ على حساب الشأنِ المحلي بطروحاته الضيقة .

 

       وللدائرة الكبرى وظيفةٌ أخرى ، هي نشوءُ تحالفاتٍ بين المرشحينَ من مختلف الطوائفِ والاتجاهاتِ السياسية ، وثَمّةَ قولٌ أيضاً أن الدائرةَ الكبرى تساعد على نشوء أحزابٍ سياسيةٍ ذاتِ قاعدةٍ وتَوَجّهٍ وَطَـنِيَّينِ تَحُدُّ منَ الولاء الشخصيِّ لمصلحة البرامجِ الانتخابية .

 

       إلا أن للدائرة الكبرى سلبياتٍ عدة ، اولى هذه السلبيات أن التمثيلَ لا يعكُسُ دائماً أولوياتِ المواطنينَ ولا يُعبّرُ عن ارادتهم ، خصوصاً ان الناخبينَ لا يستطيعونَ أن يحاسبوا ممثِّليهم بالفاعلية ذاتِها المتوافرة في الدوائر الأصغرِ حجماً. لكن السلبيةَ الأهمّ في الدائرة الكبرى هي في أن التوازنات السياسية تصُبُّ في مصلحة المُرَشّحينَ وفي شكل التحالفاتِ السياسيةِ وتالياً في تركيبة اللائحة ، حيث إن الزعيمَ الاقوى يأتي بمرشحينَ لا يتمتعون بقيمةٍ تمثيلية . وهذا يعني عملياً سيطرةُ الزعيمِ الأقوى ( أو مُنافِسِهِ في حالِ وجودهِ ) على الدائرة الانتخابية ، وعدمُ الإفساحِ في المجال لبروزِ قياداتٍ جديدة ( خصوصا" من طائفة الزعيم ) .

 

       أما التحالفاتُ أوِ التكتلاتُ الّتي قد تنشأُ بسبب إتساعِ حجمِ الدائرة فغالباً ما تتفكَّكُ داخلَ مجلسِ النواب وهي ليست تكتلاتٌ منظمة لها برامجَ وطروحاتٍ سياسية ، كما هي الحالُ في الانظمةِ الديموقراطية بل تجمعاتٌ إنتخابيةٌ ظرفية .

       تبقى الإشارةُ الى عاملٍ آخَرَ له موقفَهُ المؤثّرُ في الدائرة الكبرى ، عاملُ المالِ وصفقاتِ شراءِ المقاعد سَواءً بهدف الكسب الماديّ من جانب رئيسِ اللائحة أو بهدف تمويلِ المعركةِ الانتخابية.

 

4- الدائـرة الواحـدة :

       إن الدائرةَ الواحدةَ تُساهمُ في صَهرِ المواطنينَ في بوتقةٍ وطنيةٍ واحدة ، كما تساهمُ في توحيد الخطابِ السياسيِّ على المستوى الوطني ، بَدَلَ أن يكون خطاباً ذا أُفُقٍ سياسيٍ ضيق ، كما أن إعتمادَ الدائرةِ الواحدةِ يؤدي الى قيامِ تكتلاتٍ واحزابٍ سياسيةٍ لا طائفية تتمتّعُ بقواعدَ شعبيةٍ واسعة . وهذا ما يشجّعُ على اعتماد البرامجِ الانتخابيةِ وتفعيلِ عملِ النظامِ البرلماني . وهناك من يقولُ أنَّ الدائرةَ الواحدةَ تُحَرِّرُ النائبَ من الاهتمامِ بالشأنِ الخدماتيِّ الضيق . وتقضي على المحسوبيات و"الواسطة" ما يساهمُ في تصحيحِ الممارسةِ السياسيةِ ورفعِ مستوى الأداءِ السياسي.

 

       من الناحيةِ التقنية ، تتطلّبُ الدائرةُ الواحدة ، تحديدَ طريقةِ الاقتراعِ لتأمينِ التمثيلِ المطلوبِ بسببِ إرتفاعِ عددِ الناخبينَ والمرشحين . كما يتطلّبُ نظامُ الدائرةِ الواحدة وجودُ أحزابٍ سياسيّةٍ فاعلةٍ في الحياةِ السياسيّةِ وتَتمتّعُ بقواعدَ ذاتَ إنتشارٍ واسع . ( فمن شِبهِ المستحيل ، تقنياً على الاقل ، إعتمادُ الدائرةِ الواحدةِ حالياً في لبنان ) .

 

       ويشكِّلُ البحثُ في مشروعِ قانونٍ جديدٍ للانتخاباتِ في لبنان عنوانَ تجاذبٍ سياسيٍ- طوائفي بسببِ تنوّعِ المطالباتِ حِيالَ التقسيماتِ الإدارية . وتَنُصُّ المادةُ 24 من الدستورِ في مُستهَـلِّها على أنَّ مجلسَ النوابِ يتألَّفُ من " نوابٍ منتخبين يكونُ عددُهُم وطريقةُ إنتخابِهِم وفاقاً لقوانينِ الإنتخابِ المرعيةِ الاجراء " .

 

       وتضيفُ نفسُ المادة ( بعد تعديلِها في 21/9/90) : "وإلى أن يَضَعَ مجلسُ النوّابِ قانونِ انتخابٍ خارجَ القيدِ الطائفي ، توزَّعُ المقاعدُ النيابية وفقاً للقواعدَ التالية :

  أ- بالتساوي بينَ المُسلمينَ والمسيحيين .

 ب- نسبياً بينً طوائفِ كلٍّ منَ الفئتين .

 ج- نسبياً بينَ المناطق .

وبصورةٍ إستثنائية ، ولمرةٍ واحدة ، تُملأُ بالتعيينِ وبأكثريةِ الثُلُـثَينِ من قِبَلِ حكومةِ الوفاقِ الوطني ، المقاعدُ النيابيةُ الشّاغرةُ بتاريخِ نشرِ هذا القانون والمقاعدُ التي تُستَحدَثُ في قانونِ الانتخاب ، تطبيقاً للتساوي بين المسيحيينَ والمسلمين ، وفقاً لوثيقة الوفاقِ الوطني ، ويُحَدِّدُ قانونُ الانتخاب دقَائقَ تطبيقِ هذه المادة ."

 

       يُستفادُ من هذه المادةِ أنَّ الدستورَ اللبنانيَّ قد تركَ صراحةً أمر تحديدِ عددِ النوابِ وطريقةَ إنتخابِهم لقوانينِ الانتخاب ، ولعلّ المشرِّع الدستوري ، عندما لم يَجزُم في هذه الامور في صُلبِ الدستورِ بل أحالَها إلى القوانينِ العادية، كان يقصُدُ تَجَنُّبَ جُمودِها وتسهيلَ مُسايرَتِها للمُستجدّاتِ التي قد تَطرأُ مَعَ الزمنِ ومَعَ تغييرِ الظروف .

 

       وللإنتخاباتِ وقانونِها مسيرةٌ في لبنان ، فقد مارَسَ لبنانُ الإنتخاباتَ منذُ الثُّلثِ الأخيرِ من القَرنِ التّاسِعِ عَشضر . فَبِمَوجِبِ " النّظامِ الأساسيّ " الّذي وقَّـعَتهُ الدّولُ الكبرى في التاسعِ من حُزيرانَ 1861 ، تحوّلَ لبنانُ إلى سُنجُقٍ عُثمانيٍ عُرِفَ بالمتصرّفيةِ وقُسِّـمَتِ المتصرّفيةُ إلى سبعةِ دوائرَ إدارية . وكان المتصرّفُ المعيّنُ من الطائفةِ التي تُشكّلُ أكثريةً داخلَ الدائرة . كما أنَّ كلَّ قضاءٍ أو دائرةٍ كان يُقسَمُ إلى نواحٍ على رأسِ كلٍّ منها مديرٌ يعيّنُهُ المتصرّف . وكان أهالي كلَّ قريةٍ ينتخبونَ شيخَ الصِّلح . وكان مَشايخُ الصِّلحِ ينتخبونَ بدورِهِم أعضاءَ المجلسِ الإداريّ . ومنذُ إعلانِ دولةَ لبنانَ الكبير شَرَّعَتِ القوانينُ اللّبنـانيّةُ الحريّاتِ العامّةَ ومنها حرّيةُ التّرشيحِ والانتخاب .

 

       فمنذُ عامِ 1920 وحتّى عامِ 1972 شَهِدَ لبنانُ ثلاثةَ عشرَ مجلساً نيابياً ، وأولُ مجلسٍ تمثيليٍّ عَرَفَتهُ الجمهوريّةُ اللبنانيةُ كان عامَ 1922 وتألَّفَ هذا المجلسُ من ثلاثينَ عضواً .

       وفي 19 أيّار 1926 أقرَّ هذا المجلسُ الدّستورَ اللّبناني . وبعدَ ثلاثةِ أيامٍ تحَوَّلَ المجلسُ التمثيليُّ إلى مجلسِ نوابٍ وأُنشِىء مجلسُ للشيوخِ مؤلّفٌ من ستّةَ عشرَ عُضوا . أُلغِيَ مجلسُ الشيوخِ سنةَ 1929 وتألّفَ مجلسٌ  نيابيٌّ جديدٌ من خمسةٍ وأربعينَ عضواً ( 15 معيَّنين و30 منتَخَبين ) .

مجلس نواب 1934 تألف من 25 عضواً ( 18 منتخبين و7 معينين ) .

مجلس نواب 1937 تألف من 73 عضواً ( 42 منتخبين و21 معينين ) .

 

       وأوّلُ مجلسٍ نيابيٍّ في عهدِ الاستقلالِ تألّفَ سنة 1943 وعددُ أعضائِهِ خمسةٌ وخمسونَ عضواً جميعُهُم منتخبينَ على أساسٍ طائفي ، وفقاً للمعادلة 6/5 (6 مسيحيين و5 مسلمين ) ولازمت هذه النسبةُ جميعَ القوانينِ الانتخابيةِ وأصبحت هذه النسبةُ منذُ عام 1959 قانوناً وضعياً ونَصَّ عليها المرسومُ الاشتراعيُّ رقم 112 تاريخ 21 حزيران 1959 .

اما مجلس نواب 1951 تكون من 77عضواً .

مجلس نواب 1953 تكون من44 عضواً.

مجلس نواب 1957 تكون من 66 عضواً .

مجلس نواب عام 1960 تكون من 99 عضواً.

 

       ومنذ عام 1960 استقرَّ عددُ اعضاءِ المجالسِ النيابيةِ المتلاحقةِ للأعوامِ 1964 – 1968 - 1972 على 99 نائباً ، طبقاً لما قضى به قانونُ الانتخابِ الصادرِ في نيسان 1960 . ووفقاً للمعادلة 6/5 .

 

       عام 1972 شَهِدَ لبنانُ آخرَ مجلسٍ نيابيٍ في الجمهوريةِ الاولى وكان من المفروضِ أن تنتهيَ ولايةُ هذا المجلـسِ سنة 1976 . الا أن الظروفَ لم تسـمح بإجراءِ انتخاباتٍ فجدَّدَ النوابُ لأنفُسِهِم مرّةً أولى وثانية وثالثة إنتهت في 31/ 12/1988 وأُعيدَ تمديدُ الولايةِ إلى نهاية 1990.

 

       وحتى عام 1953 كانتِ الدائرةُ الانتخابيةُ هي المحافظة ولاحقاً جَرَتِ الانتخاباتُ على أساسِ القضاء . وعادتِ المحافظةُ كدائرةٍ إنتخابيةٍ في إنتخاباتِ عام 1992 مَعَ بعضِ الاستثناءات . وذلك تطبيقاً لإتّفاق الطائف الذي نصَّ على إعتمادِ المحافظةِ كدائرةٍ إنتخابية ... بعد إعادةِ النظرِ في التقسيمِ الاداري...

 

       وإقتراحُ المحافظةِ دائرةً انتخابيةً هو موضوعُ خلافٍ بين السياسيّين ، فَكُلٌّ يريدُ تحديدَ الدوائرِ والمحافظات بما يَضمَنُ أكبرَ مقدارٍ له من القوةِ السياسيةِ في المجلس ، فمنهم من يتمسَّكُ بجمع محافظتَينِ في دائرةٍ واحدة ، ومنهم من يريدُ تقسيمَ المحافظةِ الحاليةِ دائرتَينِ أو أكثر ، فتراوحتِ الطروحاتُ بين جعلِ لبنانَ خمسَة دوائرَ (محافظات) أَوِ الابقاءُ على المحافظات الستّ ، أو إِعتمادُ تسعِ أو إثنتَي عشَرَ محافظة ( دائرة انتخابية ) ، كما أن هناك خلافاً حول حدودِ بعضِ المحافظاتِ في إطارِ الطّرحِ الواحد .

 

       وقد يؤدي إعتمادُ المحافظةِ دائرةً إنتخابيةً إلى عدمِ تمثيلِ بعضِ الاقضية ، أو تمثيلِها بنوابٍ لا يمثّلونَها فعلياً يفوزونَ بأصواتِ الناخبينَ في الاقضيةِ الاخرى داخل المحافظة ، هذا اذا ما إعتُمِدَ مبدأُ الترشيحِ عن القضاء والفوزُ بأصواتِ المحافظة .

 

       ففي ما يخُصُّ الاختلاطَ وتغليبَ التوجّهِ الوطني ، فالدوائرُ الكبرى لا تؤمّن الاختلاطَ المبنيَّ على التمثيلِ الصحيح ، ذلك أن ممثلي الطوائف يختارُهم الزعيمُ الأقوى وليسَ المجموعاتُ الشعبيةُ التي يُمثّلُها النائبُ في المجلس . أما التوجهُ الوطنيُ فيعودُ إلى موقعِ الزعيمِ الوطني وإلى الدور الّذي يريدُ أن يلعَبَهُ في السّياسةِ العامةِ للبلاد ، وليس لأن حجمَ الدائرةِ في ذاتِه يُنتِجُ توجهاتٍ وطنيةٍ حقيقية تتجلّى بالأفعال والممارسةِ السياسيةِ العامةِ وليس فقط بالاقوال والشعارات  أوِ الاعتدالِ في المواقفِ والطروحات .

 

       فهذا موجودٌ في زمنِ السِّلمِ كيفما كان حجمُ الدائرة ، وما دامتِ الطوائفُ غيرُ مُستَهدفة ، لكن في زمن الأزماتِ الحادة، كما في عامي 1958 و 1969 واندلاعِ الحرب عام 1975 ، فيعودُ الجميعُ إلى مواقِعِهِم الأساسية فَيَحُلُّ التطرفُ مكانَ الاعتدال بغضِّ النظرِ عن حجمِ الدائرةِ وعن أية اعتباراتٍ محليةً كانت أو وطنية ، إنتخابيةً أوغيرَ إنتخابية .

 

       وسيظلُّ لبنانُ بعيداً عن أن يكونَ دولةً حديثةً ما دامتِ الطائفيةُ السياسيةُ توهِنُ كَيانَهُ وتَحُولُ بينَه وبين تحقيقِ وَحدةِ أبنائه الوطنية .

 

       لذلك يبدو ملحاً أن يأخُذَ مجلسُ النوّابِ المبادرةَ إلى تشكيلِ الهيئةِ الوطنيةِ التي نصت عليها وثيقةُ الوفاق الوطني والتي مَهَمَّتُها درسُ الطرقِ وتقديمُ المقترحاتِ الآيلةِ لإلغاء الطائفيةِ السياسية .

 

       ألمطلوبُ إلغاءُ الطائفيةِ من حياتِنا وليس إلغاءُ الطوائف ، علماً أن الغاءها ( الطائفية ) يجبُ أن يَتُمَّ بصورةٍ مرحلية ، فالطائفيةُ التي مضى عليها وقتٌ طويلٌ لا يمكنُ أن تُلغى بين ليلةٍ وضُحاها ، لذلك أحسنت وثيقةُ الوفاقِ الوطني إذ جَعلت إلغاءَ الطائفيةِ يَتِمُّ على مراحلَ وبقرارٍ يتّخذُهُ مجلسُ النوابِ في ضوءِ إقتراحاتٍ ودراساتٍ تقدِّمُها الهيئةُ الوطنيةُ المشارُ اليها .

 

       إن قدرةَ نظامِ لبنانَ السياسيّ على تغيير رموزِه ومؤسّساتِهِ بالأسلوب الديموقراطيِّ والإنتخاباتِ الحرة من المُستبعَدِ أن يتوافرَ إلا بوجود أحزابٍ قويةٍ وفاعلةٍ على السّاحةِ السياسية قادرةٍ على إقناع الناخبينَ ببرامجِها الإنمائيةِ والتقدّميةِ التى تنطوي على خطةٍ علميةٍ مدروسةٍ للإنماءِ والبناءِ والإعمارِ والتقدّم، لا على مجردِ شعاراتٍ تُرفعُ في المناسباتِ لِدَغدَغةِ عواطفِ الجماهير .

 

       ورَغم وَفرةِ الأحزابِ السياسيةِ في لبنان ، لم تلعب هذه الاحزابُ دوراً حاسماً في المجالس النيابيةِ ولم تشكّل يوماً أغلبيةً نيابيةً داخلَ البرلمان ، فقد نالتِ الأحزابُ منذ عام 1951 حتى 1972 أقلَّ من رُبعِ المقاعدِ النيابية ، فمن أصلِ 583 مقعداً نالتِ الاحزابُ 133 مقعداً ، ومن هنا أهميةُ إقرارِ تشريعٍ جديدٍ لتنظيم الحياةِ السياسيةِ في لبنانَ الجديد حتى يَتِمَّ فيه التغييرُ المنشودُ بالطُّرق السِّلميةِ والديموقراطية .

 

       ومن هذا الموقع نشيرُ أنه لا بدَّ من تصحيحِ علاقةِ الدولة بالمواطن ، فهذه العلاقةُ يجبُ أن تكونَ مباشرةً بلا وسيطٍ سياسي ( كالطائفةِ أوِ الحزبِ أوِ الزعيمِ السياسيِّ أوِ النائب..) بحيث يشعر المواطنُ ، وإلى أيةِ فئةٍ انتمى ، أن الدولةَ ترعاهُ لِذاتِهِ وليس باعتبارِه عضواً منتمياً لطائفة معينةٍ أو حزبٍ أو زعيم ، وتُقَدِّمُ خدماتَها للجميع بلا استثناءٍ دونما تمييزٍ بين طائفة وأخرى وحتى دونما تمييز بين مذهبٍ وآخر داخلَ الطائفةِ نفسها .

 

       ففي ضوء واقعِ الحالِ السياسيةِ في المرحلةِ الراهنة ، نعتقدُ أن النظامَ الإنتخابيَّ الأفضل هو النظامُ الذي يوفّقُ بين صحةِ التمثيلِ على المُسـتَوَيَينِ المناطقي والطائفي والاختلاط الطائفي والسياسي والاولويةُ هي للتمثيل الصحيح.

 

       والمطلوب أن تصبحَ الوحدةُ الوطنيةُ واقعاً مُعاشا ، بَدَلَ أن تكونَ وحدةً وطنيةً مصطنعةً أو مضغوطة . وهذا الهدفُ يتحقَّقُ من خلال ممارساتِ الحكمِ وأهلِهِ ووجودِ دولةِ المؤسساتِ والقانون .

 

       لقد إندلعتِ الحربُ عامَ 1975 ، وسَبَقَتها الازماتُ السياسيةُ والنزاعاتُ العسكريةُ منذ عامِ 1969 ليس بسبب النظام الانتخابي ولا بسبب الانتخابات النيابية ، ولم يكن للشأن الانتخابي أيُّ دورٍ محوريٍ في الحرب عام 1990 .

       من المُجدي اذن ، ألا نُحَمِّلِ الانتخاباتَ أوزاراً لا تَقدِرُ على حَملِها ، ولا هي أصلاً من وظائفها ، لقد نصت وثيقة الوفاق الوطني على وجوب إعتمادِ المحافظةِ دائرةً إنتخابية ، ولكن دونَ الإشارة لحجمها ، بل "بعدَ إعادة النظرِ في التقسيم الاداري" . إلا أنّها تؤكدُ على وجوب مراعاةِ القواعدِ التي تَضمَنُ العيش المشترك وتأمينَ صحةِ التمثيل السياسي وفاعِليّتِه . هاتان القاعدتانِ تؤمِّنُهُما الدائرةُ المتوسطة ، بحيث يمكنُ تقسيمُ المحافظاتِ الحالية مع الأخذ بعين الاعتبار قضيةَ العيش المشترك وعلى أن يؤخَذَ في ذلكَ التوزيعِ المتساوي (أو شبه المتساوي) للدوائر الانتخابية المستندِ لأعدادٍ متساويةٍ للناخبينَ في كلٍ من الدوائر الانتخابية .

 

       كما أنه من المستحسنِ خَفضُ سنِّ الانتخاب المحدّدِ بواحدٍ وعشرينَ سنةٍ في المادة 21 من الدستور . وربما أبلَغُ الحُجَجِ على ضرورة خَفضِ السّنِّ القانونيةِ للانتخابِ إلى ما دون ال21 عاماً، أن السنَّ القانونيةَ للأهلية المدنيّةِ في لبنانَ هي سن الثامنةَ عشرة عملاً بالمادة 215 ق. م.ع.


       وعلى سبيلِ المعلومات نَذكُرُ أن الاتّحادَ البرلمانيَ العالميَ أجرى اخيراً إستقصاءً حول هذا الموضوع ثَبَتَ له أن مئةً وثمانيةَ بلداً من أصل مئةٍ وخمسين  شَمَلَها الاستقصاءُ تعتمدُ سِنَّ الثامنةَ عشرة  للاهلية الانتخابية ، ومن هذه البلدان : فرنسا ، سوريا ، مصر ...

 

       وفي النهايةِ نرى أنه يجبُ العملُ على زيادة الوعي السياسي لدى المواطنين أو على الاقل لدى الناخبين ، بحيث يَتِمُّ تشكيلُ قناعةٍ عند كثيرينَ أن صوتِ أيَّ ناخبٍ هو المعيارُ وهو المُوَجِّهُ بحيث تزولُ من الاذهان فكرةُ اللائحةِ الكبرى أوِ اللائحةِ الاولى . وفِكرُ أن "فلان طالع لو انتخبته او ما انتخبته ". وبالتالي العمل على رفع نسبة المقترعين بحيث يكونُ النائبُ ممثلاً فعلاً ألامَّةَ جمعاء.

 

                                                                                                                     المحامي

عمر سالم المراد