دراسة حول مضامين الامن العالمي الجديد

 

 

خطة البحث

المقدمة : تغير في مضامين الأمن مع تحوله من اختصاص داخلي وطني الى نطاق عالمي يغطي كل الهموم و المشاكل التي يعاني منها الافراداينما وجدوا

المبحث الأول : الأمن البشري

الفقرة الاولى : الامن الصحي

الفقرة الثانية : الامن الاجتماعي

الفقرة الثالثة : الامن الغذائي

المبحث الثاني : الأمن الاقتصادي و النفطي

الفقرة الاولى : الامن الاقتصادي

الفقرة الثانية : الامن العالمي و الطاقة أو الامن النفطي

المبحث الثالث : الأمن الثقافي

المبحث الرابع : الأمن البيئي

الخاتمة : الحاكمية الجيدة الحل لجميع المشاكل ؟؟

 

 

المقدمة

 

كانت كلمة الأمن تعني الحفاظ على السلم الداخلي و تأمين الجماية للمواطن ضد الاعتداءات و السرقات و غيرها ،و تأمين الحدود الوطنية من الاعتداءات الخارجية و المحافظة على سلم أقليمي او دولي.و بالتالي كانت مضامين الأمن عسكرية بحتة حيث كانت الدول تسعى الى المحافظة على استقرارها و علاقاتها الجيدة مع دول الجوار و كانت التهديدات التي تتعرض لها الدول عسكرية من قبل دول اخرى او جماعات معادية داخلية او خارجية.

و لكن منذ عدة عقود بدأت الدول و الافراد تعي مخاطر أخرى غير عسكرية تأتي من مصادر عديدة مختلفة.تغيرت مضامين الأمن.اصبحنا نسمع بالأمن البشري و الاقتصادي و الثقافي و البيئي،و الأمن الصحي و الغذائي و الاجتماعي و النفطي.

نظرة عميقة الى داخل الدول اوجدت مشاكل صحية و مجاعات ، و فقر مدقع و تلوث سيقضي على كافة اشكال الحياة على الأرض و غيرها من المشاكل التي تهدد الجميع.فالمشاكل في دولة ما لم تعد داخلية في ظل العولمة فحتى الأزمات و المشاكل تتعولم و تصدر الى دول اخرى.اصبح الامن جماعياً عالمياً يفترض نوعاً من الاعتماد المتبادل و تكامل بين الصلاحيات.لم يعد الأمن أمن دولة بل اصبح أمن كوكب بأسره.اصبحت هناك ضرورة للمواءمة و التصالح بين مختلف قطاعات المجتمع البشري لحماية الكوكب من الفناء.الخطر العسكري ما زال قائماً و خاصة مع بروز خلافات جديدة و عولمة بعض الخلافات الاخرى و خطر الارهاب الدولي.

 

 

المبحث الأول : الأمن البشري

 

يعرف الأمن البشري على انه الحالة التي تكون فيها حاجات الانسان الاساسية مشبعة و تسمح باحترام كرامة الانسان مع مشاركته بفعالية في محيطه الاجتماعي و حصوله على الغذاء و المسكن و التعليم و عناية صحية جيدة.

و بالتالي لمعالجة الامن البشري يجب التطرق الى الأمن الصحي ، و الأمن الغذائي و الأمن الاجتماعي.

 

الفقرة الأولى : الامن الصحي

مما لا شك فيه ان قضايا الصحة اصبحت عالمية اكثر فأكثر في العقدين الماضيين مما جعل الاوبئة و الامراض تهديداً للسلم و الامن العالميين.و هذا ما دفع الدول و المنظمات الدولية و المنظمات الغير الحكومية الى الاهتمام بهذا الموضوع و ايجاد نوع من التضامن الصحي العالمي لمواجهة المخاطر المحتملة.

تعود مشاكل الامن الصحي بجذورها الى جذور الانسانية نفسها و لكن هذه المشاكل تغيرت على مر القرون المتعاقبة و توسعت لتشمل عدد اكبر من الافراد لتصل الى عالمية حقيقة.و قد وعت منظمة الصحة العالمية الى هذا الوضع فأشارت في تقرير السكرتارية الصادر في نيسان 2001 بأن عالمية الامراض المعدية ليست ظاهرة جديدة ، " فالتنقلات البشرية للسياحة او للهجرة او نتيجة كوارث ، و تطور التجارة الدولية للمواد الغذائية و البيولوجية ، التغيرات الاجتماعية و البيئية المرتبطة بظاهرة المدنية (  ( urbanisation و تدمير الغابات و التغيرات المناخية بالاضافة الى التطور الحاصل في طرق الانتاج و التوزيع و تغير عادات المستهلكين كل هذا ينبهنا الى ان الامراض المعدية في بلد هي خطر محدق يهدد العالم بأسره" [1].و يتابع التقرير في مكلن آخر بالقول بأن خطر الاوبئة كبير جداً و عالمي بسبب عدة عناصر : " غياب المعطيات الصحيحة، عدم صحة المعلومات التي تملكها الحكومات التي تترافق مع الضغط الاعلامي و الشعبي للتحرك ، عدم امتلاك دول مختلفة لآليات عمل تسمح باكتشاف مبكر للأوبئة ، عدم امتلاك الدول للتقنيات المناسبة لمعالجة الاوبئة في حا ل تم اكتشافها ، و عدم وجود آليات عمل دولية مناسبة تقنية و قانونية"[2].

هذه الاقتباسات من تقرير منظمة الصحة العالمية تلخص المشكلة كلها.ففي العقدين الاخيرين من القرن العشرين كان هناك انتشار هائل لفيروس الايدز في العالم كله و خاصة في افريقيا ليصبح هذا الفيروس المرض الاكثر ضرراً الذي عرفته البشرية.فهذا الفيروس لديه تأثير على النمو في البلدان الأكثر اصابة به لأنه يصيب الفئات العمرية الاكثر انتاجاً (15-49 عاماً) و ذلك في دول تعاني اصلاً من مشاكل.و بالنتيجة فأن الفيروس" يعزز الفقر عبر تدمير كل انجازات التنمية البشرية و اضعاف قدرة الدول على تأمين الخدمات الاساسية و تخفيض عدد اليد العاملة و الانتاجية و ايقاف عملية النمو الاقتصادي"[3].و هذا ما ادى الى اعتبار الفيروس كمشكلة صحية دولية .

هذا بالاضافة الى انتشار امراض اخرى اخف وطئة من الايدز في الدول النامية و دول العالم الثالث بصورة كبيرة رغم وجود ادوية لها و لكن بسبب عجز هذه الدول الفقيرة من تأمين العلاجات الضرورية.و في السنة الماضية ظهرت امراض جديدة لا يوجد علاج لها مثل انفلوانزا السارز و انفلوانزا الدجاج او الطيور و ذلك في منطقة شرق آسيا.و السارز سبب ازمة كبرى حيث انتشر مع المسافرين من المنطقة و وصل الى الولايات المتحدة و كندا التي تم منع السفر اليها لفترة مثل الدول الاسيوية التي صدرت الوباء.و مشكلة انفلوانزا السارز اظهرت عجز الانسان امام الاوبئة و الامراض الغريبة رغم كل التطور التقني و البيولوجي الذي توصل اليه.و انفلوانزا السارز اثرت كثيراً على الدخل السياحي في منطقة شرق آسيا لمعظم سنة 2003.اما انفلوانزا الطيور فقد اثرت على تجارة لحوم هذه الطيور بين دول المنطقة و دول اوروبا و الولايات المتحدة مما اثر على اقتصاديات هذه الدول.

و هذه الامراض و الاوبئة لا تستثني اي منطقة من العالم فالكل معرض للإصابة بها و من هنا تم اعتبارها كخطر على السلام و الامن العالميين و بدات الادبيات المتخصصة بالحديث عن الامن الصحي.و اهمية هذا الموضوع الذي يطال الجميع ادى الى تطور ما يعرف بالتضامن الصحي العالمي مع ظهور ما يعرف بالاستثناء الصحي.

التضامن الصحي العالمي تم الاعلان عنه في اجتماع منظمة الصحة العالمية في تموز 1997 و الذي عرف بإسم اعلان جاكارتا الذي شجع التعاون العالمي في المجالات الصحية[4].هذا التضامن و التعاون له هدف اولوية البرامج التي اطلقتها المنظمة فيما يخص حق الانسان الاساسي في صحة جيدة و التعاون المتعدد الاطراف بين الدول فيما بينها و المنظمات الغير حكومية لتعزيز الامن الصحي.

و المنظمة تعتبر ان عولمة الظروف الصحية الطارئة تؤدي الى خطر تداعي هذا الحق بالصحة الجيدة للجميع.و تعتبر المنظمة ان هذا الحق هو من الملكيات العالمية المشتركة اللاحصرية و اللاتنافسية و العابرة لكل الحدود الجغرافية و الاقتصادية و الاجتماعية-الثقافية[5]. و تتعاون منظمة الصحة مع المنظمات الغير حكومية في معظم المجالات للضغط على الحكومات و الدول في مجالات الوقاية و تعزيز الامن الصحي.فهذه المنظمات الغير حكومية تدفع المسؤولين في الدول الى تخصيص مكان في سياساتهم الدولية لقضايا الصحة.و قد كان ذلك جلياً في قضية مرض جنون البقر (encephalopatie spongiforme bovine ) مع التحرك الاعلامي الضخم و كذلك في قضية السيدا مع تحرك منظمات المصابين بالمرض و تأثير ذلك على التطور الحاصل في الابحاث.

و النقطة الاهم التي يجب معالجتها فيما يتعلق بالامن الصحي هي قدرة الوصول و الحصول على الدواء من قبل الجميع.فحتى العام 1994 كانت جميع الدول تستطيع انتاج كل الادوية التي تحتاج قبل الحصول حتى على اذن المخترع.و لكن منذ عام 1994 و بعد انشاء منظمة التجارة العالمية اصبحت الدول مجبرة على دفع مبالغ من المال ((royalties لصاحب الدواء طوال فترة 20 سنة.و قد ناقش اصحاب هذا الاقتراح ان هذه الاموال تذهب للابحاث و التطوير.و بعد الحملات التي قامت بها الدول النامية و دول العالم الثالث و المنظمات الغير الحكومية تم انشاء ما يعرف بالاستثناء الصحي.و يقوم هذا الاستثناء الصحي على السماح للدول في حالات الضرورة القصوى بانتاج الدواء دون اللجوء الى صاحب شهادة الاختراع او شراء الدواء بأرخص سعر متوفر.

ان مشاكل الصحة و الامن الصحي دفعت مجلس الامن ان يتعدى مسألة فصل السلطات في الامم المتحدة و يوسع صلاحياته لتشمل الصحة العامة.و ذلك بعد صدور "أجندة من اجل السلام " التي يعتبر فيها بطرس غالي ان الفقر و الامراض و المجاعات هي مشاكل خطيرة يعاني منها الكثيرين و هي مسبب للنزاعات و يجب على الامم المتحدة ان تهتم بايجاد حلول لها[6].

في النهاية يمكن القول ان مشاكل الصحة و الامن الصحي تتطلب افعال اكثر من اقوال و اعلانات فبعض الامراض و الاوبئة تشكل فعلاً خطر على السلام و الامن العالمي في حالة عدم وجود سياسات وقاية و علاج.

 

الفقرة الثانية : الأمن الاجتماعي

مع بداية القرن الواحد و العشرين لا يزال العالم يعاني من نسبة فقر مرتفعة تتركز في اماكن معينة من هذه الكرة الارضية.و هذه النسب تهدد بالارتفاع و مع امكانية اتساع الرقعة الجغرافية للمناطق الفقيرة.و حتى في حال لم تتسع رقعة الفقر فهناك اتفاق على ان الفقر في منطقة ما يهدد الكوكب كله.2.8 مليار شخص يعيشون بأقل من دولارين في اليوم،و 1.2 مليار شخص يعيشون بأقل من دولار في اليوم و يطال سوء التغذية حوالي 800 مليون شخص بينهم 150 مليون طفل.

هذه الارقام المرعبة و المتوقع زيادتها في العقود المقبلة دفعت جهات عديدة الى التفكير في ايجاد حلول لمشاكل الفقر عن طريق سياسات اجتماعية و اقتصادية تترافق مع الحاكمية الجيدة.

يظهر الفقر و يترجم على الارض عبر عدم الحصول على تعليم و عدم الحصول على نظام صحي جيد ،سوء تغذية و انتفاء المساواة بين الجنسين.

و المجتمع الدولي يعي جيداً هذه المشكلة و تأثيراتها العالمية و قد تم اعتماد اهداف تنموية للالفية و ذلك في قمة الالفية التي عقدتها الامم المتحدة في ايلول 2000 .و من اهم الاهداف المتخذة في هذه القمة كان محاولة الغاء الفقر و الجوع و بالتحديد تخفيض الى النصف عدد الافراد الذين يعيشون على اقل من دولار في اليوم.و تم الاتفاق على ان انظمة الحماية الاجتماعية في الدول و التي تسعى الى تأمين الامن الاجتماعي ستكون هي الادوات لتحقيق هذه الاهداف.

و بعد قمة الالفية اخذت منظمة العمل الدولية امر الامن و الحماية الاجتماعية على عاتقها.ففي المؤتر الدولي للعمل في حزيران 2001 تم الاتفاق على سياسة امن اجتماعي تلتزم بها المنظمةتسعى من خلالها الى توسيع التغطية الاجتماعية في الدول و الى تحسين حاكمية و مالية و ادارة الامن الاجتماعي.و قام مكتب العمل الدولي باستحداث مفهوم جديد لشبكة عالمية من التضامن الاجتماعي سميت بال Fiducie sociale mondiale  تصل ما بين المستوى العالمي و الوطني لتمويل سياسات الامن الاجتماعي.و هذا المشروع يقوم على الطلب الى سكان الدول الاغنى (دول الOCDE) بالتبرع بمبلغ شهري بنسبة 0.2 % من مدخولهم لهذه الوكالة (Fiducie) المدعومة من منظمة العمل الدولية.و تقوم Fiducie باشتثمار المبالغ المتراكمة لانشاء انظمة حماية اجتماعية في البلاد النامية و تمويل بعض العمليات في المرحلة الاولى حتى تستطيع الانظمة المستحدثة ان تتولى بنفسها التمويل و الادارة.و تسعى اىل ان تغطي حاجات ما بين 80 و 100 مليون شخص في الدول الاقل نمواً و الاكثر فقراً على فترة عشرين سنة.هذا المشروع يقوم على مبدأ المسؤولية الاجتماعية الدولية و الشراكة الاجتماعية العالمية لحل مشاكل الفقر.

سيتم العمل بين الوكالة و حكومات الدول او مؤسسات عامة فيها على اساس تعاقدي شفاف لتأمين لكل عائلة ظروف صحية اساسية و تعليم و حد ادنى من مدخول يساعد على العيش بكرامة.

و قد اعلنت منظمة العمل الدولية انه في حال قام 5 الى 10% من العمال في الدول الغنية بالتبرع ستجمع الوكالة حوالي 2 مليار يورو في السنة.و قد بدأت الوكالة في تجربة لعملها بين اللوكسمبورغ (الدولة المانحة) و ناميبيا و ستصل الاموال الى العائلات الفقيرة الناميبية في تموز 2004.

الجانب السيء في هذه الوكالة هو كونها جهاز لامركزي يقوم على مراقبة الدول المانحة لها في كل اعمالها مما يقلل من استقلاليتها بسبب مشاركة المانحين في اتخاذ القرارات رغم التشديد على استقلاليتها السياسية.و لكنها خطوة مهمة جداً في حال نجاحها في سبيل تعزيز الامن الاجتماعي العالمي.و اعتبرت الوكالة ان الحاكمية الجيدة هي من اهم الوسائل التي تؤدي الى نجاح اهدافها[7].  

و في انتظار نتائج التجربة تابعت منظمة العمل الدولية و بالتحديد مكتب العمل الدولي على اطلاق حملات دولية تحت عنوان "الامن الاجتماعي للجميع" .حيث اعلن في آخر اجتماع له في حزيران 2003 ان شخص من كل خمسة في العالم يتمتع بحماية اجتماعية تحميه .و اعتبر تقرير مدير المكتب و الذي صدر تحت عنوان "تخطي الفقر بالعمل" ان الامن الاجتماعي العالمي لا يتحقق الا عبر التضامن العالمي لتأمين العمل للعاطلين عن العمل و مداخيل للعجزة و العاجزين عن العمل لحماية اكبر عدد ممكن من  الافراد من الفقر.

 

الفقرة الثالثة : الأمن الغذائي

يعرف البنك الدولي الأمن الغذائي بأنه قدرة كل شخص في الحصول على قدر كاف من الغذاء يساعده على العيش بصحة جيدة.اما منظمة الامم المتحدة للغذاء و الزراعة (الفاو) فإنها تعرف الأمن الغذائي بتوفر الغذاء في كل الاوقات و قدرة كل شخص على الوصول الى هذا الغذاء المتنوع و المتوفر بكميات كافية و نوعية جيدة.

على ارض الواقع ما يزيد عن ربع السكان في العالم معرضين لخطر النقص في الغذاء عدا عن ال800 مليون الذين يعيشون اصلاً مجاعة مزمنة.هذه المجاعة لا تعود الى النقص الكبير في الغذاء بقدر ما تعود الى سوء توزيع الاراضي الزراعية و المحاصيل فحتى في الدول الاكثر معاناةً من الازمات الغذائية لا يلاحظ معانين من المجاعة في اوساط الاعمال و الجيش او موظفي الدولة.

عبر تدمير المشاريع الزراعية العائلية المشاريع الزراعية الكبرى تعمق عدم المساواة بين المجتمعات في الشمال كما في الجنوب.و في الواقع عدم المساواة موجودة منذ عقود بين دول الشمال و الجنوب و حتى في داخل الدولة الواحدة فيما يتعلق بالحصول على الغذاء.فتقارير الامم المتحدة المتعلقة بالتنمية البشرية الصادرة عنPNUD  و CNUCED"تبرهن باستمرار الى ان العولمة تغني الاغنياء و تفقر الفقراء فيما تعلق بمناطق او دول او اشخاص"[8].

بالاضافة الى ذلك فإن نسبة الزيادة السكانية اكثر من نسبة زيادة المحاصيل الزراعية و لذلك فإنه اذا كانت المحاصيل الزراعية الحالية تكفي لإطعام كل سكان الكوكب اليوم فإنها لن تكفي بعد عدة عقود اذا استمرت الزيادة السكانية على حالها و استمر تدمير البيئة المنهجي الذي يدمر الاراضي الصالحة للزراعة.

لقد كانت هناك محاولات منذ عقود لايجاد غذاء كافي للجميع.ففي السبعينات كان هناك ما يعرف بالثورة الخضراء التي تقوم على استعمال انواع محاصيل سريعة الانتاجية مع تقنيات حديثة في الري و مبيدات و بذور مصنعة بالاضافة الى آلات زراعية حديثة و قد حققت نجاح في الهند في زيادة المحاصيل و لكنها كان لها اثر سلبي على التربة التي انهكت بعد عدة سنوات من زرعها اكثر من مرة في الموسم الواحد فقلت انتاجيتها كما لوحظ في بعض الاماكن تملح التربة و تلوث مصادر المياه القريبة من الاراضي.بالاضافة الى كون هذه الطريقة لم تناسب الدول الفقيرة التي لم تستطع تأمين الكلفة المادية المرتفعة لها.

 اليوم نرى ثورة البذار المعدلة جينياً و المعروفة تحت اسم OGM و التي يسوقها المدافعون عنها بالوسيلة التي ستنهي الجوع في العالم.و هذه البذار تؤدي الى نتائج بيئية اسوأ من نتائج الثورة الخضراء مثل مقاومة المبيدات كلياً او إمتصاصها كليا ،بالاضافة الى ان البعض يعتقدون بإمكانية حصول تفاعلات بين هذه البذار و نباتات اخرى او بعض الاشكال العضوية الموجودة في التربة و ان تؤدي الى خلق اشكال عضوية جديدة مضرة او شكل جديد من الاعشاب الضارة.و في حال افترضنا ان هذه البذار غير ضارة على الاطلاق فإنها تنتج في عدد قليل من الشركات العابرة القومية و التي لا تأبه الا بتحقيق الربح.فكيف ستنقذ الOGM  البشرية من الجوع و تحقيق الربح في آن واحد؟؟؟؟

الواقع يقول ان المزارع الصغيرة و العائلية ان كانت في دول الشمال او في دول الجنوب لن تقاوم الشركات المنتجة الكبرى و ستضطر الى الاقفال كما فعلت المئات قبلها تاركة خلفها بطالة تترتفع معدلاتها و زيادة في اسعار المحاصيل على عكس ما يدعيه منظرو الشركات الكبرى.

يجب ان يحصل تعاون بين المنظمات الدولية المتخصصة و المنظمات غير الحكومية و الحكومات و المزارعين و خبراء بيئيين و منتجي المواد الغذائية و المصدرين لمحاولة الوصول الى حلول ترضي الجميع و تؤمن الغذاء لسكان الكوكب دون ارهاقه و استنفاذ موارده.

و في الواقع ان مسألة الامن الغذائي الخطيرة دفعت الامم المتحدة عبر منظمة الغذاء و الزراعة الفاو الى عقد قمة عام 1996 حول الامن الغذائي سميت ب"القمة العالمية لغذاء في روما" و صدر عنها اعلان روما حول الامن الغذائي العالمي.و قد تعهدت فيه الحكومات المشاركة بخلق مناخ سياسي و اجتماعي و اقتصادي مناسب لخلق ظروف تساعد على محو الفقر و المحافظة على السلم الدائم بمشاركة الرجل و المرأة بالتساوي و الوصول الى امن غذائي دائم للجميع[9].

 

 

المبحث الثاني : الأمن الاقتصادي و النفطي

 

الفقرة الأولى : الأمن الاقتصادي

يعرف الامن الاقتصادي على انه المحافظة على الظروف المؤاتية و المشجعة للزيادة النسبية لانتاجية العمل و رأس المال و التي تضمن للافراد مستوى معيشة مرتفع و يتحسن باستمرار و تؤمن (الظروف المشجعة) وضع اقتصادي عادل و آمن يشجع الاستثمار الداخلي و الخارجي و النمو.

الاعتماد الاقتصادي المتبادل و المنافسة الدولية المتزايدة اصبحت اسباب مهمة للخلافات و التوتر الدولي.و الدول الصناعية التي ترغب بالحفاظ على مستوى المعيشة المرتفع و الدول النامية التي تريد رفع مستوى المعيشة قد وجدوا انفسهم مضطرين لاستعمال شتى الوسائل لتحسين الانتاجية و الحفاظ على الامن الاقتصادي.و احدى هذه الوسائل هي التجسس الاقتصادي الذي يقوم على الحصول على بيانات اقتصادية كالمعلومات او التكنولوجيا للاستفادة الاقتصادية.و هذا النجسس الاقتصادي يحصل بطرق غير شرعية او سرية او بواسطة التهديد و السيطرة.

ما يهدد الامن الاقتصادي ايضاً هو الازالة التدريجية للحدود الاقتصادية المرافق للعولمة.بالاضافة الى كون القانون الاقتصادي الدولي يتأرجح بين التدخلية (interventionnisme ) تارة و الليبرالية تارة اخرى مع الميل الاكبر نحو هذه الاخيرة دون وضوح آليات عمل معينة.

 

الأمن العالمي و الطاقة (Securite energetique )

 

لقد برزت مشكلة الامن العالمي و ارتباطها بتجارة مصادر الطاقة منذ فترة طويلة.حيث تعتبر هذه المصادر (بترول ،غاز،فحم...) صلة وصل اساسية بين الاقتصاديات الوطنية و المصدر الخارجي الذي يؤمنها.

في الواقع فإنه و منذ الثورة الصناعية و بالتحديد منذ نهاية الحرب العالمية الاولى اصبحت مصادر الطاقة ذات اهمية قصوى لأنها تؤمن انتاج وتوزيع السلع.و النفط يحتل مركزاً مهماً في العلاقات الطاقوية الدولية لأنه " يغطي حوالي 40 % من العرض العالمي لمصادر الطاقة و يتوقع ان يشكل حوالي 35 % من العرض العالمي حتى عام 2030"[10].هذه المعطيات تسمح لنا باعتبار النفط مادة اولية استراتيجية.و العلاقات النفطية الدولية تبدو مطبوعة بنزعة سياسية برزت اول ما برزت في السبعينات في ما عرف بأزمة النفط و الثورة النفطية التي نظمتها الدول الاعضاء في الاوبك.و منذ تلك الفترة برز النفط كعنصر مهم في حفظ الأمن الوطني و العالمي.فالدول التي تحتاج الاكثر الى النفط لا تملكه و تستورده من الخارج و الدول المنتجة للنفط في غالبيتها من ادول الجنوب او دول العالم الثالث كدول الخليج الفارسي و دول اميركا الجنوبية و روسيا و دول القوقاز.و هذا يؤدي الى ان الامن النفطي لبعض الدول يستوجب اعتماداً متوسط و طويل الامد على دول اخرى.و من هنا برزت الدعوات الداعية الى تخفيف هذا العتماد من خلال البحث عن موارد اخرى للطاقة او مناطق نفطية اخرى غير الدول الخليجية و هي المورد الاضخم للنفط بسبب كونها معرضة لأزمات سياسية اكثر من غيرها مما قد يؤثر على التموين للدول الصناعية.

و ربما هذا ما دفع الولايات المتحدة الى احتلال العراق لضمان مورد آخر من موارد النفط و السيطرة عليه فتتحكم بالتجارة النفطية و بالاسعار.

 

المبحث الثالث : الأمن الثقافي

 

تعرف الهوية على انها مجموعة الخبرات الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية لشعب ما او مجتمع او جماعة و هذه الهوية تجمع المنتسبين اليها بصفات عديدة ، تتنوع من السلوك المعيشي و التراث الشفهي و المكتوب و اللغة و سائر العادات و التقاليد و الموروثات المميزة لهذه الجماعة.و من هنا نستطيع القول ان هوية ما تحدد عند مقارنتها بأخرى مختلفة عنها فيصبح بالتالي وجود واحدة ضرورية لوجود الاخرى فلا جدوى من القول بهوية معينة عند التطابق الكامل بين الجميع.هذه الهوية بكل ميزاتها تشكل ثقافة الفرد المنتمي الى هذه الجماعة فتميزه عن غيره و تدفعه الى التعاطي مع الغير للتعرف على الثقافات المختلفة.

و في السنوات الاخيرة بدأنا نرى و نلاحظ نزعة ثقافية جديدة صفتها الرئيسية انها عالمية او كونية سميت في الادبيات المتخصصة بثقافة العولمة.و تتميز هذه الثقافة بأنها تتجاوز الثقافة الوطنية و حدود الدول ، و تجمع قليلاً من هنا و من هناك من الثقافات المحلية لتكون هذه الثقافة الكونية.و يعتبر البعض ان هذه الثقافة لاتاريخية لأنها "تتعدى التواريخ الخاصة و الهويات الخاصة الى الفضاء العالمي الذي لا هوية له"[11] فتصبح بالتالي "لا ذاكرة لها"[12].و تعزى لاتاريخية ثقافة العولمة الى كونها تقنية علمية و نخبوية و مرتبطة بتمركز القوة و بثقافة الاستهلاك[13].كل هذا يؤدي الى تفكك الثقافات الوطنية التي تذوب في ثقافة العولمة.فهذه الثقافة لديها لخدمتها في التنقل شبكات المعلوماتية و الشبكات المرئية الرقمية التي تساعدها على ان تكون في كل بيت على هذه المستديرة.

هذا الخطر القادم يهدد سائر الهويات الثقافية اينما وجدت و ادى الى ايجاد حالة استنفار ثقافي لحماية الثقافات الوطنية من ثقافة "الماكورلد" (Macworld) .و الخطوة الاهم كانت على يد الاونيسكو.فقامت عام 2001 بإصدار الاعلان العالمي للتعددية الثقافية.و كان هذا الاعلان جاء من مبادرة فرنسية تسعى الى ايجاد حماية ما للثقافة الفرانكوفونية امام الثقافة المعولمة ذات الطابع الاميركي بإمتياز.

في هذا الاعلان المؤلف من 12 مادة يتم التأكيد على التعددية الثقافية و الاختلاف الثقافي كثروة مشتركة للبشرية جمعاء تساعد على التنمية و الخلق و الابداع.و تشدد الاونيسكو في هذا الاعلان على كون هذا الاختلاف الثقافي عامل جمع و ليس عامل تفرقة بين الشعوب.و استطاعت الحصول من الجمعية العامة للامم المتحدة على تخصيص يوم 21 ايار من كل عام كيوم عالمي "للتنوع الثقافي للحوار و التنمية".

في نهاية عام 2003 و بالتحديد ما بين 29 ايلول و 17 تشرين اول عقدت الاونيسكو اجتماعها العام رقم 32 و خصصته ايضاً لموضوع التنوع الثقافي.و كانت الحكومة الفرنسية قد قدمت اقتراح يقضي بايجاد آلية قانونية دولية تحمي التنوع الثقافي حيث تستطيع كل حكومة اتخاذ الاجراءات التشريعية و التنظيمية او المالية المناسبة لحفظ و حماية ثقافتها و لغتها الوطنية.و جاء في الاقتراح الفرنسي ضرورة التعاون بين دول الشمال و الجنوب حول هذه المسألة.و هذا الاقتراح الفرنسي المثير للجدل يأتي في محاولة لقطع الطريق على المفاوضات التي تجري برعاية منظمة التجارة العالمية حول تجارة الخدمات (AGCS ).و النتيجة لن تظهر قبل خريف 2005 حين ستقوم الجمعية العمومية للاونيسكو بالتصويت على هذا الاقتراح.

 

المبحث الرابع : الأمن البيئي

 

تعتبر البيئة من اهم الملكيات العالمية المشتركة ان لم تكن الاهم و هي تحتوي على كل العناصر الضرورية لبقائنا.و بسبب هذه الاهمية من جهة و الاذى الحاصل للبيئة و التدمير المستمر لها نرى انفسنا امام معضلة الامن البيئي و الحفاظ على مصادر حياتنا.

و يعرف الامن البيئي على انه ضبط التدمير المنظم للبيئة و وضع تشريعات تحميها و خلق ظروف عمل مناسبة للبيئة و لا تضر بها.و في الواقع ان مشكلة البيئة تعتبر من ابرز مشاكل الامن العالمي بسبب لامركزية هذه المشكلة التي تصيب الجميع و تؤثر فيهم.

و من اهم المشاكل التي تعاني منها البيئة زيادة استغلال الموارد.فتقارير الامم المتحدة تؤكد ان الاستعمال السنوي للموارد الطبيعية يزيد ب20 % عن قدرة الطبيعة على اعادة خلق هذه الموارد.و يقدر الصندوق العالمي للطبيعة (Fonds mondial pour la nature ) انه بحلول عام 2050 فإن الافراد سيستهلكون ما بين 180 و 220 % من القدرة البيولوجية للكوكب[14].

و التهديد الثاني للبيئة يأتي من التغيرات المناخية فاحتراق النفط و الغاز و الفحم يصدر ثاني اوكسيد الكربون و غازات اخرى تؤدي الى ظاهرة الاحتباس الحراري التي تزيد من حرارة الارض .التهديد البيئي الآخر هو الثقب في طبقة الاوزون الحاصل جراء انبعاثات غازات تحتوي على الكلور.بالاضافة الى ذلك هناك تناقص الاراضي الصالحة للزراعة و المساحات الخضراء و خاصة الغابات بنسبة 2.4 % منذ عام 1990 حسب ارقام منظمة الامم المتحدة للغذاء و الزراعة (الفاو) تحت ضغط توسع المدن و الصناعة المنجمية و تجارة الاخشاب.هذا عدا عن صعوبة الحصول على المياه للعديدين وانقراض بعض اجناس الحيوانات البرية و المائية.

كل هذه التحديات البيئية ادت الى وعي لدى الناس تمثل بالضغط من قبل المنظمات غير الحكومية و بعض الحركات المناهضة للعولمة على حكومات الدول و المنظمات الدولية لمحاولة ايجاد تشريعات دولية او اتفاقات و معاهدات دولية لحماية البيئة و بالتالي حماية مستقبل الانسان الذي يعتمد كلياً على البيئة المحيطة به و كل ما تحتويه.

و بالفعل تم عقد عدة مؤتمرات و اجتماعات منذ الثمانينات كان ابرزها برنامج الامم المتحدة للبيئة ، معاهدة بال(1989) ، قمة الارض في الريو(1992) مروراً ببروتوكول كيوتو (1997) و قمة الارض في جوهانسبورغ (2002).

 

 

الخاتمة

 

كل هذه المخاطر التي تعاني منها شعوب الارض يجب حلها و بسرعة لانقاذ ما يمكن انقاذه و جعل الارض صالحة للسكن للأجيال المستقبلية.ما هي الخطوات التي يمكن اتخاذها في سبيل ذلك؟ يعتقد العديد من الباحثين ان الحل لكل هذه المشاكل هي الحاكمية الجيدة التي يفسرها البعض على انها ممارسة السلطة الاقتصادية ،السياسية و الادارية في سياق ادارة الدولة.في مقابل هذا التفسير الاقتصادي تبرز اليوم دعوات الى حاكمية جيدة ذات مقترب تنموي بشري تعتبر ان الشعوب يجب ان تكون مسؤولة عن اتخاذ القرارات التي تمس مصالحها.فالحاكمية الجيدة يجب ان تعطي اهمية جوهرية للمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات المصيرية و هذا يعني وجود شفافية كاملة من السلطة السياسية تجاه المواطن و مسؤولية هذه السلطة بكل افرادها عن اعمالها.اعتماد منحى ديموقراطي تعددي ضروري لتحقيق الحاكمية الجيدة.

الحاكمية الجيدة بمعناها التنموي مع التعاون و الاعتماد المتبادل هي الحل للمخاطر التي تتهدد الكوكب و البشرية جمعاء و تهدد بافنائها.الشفافية و المشاركة و الفعالية الحكومية و التعاون بين المنظمات الدولية و الدول و المنظمات غير الحكومية ، مع اقرار دول الشمال و قاطنيها بمسؤوليتهم في انقاذ الارض و عدم القاء الحمل على دول الجنوب ،كل هذا يؤدي الى ايجاد حلول فعالة للمشاكل الامنية العالمية المختلفة.

                                                                                     ديما أحمد شريف

المراجع

المجلات و الدوريات

1-   الثقافة العالمية،العدد 96،ايلول-تشرين اول 1999

2-   السياسة الدولية،العدد 149،تموز 2002

3-   عالم الفكر،العدد 1،المجلد 32،حزيران-ايلول 2003

4-   شؤون عربية،العدد 112،شتاء 2002

 

المراجع


 

[1]  OMS ,Securite sanitaire mondiale : alerte et action en cas d'epidemie,Rapport du secretariat ,A54/9,2 avril 2001 p 2

[2] Ibid p4

[3] منشورات الامم المتحدة :Impact socio-economique de l'epidemie et renforcement des capacities nationals a combattre le VIH-sida,A/S-26/RT.3

[4] لمزيد من المعلومات راجع اعلان جاكارتا "Sur la promotion de la sante au XXIeme siecle " 25 juillet 1997 document OMS : WHO/HPR/HEP/41CHP/BR/97.4

[5] لمزيد من المعلومات مراجعة  Inge Kaul "Biens publics globaux,un concept revolutionnaire" et " Des mecanismes d'action collective" Le monde diplomatique ,juin 2000

[6] لمزيد من المعلومات مراجعة Supplement a l'agenda pour la paix,3 janvier 1995

[7] لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع مراجعة BIT:Securite sociale : un nouveau consensus,geneve 2002

[8] Susan george :la securite alimentaire,sur le site www.France-diplomatie.fr

[9] لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع مراجعة Declaration de Rome sur la securite alimentaire mondiale au sommet mondial de l'alimentation de Rome(13 a 17 novembre 1996)

[10] Petrole et securite internationale : de nouveaux enjeux,CNRS,grenoble,septembre 1998

[11] عالم الفكر المجلد 32 العدد 1 يوليو –سبتمبر،2003،ص 15

[12]  المرجع نفسه ص 15

[13] لمزيد من المعلومات مراجعة Don slater,consumer culture and modernity,Cambridge polity press,1997

[14] لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع مراجعة Rapport 2002 du Fonds mondial pour la nature(WWF)

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب و التنمية

الانتخابات النيابية

دراسات و ابحاث

حملات الكترونية

قضايا

مواقع محامين

دليل المحامين

وثائق و تقارير

عروض الكتب

مواقع هامة

 

محامون لبنانيون - الصفحة الرئيسية

 

 

 

 

منظمة التجارة العالمية

 

 

مركز وثائق الامم المتحدة

 

 

للتعليق على المقال أو مراسلة الكاتبة