|
اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في جريمة اغتيال الحريري |
|
على أثر قرار مجلس الأمن الدولي المستند الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بأحالة ملف الجرائم الدولية المرتكبة في دارفور الى المحكمة الجنائية الدولية , فقد تردد ذكر هذه المحكمة كثيرا في و سائل الاعلام مؤخرا. تبع ذلك تردد الحديث عن أحالة ملف قضية اغتيال الرئيس الحريري الى المحكمة الجنائية الدولية . في الحقيقة فأنه و حتى فيما يختص بملف دارفور فأن لنا تحفظاتنا حوله والتي نبقيها لمقام آخر. أما فيما يختص بملف اغتيال الحريري فأنه و عدا عن الدفوع الشكلية التي تثور تلقائيا في وجه طرح كهذا أن لجهة عدم تصديق لبنان و معه الدول العربية على المعاهدة المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية و ذلك بانتظار قيام اسرائيل بذلك لئلا يفلت مواطنوها من العدالة الدولية , أو لجهة طبيعة الاختصاص التكميلي للمحكمة الجنائية الدولية و الذي يترتب عليه عدم اختصاصها بنظر الجرائم التي باشر قضاء وطني مهامه فيها . على الرغم من أهمية هذين الدفعين الشكليين فاننا لن نتوسع في بحثهما باعتبار أن بالأمكان ازالتهما عند موافقة الدولة المعنية ( لبنان في حالتنا ) على اختصاص المحكمة . الاشكالية الحقيقية التي تواجهنا هي في الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية . حيث نجد أن المادة الخامسة من نظام روما الأساسي قد حددت حصرا و بدقة الجرائم الواقعة ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية و هي : 1- جريمة الأبادة الجماعية 2- الجرائم ضد الانسانية 3- جرائم الحرب 4- جريمة العدوان وبطبيعة الحال فان اغتيال الرئيس الحريري لا يقع ضمن أي من هذه الفئات . فعلى الرغم من حجم الرجل و ثقله الاستثنائيين و على رغم الزلزال الذي أحدثته جريمة اغتياله البشعة فأن التكييف القانوني لهذا الملف المتمثل باغتيال نائب في البرلمان و رئيس حكومة سابق لا يشكل بأي حال جريمة من الجرائم المنصوص عنها في معاهدة روما والتي كرست في المادة 22 منها اعتمادها لمبدأ شرعية الجرائم و العقوبات بمعنى أن لا جريمة دون النص عليها و أن الجرائم المنصوص عنها في المعاهدة تفسر تفسيرا" ضيقا" بحيث لا يجوز التوسع في تفسيرها لتشمل غيرها أو ما شابهها من الجرائم . ( لطفا" مراجعة المواد 5 الى 8 من معاهدة روما ) أن توقف البعض عند الشرطين الأولين دون بحث مسألة الأختصاص الموضوعي قد يساء فهمه أو تفسيره عمدا" أو بحسن نية للتوصل الى القول بأن الدولة اللبنانية تقف من جديد حجر عثرة في وجه جلاء الحقيقة من خلال عدم التنازل للعدالة الدولية متمثلة هذه المرة في المحكمة الجنائية الدولية . ففي ظل الفورة الراهنة نرى مدى سهولة توجيه شريحة كبيرة من الرأي العام اللبناني غير المتخصص و المستجد في متابعاته السياسية من خلال الضغط الاعلامي المركز, حيث تمكن أشد غلاة المنادين بالسيادة من اقناع الناس بأن لا تناقض بين السيادة و بين لجنة التحقيق الدولية رغم أن أي طالب حقوق يدرك أن ممارسة القضاء في دولة ما لأختصاصه الجزائي هو من أهم معالم السيادة . ورغم ان حجة ادارة بوش في مواجهة الرأي العام الأميركي المطالب بانضمام بلاده الى المحكمة الدولية الجنائية هو تجنب خرق السيادة الأمريكية و تجنب محاكمة الجنود و رجال الاستخبارات (الأجهزة!!!) الاميركيين أمام محكمة غير أميركية . ما سبق ينطبق على بعض الاقتراحات المنادية بانشاء محكمة جنائية دولية خاصة مستقلة عن محكمة روما للنظر في اغتيال الحريري. حيث أننا نلاحظ خللا مفاهيميا في هذا الطرح باعتبار أن الجريمة الدولية هي بطبيعتها : " ترتكب من الشخص الطبيعي باسم دولة و تشجيعها أو برضاء منها , و لذلك يلزم لقيامها بالاضافة الى الأركان العامة للجريمة الداخلية توافر الركن الدولي " ( د. فتوح الشاذلي , أوليات القانون الدولي الجنائي, دار المطبوعات الجامعية, الاسكندرية , ص 216 ). أما جرائم الارهاب (السيارات المفخخة و الاغتيالات ) فهي لم تصنف كجرائم دولية بل هي جرائم عالمية تخضع " لمبدأ الأختصاص العالمي للقضاء الوطني, فيسري عليها القانون الوطني للدولة الذي يطبقه قضاء هذه الدولة" ( المرجع السابق,ص 226) و عليه, تبقى جريمة اغتيال الرئيس الحريري جريمة داخلية غير دولية تعود صلاحية النظر فيها للمحاكم اللبنانية و لا يمكن أن تخضع لأي شكل من أشكال القضاء الدولي الجنائي سواء محكمة روما أو محكمة خاصة . و في جميع الأحوال فأن مجرد قبول أي محكمة دولية جنائية النظر في هذا الملف انما يفيد بافتراض توافر الركن الدولي في جريمة الاغتيال و هو الأمر الذي- في ظل تراشق الاتهامات الموجهة الى الدولتين اللبنانية و السورية- يشكل أدانة مسبقة و رأيا في قضية لم يباشر بها بعد بما في ذلك من مخالفة لأبسط المبادئ القانونية .
خلاصة القول أن من غير الممكن شكلا أو موضوعا أن يحال ملف اغتيال الحريري الى القضاء الدولي الجنائي و ينبغي بالتالي سحب هذا الموضوع من التداول خشية اساءة استغلاله لتضليل الرأي العام ولكي لا يحدث اختلاط لدى الناس حول المفاهيم الأساسية للقانون الدولي الجنائي . دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية والدبلوماسية |
المركز العربي للتدريب و التنمية
الانتخابات النيابية دراسات و ابحاث حملات الكترونية قضايا مواقع محامين دليل المحامين وثائق و تقارير عروض الكتب مواقع هامة
محامون لبنانيون - الصفحة الرئيسية
اقرأ : الوصف القانوني لجرم اغتيال الحريري
دراسة للدكتور حلمي الحجار حول الموضوع
للتعليق على المقال أو مراسلة الكاتب
محامون لبنانيون - الصفحة الرئيسية
|