العروبة بين القومية والهوية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 المحامي العربي - لبنان

  وسيم نابلسي

   بعد وفاة عبد الناصر في العام 1970 ودخول العالم العربي عهد كامب ديفيد أوعهد الانفتاح والانشكاح كما يسميه الكاتب محمود السعدني , أصبح الفكر القومي العربي مكسر العصا لكل من هب ودب . وأصبحت الأنظمة العربية المستبدة والمتخلفة تجد لإخفاقاتها القطرية وفسادها الوطني شماعة جديدة اسمها العروبة . وانطلقت في عموم الأقطار تلك الشعارات الفارغة التي تقدس القطرية والانطواء على الذات من نوع : لبنان أولاً , الأردن أولاً , مصر أولاً ... الخ . هذه الشعارات التي يفضح فراغها وتهافتها تساؤل المرحوم جوزف سماحة : " إذا كان لبنان أولاً , فما هو الذي يأتي ثانياً ؟؟ " .

   وبضغط من أجهزة الشائعات / الأمن ومن وسائل الإعلام الرسمي نجحت هذه الشعاراتية في التسرب إلى عقول العديد من أبناء الشعب العربي . وهي قد فعلت فعلها لدى الكثير من البسطاء من بينهم حتى بات بالإمكان توصيف هذه الشعاراتية بأنها أصبحت أحد المكونات الثقافية لدى شرائح مجتمعية كبيرة في العالم العربي متسببة بحال من الشيزوفرانيا عند هذا المواطن المتخبط بين قطريته وعروبته وحتى إسلامه ( بالنسبة للعربي المسلم ) باعتبار أن لا مصلحة للأنظمة في أن تكون المفاهيم الثلاثة متكاملة لا متعارضة . ولعل الفنان العربي السوري دريد لحام قد نجح في تجسيد هذه الحالة المتردية عندما قال بحسرة أن ذكر العروبة في مسرحياته قديماً كان يثير عواصف الحماسة والتصفيق في حين أنه اليوم يتسبب بالضحك والسخرية !!!

   وعلى عكس ما قد يبدو , فإن هذا الظلم الذي تتعرض له العروبة اليوم ليس وليد مرحلة ما بعد عبد الناصر وإن كان قد تبلور وظهر إلى العيان فيها . إن العروبة ظلمت منذ مطالع القرن العشرين عندما ألبست غصباً لبوس القالب الجامد للقومية السيادية الصلبة بمفهومها الأوروبي .

   فعلى الرغم من تزامن نشأة الفكرة القومية مع نشأة الحضارة البشرية فإن هذه الفكرة لم تأخذ شكلها المقولب والمعياري إلا بعد الثورة الصناعية في أوروبا . أما قبل ذلك فكانت فكرة مجردة وكياناً هيولياً تتجلى معالمه بحس الانتماء إلى جماعة أوسع من العائلة او القبيلة .

   بقيت الفكرة القومية على حالها هذه إلى أن جاءت الثورة الصناعية في اوروبا حاملة معها رياح الحداثة والتغيير على الدول التي عاشتها . حيث تطورت وسائل الانتاج وبدلت التقسيم الاجتماعي للعمل ما أدى إلى تخليق نظام سياسي ونظام طبقي اجتماعي جديدان سادت فيهما سلطة الشعب بدل سلطة الملوك والاقطاع . كل هذا أثر في في مفاهيم الحدود والسيادة والمواطنة وفكها من ارتباطاتها القديمة بشخص الملك والهيمنة البابوية ليعيد ربطها بمفهومي المصلحة القومية والنظام الديموقراطي المبنيان على آليات الانتاج الرأسمالي . هكذا تم استحضار حس الانتماء للجماعة لافراغه في قالب صلب تمت تسميته القومية . فأمم أوروبا ما بعد الثورة الصناعية تستطيع اعتماد مثل هذا القالب بل هي تحتاج إليه لصون حدودها وحماية مواردها وصهر سكانها في بوتقة واحدة ليقوموا بالانتاج وفقاً للآليات المستجدة .

   من هنا وجب التفريق بين الفكرة المجردة والقالب الذي وضع لها . إذ على عكس الوضع الأوروبي نجد ان الوضع العربي على رغم حاجته وجهوزيته للفكرة بذاتها فإنه غير جاهز وهو أبعد ما يكون عن الحاجة إلى القالب الصلب المجهز والمصنوع في أوروبا القرن الثامن عشر . فحال الأنظمة العربية اليوم تشبه حال الاقطاعيين الذين سادوا أوروبا قبل الثورة الصناعية فكان كل واحد منهم يتفرد في إقطاعه بما يشبه الاستقلال عن السلطة المركزية متحكمأ بساكنيه بوصفهم عبيداً لا شعباً . وطالما بقيت إقتصادات الدول العربية اقتصادات ريعية ومركنتلّية غير قادرة على تطوير وسائل انتاج تحول عبيد الاقطاعات الى شعوب فلن نكون بحاجة إلى مثل هكذا قوالب . لقد كانت محاولات حشر الفكرة العربية في القالب القومي المستورد الظلم الأول الواقع بها . ولا يجوز طبعاً أن ننسى الأثر السلبي للتأخر الحاصل في هذه المحاولات التي لم تتبلور إلا بعد انهيار الدولة العثمانية يوم كانت القوميات الأوروبية في آخر مراحلها تتراجع أمام ثورة مواصلات وعولمة مستجدة تطل براسها . وهو نفس الخطأ الذي نرتكبه اليوم عندما نطالب بالديموقراطية في زمن تحوّل السلطة ( ألفن توفلر ) وصراع الحضارات ( هنتنغتون ) ونهاية التاريخ ( فوكوياما ) والحروب الصليبية ( جورج بوش ) وبعدما دخلت الديموقراطية في أزمتها الأخيرة وانقضى الأمر .

   إن ما سبق لا ينفي ولا يمكن أن ينفي الفضل الكبير والألمعية البارزة لرواد العروبة الأوائل من أمثال قسطنطين زريق وساطع الحصري وميشيل عفلق وغيرهم . إلا أن المقاربة الأهم للعروبة كانت في النهج الناصري الذي كرس العروبة كهوية في عقول الشعوب العربية التي تشربت حس الانتماء للجماعة الأوسع من القبيلة والطائفة والقطر - الاقطاع . ورغم الظلم الذي ألحقه هذا النهج بالعروبة بدوره من خلال بعض الانحرافات والسقطات , يبقى ما أنجزه في تعميم الحس العروبي واضحاً للعيان حتى عند مشاهدي دريد لحام الذين يسخرون من العروبة كضرب من المازوشية وليس تنكراً لها .

   إن هذا الحس بالانتماء يحمل من مضامين الشراكة في الثقافة واللغة والتاريخ وفي احتياجات الحاضر وتطلعات المستقبل وحتى في العقد الجنسية ما يكفي لأن نكون في أشد الحاجة للفكرة العربية طالما أنها غير مقولبة . ففي قولبتها تحميلها ما لا تحتمل . أما أكثر ما لا تحتمله هذه الفكرة في وضعها الحالي فهو أسطورة التكامل الاقتصادي بين الاقطاعات الريعية العربية وتالياً اي إمكانية لوحدة سياسية بين هذه الاقطاعات حالياً . ربما تحمل هذه النظرة مقداراً من الواقعية لم نعتد عليه غير أنه ضروري للتقليل من مشاعر الاحباط وتالياً المازوشية التي سمحت لنا بالتطاول على العروبة وابتزازها واستثمارها كشماعة واستعمالها مكسر عصا .

  ينبغي أن نتوقف عن طرح الأسئلة الخاطئة . العروبة ليست سؤالاً في القومية . العروبة هي سؤال الهوية . الهوية بما تحمله من تموقع بالنسبة للآخر . الآخر الذي , مهما أصريت على قطريتي , سيبقى يرى إلي عربياً ذا ملامح شرق أوسطية والذي سيظل يسأل " في أي ولاية ؟ " كلما قلت له أنا من "ليبانون" .

المحامي نابلسي