|
سنّة لبنان من أجل لبنان |
||
|
وسيم نابلسي نشرت في جريدة الرقيب بتاريخ
لم يكن لدى السنة في لبنان أي مشاعر أقلوية أو فئوية في أي يوم من الأيام . ولطالما شكلت هذه الطائفة صوت الضمير الذي كان يخرج دوماً عند اللزوم لتنبيه البعض من الشطط ولإعادة الأمور إلى نصابها . وهي لطالما لعبت دور الوسيط والجامع ليس بين مختلف الفئات والطوائف اللبنانية فحسب بل والأهم بين لبنان وسائر محيطه العربي . غير أن هذا المسار بدأ بالانحراف منذ اتفاق الطائف . فعلى الرغم من أن التعديلات الدستورية التي شملها هذا الاتفاق , والتي صب بعضها في خانة تعزيز دور الطائفة وتدعيم المواقع السنية في النظام , لم تأت كنتيجة للحرب الأهلية , أو بكلمات أدق , نتيجة لانتصار ما حققته الطائفة خلالها . حيث لم تحمل الطائفة أي سلاح بمعناه الحقيقي قياساً بما كان سائداً في تلك السنوات . فقد جاءت هذه التعديلات لتكرس الاعتراف بالدور الوطني الريادي الجامع للطائفة . وكان في هذا التكريس نوعاً من التعويل على استمرار هذا الدور الذي كان ضرورياً جداً في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية . فما الذي حصل ؟؟ لقد تخلى السنة في لبنان عن دورهم الريادي لصالح تعبئة طائفية – مذهبية وانجروا إلى زواريب الفئوية – الأقلوية التي أفقدتهم تمايزهم عن باقي اللبنانيين . ويعود ذلك لسببين إثنين. الأول يتلخص في أن المحيط العربي الذي لطالما كان الرافد لهذه الطائفة والداعم لدورها تحول بفضل انحراف ما يسمى بأنظمة الاعتدال العربي إلى محرض أساسي على إهمال هذا الدور وعلى الإنزلاق في أتون الفتن الطائفية والمذهبية . أما السبب الثاني فيعود إلى التهميش الذي عانت منه القيادات السنية على مدى 15 عاماً من الوصاية السورية – الحريرية المشتركة والذي أدى إلى انحسار وهج سائر زعامات الطائفة لصالح الهيمنة الحريرية التي استفردت بالوصاية على الطائفة بالتواطوء مع النظام الأمني الذي كان قائماً في حينها . ولم تنتبه القيادة السورية لخطورة تحويل سنة لبنان إلى مونوبول إلا في الفترة الأخيرة قبل اغتيال الحريري وخروجها من لبنان حيث بدأ الانفصام بين الوصايتين السورية والحريرية مع التجديد للرئيس لحود وصدور القرار 1559 . ونترك للمستقبل كشف ما إذا كانت الوصاية الأولى هي من اغتالت رمز الوصاية الثانية أم أن جهة ما كانت تعد نفسها لدور وصاية جديد هي من نفذ هذا الاغتيال . وفي ظل رمزية وضخامة شخصيات كحسن نصر الله ونبيه بري وميشال عون ووليد جنبلاط وحتى سمير جعجع برمزيته الدموية الميليشياوية التي تشكل شيئاً ما يوحي بالطمأنينة لدى بعض المسيحيين من المؤمنين بأفكار من نوع "أمن المجتمع المسيحي" وغيرها من الكليشيهات البائدة , كان لا بد للطائفة السنية أن تجود من الموجود حتى لو كان الموجود سعد الحريري وفؤاد السنيورة . فهذا ما بقي للطائفة بعد اغتيال رفيق الحريري جسدياً واغتيال سائر القيادات سياسياً ( لاحظوا عراقة وليد جنبلاط في هذه اللعبة ). ولقد جاءت رمزية الاغتيال والتعاطف الحاصل بعده كتعويض عن النقص في الرمزية والحجم لدى هذه الشخصيات . مما لا شك فيه ان الطائفة اليوم في وضع لا تحسد عليه . وأنت لا تحتاج إلى كثير وقت من الحوار مع فرد من أفرادها حتى يصارحك بعدم اقتناعه بهذه الشخصيات وبعدم علمه بمشروع سياسي واضح لديها وبعدم موافقته على مجمل تحالفاتها ولا سيما الجعجعية منها . ومع ذلك فلا بد من اتباع هكذا شخصيات باعتبارها الجهة الوحيدة التي تجسد العصبية السنية بأبرز تجلياتها . وهذه العصبية ضرورية بنظر ابن الطائفة لمواجهة سائر العصبيات عبر الوطن . إنه لأمر محزن جداً أن تصل هذه الطائفة العظيمة إلى هذا الدرك . فهي التي لم تعد مطمئنة إلى أصالتها فتركتها وهربت إلى موقع سيتضح سريعاً أنه ليس لها فأصبحت كمن خسر الدنيا والآخرة . أما الأخطر في هذا الخطاب فهو يترتب على صعيد الوطن ككل وليس على صعيد الطائفة . فمن يا ترى بعد السنة قادر على نبذ العصبيات ولعب الدور الجامع المطلوب ؟؟ إن من مصلحة هذا الوطن , ومن مصلحة مواطنيه جميعاً , من السنة وغيرهم أن يعملوا على استعادة السنة لدورهم الذي اعتادوا عليه منذ الاستقلال . ففي استعادة هذا الدور الخلاص الحقيقي من الأزمة الراهنة حيث ستصبح المسائل التي نعتبرها كبيرة وخطيرة حالياً , كرئاسة الجمهورية وحكومة الوحدة الوطنية , مسائل تفصيلية وهامشية في مقابل الانفراج الممكن تحقيقه فيما لو تحقق ما ندعو إليه . وهذا لا يكون إلا بنبذ ترسبات عهد الوصاية السابق وما أفرزه من طفيليات تقتات على الشعور المذهبي للطائفة واستبدالها بقيادات أصيلة تدرك حقيقة هذا الدور وتؤسس برامجها السياسية عليه . وحتى يتحقق هذا الاستبدال ينبغي أن تعاد لهذه القيادات حقوقها واحترامها ومكانتها التي سلبت منها في الفترة السابقة . كما ينبغي أن يعاد للسنة تواصلهم بمحيطهم العربي ولا سيما السوري منه . ولقد توصل معظم اللبنانيين أخيراً وحتى أشدهم خصاماً لسوريا أن كل العنتريات والتهجمات الدونكشوطية لا طائل من ورائها . وأن الأوضاع في لبنان لا يمكن أن تعود إلى طبيعتها واستقرارها ما لم تعد العلاقات مع الجار الوحيد للبلاد ( وليس الجارين كما يتوهم البعض ) إلى طبيعتها واستقرارها . وفي غياب مصر عبد الناصر وسعودية الملك فيصل لا يبقى للسنة في لبنان إلا سوريا التي صرح رئيسها في خطاب علني أنها ارتكبت الأخطاء خلال فترة وجودها في لبنان . فهل يمكن استنتاج أن هذه المراجعة السورية قد كشفت فداحة تحويل السنة في لبنان إلى فئة ذات ثقافة أقلوية وأن لبنان لا يمكن أن يعيش بغير طائفة سنيّة مطمئنة إلى موقعها الوطني لتكون مؤهلة لممارسة نفسها نهجاً للاعتدال وصوتاً لضمير الكيان اللبناني ؟؟ وهل نملك ونحن نستعير هذه الكلمات إلا أن نترحم على الرئيس الشهيد رشيد كرامي ؟؟ |