|
مجتمع مدني |
||
|
وسيم نابلسي نشرت في جريدة الرقيب بتاريخ
كان ذلك في طرابلس في العام 2003 . دعينا بوصفنا من المحامين الشباب إلى ندوة تعقدها جمعية تعنى بمناهضة التعذيب وإعادة تأهيل ضحاياه . دخلنا القاعة المخصصة للندوة فوجدناها عبارة عن طاولة سفرة تحيط بها بضعة كراسي تابعة لها إضافة إلى عدد يقارب الثلاثين من الكراسي البلاستيكية البيضاء حشرت حشراً في القاعة الصغيرة . تساءلت في سري كم مرة تم دفع تجهيزات هذه القاعة من الجهات المانحة ؟؟ لا بد أن خمسة فواتير مضخمة قد أبرزت إلى خمس جهات مانحة مختلفة . وتضخيم الفواتير في مجال المجتمع المدني لا يعد تزويراً بل هو عمل مشروع عرفاً . فمن المعلوم أن الجهات المانحة عادة ما تقوم بتغطية نسبة مئوية معينة من قيمة التكاليف . لذلك فإذا كانت القيمة المدفوعة 700 دولار مثلاً وكانت الجهة المانحة تغطي 70 بالمئة من التكاليف فإنك تكون " غشيماً " إذا أبرزت فاتورة ب 700 دولار فقط في حين يكون بإمكانك أن تبرز فاتورة بألف لتحصل على ال 700 التي دفعتها كاملة . مشروعة , أليس كذلك ؟؟؟ حاصلنّه , بلا طول سيرة , جلسنا على الكراسي البيضاء فيما تحلّق حول طاولة السفرة نخبة مختارة من الشخصيات : نقيب محامين سابق , عميد في قوى الأمن بزيه الرسمي , رئيسة الجمعية الداعية للندوة وإحدى عضواتها , سيدة سمينة تعمل أيضاً في مجال المجتمع المدني ولكن في الفرع المخصص لحقوق المرأة والجمعيات النسوية , شاب في منتصف الثلاثينات تظهر على وجهه ملامح الضياع والاستغراب تم تعريفه على انه باحث من بيروت ... ما أسهل الألقاب !!! كل هذا بالإضافة إلى رجل في الخمسينات من عمره بدا غريباً بالمطلق عن مجمل الجو المحيط به , سيما مع تلك الابتسامة البلهاء التي لم تفارق نظراته المستطلعة في سائر أرجاء القاعة طوال الوقت . تكلمت بداية عضوة الجمعية مرحبة ترحيباً متعالياً بالحضور وهي تدير ظهرها إلى نصفهم . فضيق القاعة وشكلها المستطيل فرض أن يتم وضع نصف الكراسي البلاستيكية خلف كرسيها الموضوع على رأس طاولة السفرة . بعد الترحيب تم إعطاء الكلام إلى النقيب السابق الذي أدلى بكلمة أسف فيها لممارسة التعذيب من قبل القوى الأمنية اللبنانية ملتمساً العذر لها في نفس الوقت باعتبار أن القوى الأمنية تلجأ إلى العنف والتعذيب مضطرة ومجبرة بالنظر إلى غياب وسائل التحقيق الحديثة . انتقل الكلام بعدها إلى حضرة العميد الذي بدأ كلامه متثاقلاً ودون ان تغيب عن وجهه ولو للحظة ملامح الضجر واللامبالاة التي ترافق حضور رجل عسكري مناسبة " إجتماعية " !! لم يقدم حضرة العميد أي جديد سوى تبني مرافعة السيد النقيب بحذافيرها مع التركيز على أن "خبريات" التعذيب ربما تكون حقيقية ولكنها في جميع الأحوال مضخمة ويتم تناولها من زاوية واحدة . فلا أحد يذكر ( يا للظلم ) الانجازات التي تحققها القوى الأمنية في كشف الجرائم بواسطة التعذيب . تقدمت بعدها حضرة رئيسة الجمعية الداعية لتلقي كلمة ادهشتني لشدة ألمعيتها : " ما خس السورِ ( تقصد لا دخل للسوري ) فإذا كنا بلبنين ( في لبنان ) عم نميريس ( نمارس ) التعذيب كيف بدنا نلوم السورِ ( السوري ) ؟؟ وعلى أثر نقرة خفيفة على الطاولة من إصبع الشاب البيروتي , استدركت الرئيسة قائلة : " تبعاً أسْدي ( طبعاً أقصد ) السورِ والاسرائيلِ كمين ( السوري والاسرائيلي أيضاً ) . وانطلقت على مدى عشرة دقائق تعيد نفس الفكرة بتنويعات " لغوية " مختلفة . ثم أمضت عشرة دقائق أخرى تشرح أن الجمعية الداعية ليست يتيمة في لبنان بل هي جزء من جمعية أم منتشرة في سائر أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا . ونجحت في تكرار " الشرك الأوست وشميل إفريئيا " حوالي 15 مرة . ورغم إدعائي الخبرة في هذا المجال فانا بصراحة لم استطع أن أميز بين ما إذا كانت المتكلمة مبهورة بسذاجة بإقليمية جمعيتها ولذلك تصر على هذه الإقليمية أم أنها تدرك البعد المخابراتي وراء تسمية المنطقة العربية بالشرق الأوسط وشمال افريقيا ؟ هل تقولها هكذا ؟؟ أم لأن التسمية تستبعد الهوية العربية للمنطقة لصالح تقسيم جغرافي خارج عن أي سياق ؟؟ هل تدرك أن المقصود من تعبير الشرق الأوسط الافتراض ضمناً ان اسرائيل تقع ضمن هذه التسمية ؟؟ وهل تستطيع حضرتها أن تسمي دولة واحدة ليست عربية ينطبق عليها تصنيف شمال افريقيا ؟؟؟ لزمني أن انتظر نهاية حديثها لتقول خاتمةً كلامها أن الوضع في لبنان والحمد لله يبقى أفضل من سائر الدول ... العربية التي تعمل فيها الجمعية . تحدث بعدها الشاب البيروتي مكرراً نفس الكلام ولكن دون أن ينسى أن يذكر الاسرائيلي جنباً إلى جنب مع السوري ومن أول مرة دون ان ينبهه أحد إلى ذلك . وأخيراً خاتمة الأثافي . تكلمت المرأة السمينة التي تكاد تنفجر ليس من السمنة بل من شدة الاعتداد بالذات . وكان واضحاً أنها ترى إلى نفسها خليطاً من ماري أنطوانيت وسيمون دو بوفوار . والغريب في الموضوع أن المرأة التي لا علاقة لها بالجمعية تحدثت عن الرجل الخمسيني الذي كان الوحيد الجالس إلى طاولة السفرة دون ان يتكلم بعد . فقدمته لنا بوصفه أحد ضحايا التعذيب الذين ساعدتهم الجمعية الداعية . ثم طلبت إليه الكلام عن معاناته ونظرت نظرة متواطئة الى رئيسة الجمعية فهم منها معظم الحضور أن السيدة السمينة التي ليست عضواً في الجمعية هي المقاولة التي تعهدت إحضاره إلى الندوة . تحدث الرجل بكلام متلعثم وبنفس الابتسامة البلهاء على وجهه عن أشياء غير مترابطة بحيث لم يفهم أحد من الحضور شيئاً منه سوى أن للموضوع علاقة ما بالدواليب . وبطبيعة الحال فوسائل التعذيب باستخدام الدواليب معروفة لدى العامة غير أن الرجل لم يذكر اياً منها بالنظر إلى انه كان ضائعاً بين أن تكون هذه الدواليب سورية أم لبنانية حتى يئست السيدة السمينة من الاستفسار منه عما إذا كان معتقلاً لدى أجهزة سورية أم لبنانية ؟ فتارة يأتي الجواب انها لبنانية وطوراً سورية . وبعدما انتهت السيدة من استجوابه بطريقتها السادية المقززة أفادنا الرجل ( الذي شعرت عدة مرات أنه مومس يعرض عذاباته المفترضة كما تعرض المومس مفاتنها ) أنه يشكر الجمعية الداعية على كل الدعم الذي قدمته له . وعندما سألته السيدة عن طبيعة هذا الدعم أجاب : " دعم كتير , انا بشكر الجمعية على هالدعم كلو " . كشّرت رئيسة الجمعية واخفضت رأسها وهي ترمق السيدة المقاولة بنظرة عتب وتدخلت عضوة الجمعية لتوضح للحاضرين أن الجمعية قدمت له دعماً .. اجتماعياً !!! شكراً لحضوركم , تفضلوا عالكوكتيل . تساءلت مجدداً , كم جهة مانحة دفعت ثمن هذا الكوكتيل ؟؟؟؟
......................................................
بعد شهر تقريباً من حضور هذه الندوة قرأت ملخصاً لكتاب من تأليف باحثة اميركية من أصل مصري تقول فيه إن نشاط مؤسسات المجتمع المدني في دول العالم الثالث يسهم في تكريس التخلف الاجتماعي والانحرافات المجتمعية بالنظر إلى أن هذه المؤسسات تعمل من ضمن النظام المتخلف والمنحرف نفسه فتصبح جل إنجازاتها تجميل المرض بما يساعد على تقبله بدلاً من السعي إلى علاجه . وأنا أعكف حالياً على البحث عن هذا الملخص بين أوراقي لنشره في عدد مقبل مع ضرورة ذكر إسم الباحثة الجليلة والكتاب ودار النشر لعل " نخبويا"ً ما من أبناء مجتمعنا المدني ... يقرأ .
|