حول المجزرة الأرمنية

 
 

   المحامي العربي - لبنان

   المحامي وسيم أحمد نابلسي

    يشكل القانون المزمع صدوره عن الكونغرس الاميركي المتضمن اعترافاً أمريكياً بالمجازر الأرمنية قانوناً رمزياً لا يحوي أي موجبات أو الزامات قانونية بمعناها الجدي .

   ورغم هذه الرمزية يبدو أن هذا القانون لن يصدر . فبعد إقراره من قبل اللجنة المختصة في الكونغرس الأميركي قامت الادارة البوشية بممارسة الضغوط لمنع عرضه على التصويت وتالياً إقراره . وهذه الرمزية هي بطبيعة الحال رمزية سياسية لا تمت الى انتهاكات حقوق الانسان المرتكبة خلال مجازر الأرمن بصلة . فنشطاء حقوق الانسان يناضلون في اميركا منذ عقود ودون جدوى ليس لإقرار مثل هكذا قانون بقدر ما كانت جهودهم منصبة على تطوير التعاطي الاعلامي مع قضية المجزرة . فالمصالح المتقاطعة بين الولايات المتحدة وتركيا ( اقتصادية وسياسية وحتى عسكرية مرتبطة بحلف الناتو والقواعد الاميركية في تركيا ) إضافة الى ضغوطات اللوبي الصهيوني الذي يرفض اعطاء أي مأساة انسانية حجمها الحقيقي حفاظاً على التضخيم الملازم لهولوكوست اليهود من المنافسة , لطالما لجمت أقلام الاعلاميين الاميركيين عن التعاطي بموضوعية ودون تشكيك ودون الكثير من الالتفاف والتمييع حول القضية . فهل سيؤدي إقرار هذا القانون إلى فتح المجال امام التعاطي الوضوعي مع المسألة الأرمنية بعيداً عن الضغوطات الصهيونية والمصالح السياسية الأميركية ؟؟ فالمعلوم أن معظم المهتمين بقضية هولوكوست الأرمن يفضلون الانصاف التاريخي والاعلامي والثقافي على مجرد قانون لا يخدم القضية الارمنية بقدر ما يشكل رسالة سياسية إلى تركيا . ( لاحظوا أننا في لبنان نستطيع استعمال كلمة هولوكوست في توصيف مجازر الأرمن في حين لا يستطيع الكتاب الاميركيون ذلك بالنظر الى الضغوطات الصهيونية التي تمارس عليهم بهدف حصر استعمال كلمة هولوكوست وتخصيصها لليهود دون غيرهم ) . فالهدف الحقيقي من القانون ليس إنصاف الشعب الأرمني بقدر ما هو حماية السياسات الاميركية في شمال العراق .

   وإذا كانت قضية الإبادة الأرمنية تشكل بعض الحرج لعدد كبير من العرب والمسلمين فإننا نرى وجوب التنبيه إلى أن المجزرة الكبرى بحق الأرمن ( ونعني بها حملة الإبادة التي استمرت من العام 1914 حتى العام 1923 تقريباً تمييزاً لها عن أحداث 1894 – 1896 الأقل اتساعاً ومدى زمنياً والتي لم تصل الى حد توصيفها بالإبادة ) إنما ارتكبت من قبل القومية الطورانية المتطرفة ممثلة بضباط الاتحاد والترقي الذين سيطروا على الخلافة العثمانية بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني وتنصيب دميتهم رشاد الخامس الذي استخدموه كواجهة انتقالية إلى أن تسنى لهم هدم الخلافة واعلان تركيا جمهورية في العام 1923 . كما أن روايات الناجين من المجزرة تفيض بالقصص عن العرب من أبناء سوريا ولبنان اللذين آووا النازحين وحموهم .

   إن ما سبق من شأنه أن يرفع الحرج الذي يشعر به البعض ويعيد الأمور إلى نصابها من حيث وجوب التعاطف مع القضية الأرمنية التي تتشابه في كثير من وجوهها مع القضايا العربية .

   وبعيداً عن المقاربات التاريخية : الأرمن وتركيا , الارمن وروسيا القيصرية في مقابل : الجزائر وفرنسا , ليبيا وايطاليا , فلسطين واسرائيل , وحديثاً الولايات المتحدة والعراق . فإن ما يعنينا حقيقة هو المعاناة المشتركة الحالية فيما بين القضية الأرمنية والقضايا العربية في الغرب وتحديداً في الولايات المتحدة على الصعيدين الاعلامي والثقافي والمضايقات المشتركة نفسها التي تتسبب بها ممارسات اللوبي الصهيوني هناك .

   إن علينا كلبنانيين وكعرب أن نتعلم من هذا الشعب الحي قيمه العالية في الوفاء لتاريخه ولضحاياه . ففي الوقت الذي نسي فيه جزء كبير من أبناء شعبنا الاحتلال والتهجير والتنكيل والمجازر الاسرائيلية والأميركية التي ارتكبت وما تزال بحق آبائهم واخوانهم , لا يزال الشعب الأرمني ورغم مضي ما يقارب القرن على سقوط ضحاياه , على عناده في سبيل تحقيق العدالة والانصاف لهؤلاء الضحايا ولو معنوياً . حيث جل ما يطالب به الأرمن هو الاعتراف والاعتذار على عكس اليهود الذين نجحوا في ابتزاز العالم وتثمير دماء أجدادهم نقوداً وتعويضات وكياناً مغتصباً .