علي النابوش : خسرته المدينة

 
 

 

 المحامي العربي - لبنان

نشرت في مجلة طرابلس بوست عدد نيسان 2007

 وسيم أحمد نابلسي

   كنت طفلا" عندما عرفته صديقا" حميما" لوالدي ولزمني أن أكبر وأصبح محاميا" حتى فهمت موقعه في القطاع المصرفي اللبناني .

   ما أذكره من الطفولة عن هذا الرجل أنه كان من صنف البشر الذين ينسجون حول أنفسهم علاقات إنسانية واسعة ومتينة وشديدة الحميمية والأهم أنها مفرطة بالثقة المطلقة بين أطرافها.

أذكر لوالدي جملة لم أسمعها منه سوى مرتين : " طالما أقحم هذا الرجل نفسه بالموضوع , فأنا مطمئن " قالها مرة عن رشيد كرامي في السياسة والثانية عن علي النابوش في المال .

   لذلك فعندما ايقظني الهاتف ذاك النهار لينقل إلي الخبر :" توفى ابو باسم " كان أول ما خطر لي بعد باسم هو والدي . خطر لي باسم بداية لأني عاينت عن قرب وخصوصا" بعد أن تجاوزت سني الطفولة طبيعة العلاقة التي تربط بين الابن وأبيه ومدى انشغال كل منهما بأحوال الآخر . ثم تذكرت والدي ويوم وفاة والدي , فعلمت أن الرجلان قد استأنفا علاقتهما الحميمة والمفرطة بالثقة .

أما ما عرفته عنه بعد أن كبرت وقدر لي أن افهم ما لم أكن قادرا" على فهمه في صغري فقد خلصت اليه من شهادات الناس به : هذا الرجل كان عصاميا" من نوع مميز . فالعصامي عادة لا يرث عن اهله تركة . أما علي النابوش فهو عصامي ورث عن أهله ثروة كبيرة . ليست مادية ربما لكنها نفيسة . فهو لم يرث أموالا" وعقارات بل ورث جينات (تسمى بالعربية مورثات). سيرة حياة الحاج علي تثبت أمرا" علميا" دون حاجة لمختبرات : أن هناك جينات للاخلاق وجينات للصبر والقناعة من النوع الذي يودي بصاحبه عادة الى النجاح . جينات ورثها المرحوم عن أهله وحملها ونقلها إلى أولاده .  

ومن شهادات الناس به ايضا" تتوصل إلى اكتشاف مثير آخر , كان المرحوم علي النابوش هو الرجل الفرد الذي تفوق على المؤسسات . فتجار المدينة يعرفون جيدا" أن العقبات البيروقراطية ومتطلبات التعامل مع المصارف لم تكن لتعيق المدير الاقليمي لبنك بيروت والبلاد العربية عن إنجاز الأعمال بين المؤسسة التي كان يديرها وبينهم . فالرجل كان يعرف أين يضع ثقته ويعرف كيف "يمون" على رجال الاعمال ليحقق أقصى منفعة متبادلة بين المصرف والزبون . كان رحيل علي النابوش خسارة كبيرة للقطاع المصرفي في طرابلس والشمال وللاقتصاد في طرابلس والشمال.

   أستاذن المرحوم أخيرا" استئذاني لمن هو في مقام والدي أن افشي ما لا يعرفه الا قلة قليلة من الناس. استاذنه أن أقول عنه أن يسراه لم تكن تعرف ما تنفق يمناه , وان سعيه في فعل الخير لم يكن يعرف عنه أحد سوى فاعل الخير ومن يتلقى الخير من أصحاب الحاجة ومن هيئات مساجد ومشاريع خيرية , وغير ذلك فلم يعرف احد سعيه هذا الا الله وملائكة اليمين .

هنيئا" لمن عاش كما عاش علي النابوش , هنيئا" لمن مات كما مات علي النابوش .