|
حيوانات عاشبة |
||
|
نشرت في جريدة الرقيب بتاريخ : 23 / حزيران / 2007 , العدد 227 وسيم أحمد نابلسي " زَرَعَ ... " " بفتكر القراية من أولها عشان أوصل للكلمة المهببة دي " ربما لا يختلف حال سلطان السكري في مسرحية "العيال كبرت" عن حال الكثير من اللبنانيين عقب أحداث مخيم نهر البارد . يمكننا الآن , وبعد أن شارفت المعارك على الانتهاء أن نطالب بإجبار بعض اللبنانيين على البدء من الأول في دروس التربية المدنية . فالأحاديث التي بت تسمعها في الشارع تثبث أن هؤلاء نحجوا بالغش في امتحانات هذه المادة . كان هناك بضعة فصول في كتاب الصف الثاني المتوسط عن حقوق الانسان فهل نسيها اللبنانيون ؟؟ هل نسوا الدرس المتعلق بالحق بالحياة بعد كل هذه الاعلانات المروّجة لحب الحياة ؟؟ أم باتوا يعتقدون أنهم وحدهم يحبون الحياة فيما فلسطينيو النهر البارد لا يحبونها وبالتالي فلا مشكلة لديهم إن نزعت منهم ؟؟ أم هو كابل التلفزيون ؟؟ هل هو عقاب إلهي على قرصنة المحطات المشفرة بعشرة دولارات في الشهر ؟؟ ربما كانت المحطات الوثائقية التي تكثر من برامج عالم الحيوان هي السبب !! هل تطبّعنا بطباع الحيوانات العاشبة من كثرة مشاهدتها ؟؟ تتجمع بالمئات في السهول العشبية , يتقدم منها أسدين أو ثلاثة , تحدث فوضى كبيرة أثناء محاولة الهرب , ثم فجأة وما إن يُوفّق الأسود بالامساك بأحدها حتى تعود السكينة وتكمل مئات الحيوانات حشيشها على انغام صرخات شقيقها الضحية فيما تمزق الأسود لحمه . يتميز الانسان عن الحيوان بميزات عديدة وأهمها قدرته على استيعاب مفهوم الزمن . فالانسان يميز بين الماضي والحاضر والمستقبل أما الحيوان فلا يعيش سوى في الحاضر ولا يعنيه ما هو دون ذلك . والميزة المهمة الأخرى هي قدرة الانسان على طرح سؤال " ماذا لو ؟؟ " "what if ?? " الذي لا تستطيع المخلوقات الأخرى طرحه والذي يعرف علمياً بكونه مفتاح التفكير . تكاملت هاتان الميزتان على مر الزمن بحيث توصل الانسان إلى صياغة سؤال أكثر تطوراً : " ماذا لو تعرضت أنا في المستقبل لما يتعرض له غيري الآن ؟؟ " لقد بني على هذا السؤال الكثير من معالم المدنية التي نعرفها اليوم ونعتبرها من المسلمات الى درجة نسيانها . فجاءت شرعة حقوق الانسان ومفاهيم التضامن الاجتماعي والانساني جواباً على هذا السؤال . يبدو أن حملة حب الحياة قد حرّمت الحق بالتساؤل حول المستقبل بوصفه ( أي التساؤل ) معادياً للفرح ومنغّصاً وسوداياً وبالتالي متنافياً مع حب الحياة . فإذا تكامل هذا الحجز في الحاضر مع خطاب سياسي يمنع سؤال " ماذا لو " منعاً باتاً وعقائدياً يخرج المتسائل عن المِلّة , علامَ ترانا نحصل ؟؟ ماذا لو لم تكن سوريا من قتل رفيق الحريري ؟؟ ماذا لو كانت المحكمة تحت الفصل السابع من شأنها الحاق الضرر بالبلد ؟؟ ماذا لو كانت المعارضة محقة في بعض مطالبها ؟؟ ماذا لو كانت حرب تموز مخططة مسبقاً ولا علاقة لها بالجنديين الاسيرين ؟؟ ماذا لو كان العفو عن قتلة رشيد كرامي خطأً تاريخياً ؟؟ ماذا لو كانت اسرائيل هي العدو الحقيقي للأمة والوطن ؟؟ ماذا لو كان علاج مسالة فتح الاسلام يتطلب نمطاً آخر من التفكير ؟؟ ماذا لو .... ماذا لو .... كلها أسئلة محرمة وممنوعة , ومثلها كل سؤال يبدأ بماذا لو ... بغض النظر عن كل ما يختلج في بالنا , علينا في النهاية أن نهنيء وسائل إعلام حب الحياة , فهي نجحت رغم كل شيء في تحويل البشر الى حيوانات عاشبة . ولا يشكل شباب الصليب الاحمر سوى الاستثناء الذي يثبت القاعدة ليس الا . لمزيد من المرارة , فالحال تشبه حال سلطان السكري حتى في صيغة المثنى التي وردت بها الكلمة " المهببة " المطلوبة . سلطان السكري يبحث عن " تذكرتين " أما نحن فنبحث عن " خطين " " همّا اتنين , اتنين بلا ألب الدماغ " المدنيون في المخيم خط أحمر والجيش الوطني خط أحمر هل تستطيع الحيوانات العاشبة يا ترى أن تفهم هذه الازدواجية ؟؟؟
|