|
فتح الاسلام وما بعدها |
||
|
نشرت في جريدة الرقيب بتاريخ 9 / حزيران / 2007 , العدد 225 . وسيم أحمد نابلسي
كان الطبيب الإيطالي الشهير لمبروزو يعتقد أن المجرمين يختلفون عن البشر العاديين ويتميزون ببعض الأوصاف التي تجعلهم أقرب إلى الطبقة العليا من الحيوانات لجهة تكوينهم العضوي والجسدي ( قام بتشريح جثث مجرمين حتى توصل إلى هذا الاستنتاج ) . وقد بنى لمبروزو على ما سبق ليقول أن الإجرام ينتقل بالوراثة والجينات وبالتالي فلا سبيل لعلاج المجرمين بوصفهم أشراراً بطبيعتهم . (د.طه صافي, المباديء الأساسية لقانون العقوبات اللبناني) . من حسن حظنا أن العلم تطور إلى درجة تخلفت عنها أمثال هذه النظريات البدائية , وبتنا نعرف أنه لا يوجد بشر أشرار أو مجرمين أو إرهابيين بطبيعتهم . ومن سوء الحظ أن المحافظين الجدد وجدوا مصلحة لهم في إعادة إحياء هذه النظرية عبر تخليق الأعداء الوهميين ومن ثم شيطنتهم بطريقة ممنهجة تستخدم إطلاق الكليشيهات بطريقة رشَقية : المخربين , الارهابيين , الظلاميين , أعداء الحرية والديموقراطية ... الخ . ورغم انتشار الجماعات الموصومة بمثل هذه الأوصاف عبر العالم وفي محيطنا القريب , فقد بقينا في لبنان متفرجين ومنقسمين بين مدين ومتعاطف وملتبس . وحتى الأحداث الأخيرة التي نجحت في توحيد اللبنانيين في الالتفاف حول جيشهم الوطني فشلت في إيجاد نهج وطني للتعامل مع ظاهرة كظاهرة فتح الإسلام . ووجود هذا النهج ضروري لمواجهة مستقبل لبنان ومهم جداً لطرابلس تحديداً . ومن يريد التأكد من مدى أهمية الموضوع عليه أن يلقي نظرة على التبانة وهي تشيّع أبناءها واحداً من الجيش وآخر من فتح الإسلام . ولنتمكن من ايجاد مثل هذا النهج , علينا بداية أن ننبذ النظرية اللمبروزية – البوشية التي طلع بها علينا فريق السلطة منذ فترة ومفادها أن فتح الإسلام مجرد مجموعة من المخربين المأجورين المدسوسين من الأمن السوري . لقد بات واضحاً للجميع أن الحركة عقائدية تتبع أسلوب العمليات الانتحارية والأحزمة الناسفة وهي حركة مرتبطة بالقاعدة فكرياً على الأقل إن لم يكن تنظيمياً . فإذا أصر البعض على أطروحة الأداة السورية فالحل عند السلطة وعلاقتها بسوريا وليس عندنا, أما إذا اتفقنا أن الموضوع أبعد من ذلك بكثير فيمكننا عندها المضي لمناقشة أسباب وإرهاصات الظاهرة توصلاً لإيجاد الحلول .
في الأسباب طرابلس : مدينة لطالما عرفت بوجهها الاسلامي العروبي المقاوم , ولطالما تفاعلت مع محيطها العربي وما يجري فيه : مؤيدة لمصر الناصرية , داعمة للمقاومة الفلسطينية , متعاطفة مع انتفاضات الشعب الفلسطيني , ثائرة للعراق واحتلاله . ومن ضمن السياق منحازة إلى الطروحات الإسلامية بشتى تلاوينها ( من الإخوان المسلمين إلى الجهادية السلفية ) . عاشت المدينة في السنتين الأخيرتين في ظل خطاب انتخابي ( لا يرقى إلى مستوى السياسي ) يقوم على إثارة النعرات المذهبية والطائفية . كان من شأن هذا الخطاب حرف بوصلة الجو الإسلامي في المدينة من العداء للغريب الأمريكي والاسرائيلي إلى العداء للّبناني الآخر من أبناء المذاهب والطوائف الأخرى . تطور الموضوع من مجرد العداء أو الخصام السياسي ليصل حد التسلح في مواجهة الآخر لا بل وشرعنة هذا التسلح . فتم السكوت عن يافطات رفعت في المدينة من نوع " سلّحنا والباقي علينا " وغيرها . أما الأخطر في الموضوع فهو التصريح الذي خرج به احد الوزراء ومفاده أنه لا يستطيع أن يطلب من اللبنانيين عدم التسلح في حين أن فئة منهم (تلك التي في الجنوب) تمتلك سلاحاً ترفض تسليمه . وبغض النظر عن نية معالي الوزير إلا أن الظاهر أن البعض قد اعتبر التصريح أمر عمليات أو إشارة للبدء بالتسلح . ترافق كل ذلك مع انعدام في الأفق والرؤية السياسية على مستوى الوطن الذي ربط كل مصيره وكل أحداثه الجسام بموضوع واحد لا ثاني له : المحكمة الدولية . وبات كل ما يجري في الوطن عموماً يربط بهذا الموضوع حتى لو كان ما يجري حرباً إسرائيلية على لبنان !!! وانعدام الأفق هذا كان لا بد أن يترافق مع غياب تام لأي حديث عن تنمية اقتصادية يمكن أن تستفيد منها المناطق المحرومة في لبنان الذي اختصر اقتصاده ببضعة كيلومترات مربعة تحيط بضريح من يراد انشاء المحكمة لأجله . فإذا كانت القضية المتمثلة بالصدام مع الآخر اللبناني حاضرة ومستحضرة في كل زمان ومكان وخطاب وحديث , وإذا كان التسلح في سبيل هذه القضية مشروعاً ومباحاً ومتيسّراً , وإذا كان الرجال المطلوبون كوقود لهذه القضية متوافرون بكثافة من ضمن الجو الإسلامي المعبأ والمحتقن في مدينة أكثر من نصف مناطقها عبارة عن بؤر حرمان مزمن وفقر وإهمال لا مثيل لهما , هل نستغرب بعد لماذا وكيف نشأت فتح الإسلام ؟؟؟ مع الملاحظة أننا لم نتناول مطلقاً كل ما تسرب وبات بحكم المعلوم بين اللبنانيين عن تورط أطراف محلية وعربية في إنشاء هذه الجماعة من أساسها وفي تمويلها وتسليحها وتأمين انتقال أعضائها وتجوالهم بين المناطق اللبنانية لا بل و تغطية استقدام بعض عناصرها العرب عبر المطار .
في الحلول بناءاً على ما تقدم , وبمراجعة واقع جماعة فتح الاسلام نجد أن أفرادها اللبنانيين مؤلفون من عدة فئات : فئة من المطلوبين للعدالة اللبنانية بمذكرات توقيف وأحكام صادرة غالباً عن المحكمة العسكرية وغالباً ايضاً بالصورة الغيابية , فئة من المحبطين من أوضاعهم المعيشية ومن حالة الفقر التي يعانون منها والتي تحول الفقر والعوز والحرمان بموجبها إلى عاهة مستديمة لا يمكن الشفاء منها وهؤلاء هم من الذين نجح الخطاب المذهبي المتصاعد بإقناعهم بأن سبب العاهة هو الآخر اللبناني وليس الغريب الأميركي , وفئة من أبناء جو المدينة الإسلامي من غير الراضين عن مناهج الحركات الاسلامية التقليدية في المدينة وغير القادرين على تأسيس مناهجهم الخاصة بهم باعتبار أن تحركهم بهذا الاتجاه من شأنه أن يلحقهم برفاقهم من المنضوين تحت الفئة الأولى أي الملاحقين عدلياً . فأما الفئة الأولى فإن جل مشكلتها ليست مرتبطة بالقضاء اللبناني بذاته بل بكتب المعلومات وببعض الشهادات التي يدلي بها رفاق لهم تحت التعذيب ثم تأتي قرينة الغياب والفرار من وجه العدالة لتكمل حكم الإدانة بحقهم . ومن المعلوم أن كتاب المعلومات ليس قرينة موثوقة لدى القضاء اللبناني كما أن من السهل الطعن بشهادات الشهود في هذا المجال ما يجعل من شأن التوصل إلى صيغة لإعادة محاكمة هؤلاء أن تبريء كثيراً منهم من التهم المنسوبة إليهم وتعيدهم بالتالي إلى حضن الشرعية اللبنانية وتخرجهم من حالة الخروج على القانون التي أوقعتهم في الأساس في حضن حركة فتح الاسلام بعد لجوئهم الى المخيم هرباً من قبضة القوى الأمنية . فأما الفئة الثانية فحل مسألتها ذو شقين : الأول هو بالامتناع الفوري عن خطاب التحريض الطائفي والمذهبي وإعادة رسم البوصلة في اتجاهها الصحيح نحو معاداة العدو الحقيقي للوطن والأمة وليس نحو اللبناني الآخر , أما الشق الثاني فيكون بالعمل السريع والجاد على مشاريع اقتصادية وتنموية تستهدف المناطق المحرومة بحيث تخرج فقر وحرمان هذه المناطق من حالة العاهة المستديمة إلى حالة المرض المؤقت المأمول بشفائه قريباً . وتبقى الفئة الثالثة التي يكمن حلها في إيجاد مناخ اكثر ديموقراطية في البلد يسمح لهؤلاء الناس بالتعبير عن آرائهم بحرية أكبر وبممارسة المزيد من النشاط السياسي الذي يمكن التساهل أمنياً ومخابراتياً معه طالما أنه ما يزال من ضمن تركيبة النظام اللبناني ولا يتجاوزها لصالح مشاريع خارجة عن الوطن أو داخلية فئوية تستهدف تحقيق مصالح سياسية آنية ولو عبر اللعب بالنار التي بدأت بالاستعار مهددة بالتهام الوطن بأسره .
|