لبنان والقضايا العربية ... علاقة ظالمة

 
 

المحامي العربي - لبنان

   وسيم نابلسي                                                                              

                                  

( 1 ) أثمان في غير محلها

 

   كان العدوان الثلاثي في العام 1956 الإعلان النهائي لانزياح العصر البريطاني الفرنسي عن العالم وبداية حلول العصر الأميركي السوفييتي . ولم يستغرق الأمر أكثر من سنتين حتى بدأت الولايات المتحدة تنفذ حملاتها على منطقتنا بهدف بسط السيطرة عليها وتأكيد الحلول محل المستعمرين القدامى . فشكل حلف بغداد وما رافقه الهجمة الأميركية الأولى على المنطقة . يومها وجدت اميركا في كميل شمعون عضواً حكمياً في المشروع وحليفاً طبيعياً لها عمدت إلى دعمه وتشجيعه للدخول معها في محور حلف بغداد ( حلف المعتدلين في ذلك الحين يوم كان نوري السعيد سلفاً للمالكي ) . استفادت الموالاة اللبنانية وقتها من هذا الدعم الخارجي ( الذي وصل في مرحلة لاحقة الى دخول قوات من المارينز الى لبنان ) لترفض اي تسويات داخلية مع المعارضة التي كانت لها مطالبها الاقتصادية والاجتماعية الداخلية وحتى مطالب أخرى سياسية من نوع زيادة عدد مقاعد مجلس النواب وتعديل التمثيل داخله . نتيجة هذا التعنت , اندلعت تلك الأحداث التي باتت تعرف بثورة شمعون , بعدما وجدت المعارضة في مصر الناصرية حليفاً طبيعياً أمدها بالدعم السياسي وبالسلاح عبر سوريا . بعد ذلك اندحرت الهجمة الاميركية باندحار مشروع حلف بغداد نتيجة عدد كبير من الأسباب الموضوعية وإن كان الانقلاب على نوري السعيد من بين ما يذكر من اسباب مباشرة لهذا الاندحار .

   ثم جاء العام 1975 على لبنان حاملاً معه عواصف حرب أهلية دامية استمرت 15 عاماً . ترافقت تلك الحرب مع هجمة أميركية جديدة اطلت على الشرق الاوسط في ظل تداعيات حرب اكتوبر وارهاصات كامب ديفيد ومحاولات استيلاد شرق اوسط جديد قائم على السلام والتصالح وانهاء المقاومة الفلسطينية المسلحة . لا بل تخلل حرب لبنان الأهلية اجتياحان اسرائيليان في العامين 1978 و 1982 كان من مسبباتهما بحسب قادة وكتاب اسرائيليين جس نبض مصر ما بعد كامب ديفيد إزاء الاعتداء على بلد عربي . ثم جاء المارينز الى بيروت وخرجوا منها بطريقة اسوأ بكثير من تلك التي خرجوا بها في العام 1958 . إلى آخر المسلسل الذي بات معروفاً للبنانيين .

   في العام 1990 كانت حرب العراق الأولى , تم تحرير الكويت من القوات العراقية , ارتكبت مجزرة بما يقرب من مليون جندي عراقي تم حرقهم من الجو رغم كونهم في طور الانسحاب والتراجع , فرض على العراق ذلك الحصار الهمجي الذي سهل الغزو اللاحق , تم إجبار دول الخليج على استضافة قواعد عسكرية اميركية في اراضيها . هذا ملخص الهجمة الاميركية الثالثة للعام 1990 . ولبنان ؟؟ تم تسليمه إلى الوصاية السورية التي امتد عهدها سحابة 15 سنة أخرى .

ناجي العلي

   في العام 2003 , تم غزو العراق في سياق هجمة جديدة هي الأشرس على الاطلاق والأشمل لجهة استهدافها لمجمل دول وأنظمة المنطقة بحيث لم يسلم النظام السعودي نفسه من جبروت التهديدات الاميركية . في ظل هذه الظروف تم اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 وتم ما تم من بعد الاغتيال مما ما زلنا نشهده الى اليوم : دعم أميركي منقطع النظير لحكومة السنيورة يفوق ما تلقاه كميل شمعون في 1958 وما تلقاه أمراء الحرب الأهلية مجتمعين . بطبيعة الحال استتبع هذا الدعم تعنتاً من فؤاد السنيورة يفوق تعنت كميل شمعون بما يتناسب مع الفارق في مقدار الدعم .

   وكما جاء الجواب في العام 1958 من بغداد يبدو أن الجواب اليوم قد وصل من بغداد أيضاً . بيد أن هذا الجواب غير كاف بذاته لمن يريد أن يفكر في المستقبل .

   إن دورة الحياة السياسية في الولايات المتحدة باتت تفترض أن يأتي الديموقراطيون الى الحكم لولايتين رئاسيتين ينجزون فيهما اصلاحات اجتماعية ووفرة اقتصادية , ثم يأتي الجمهوريون ليبددوا هذه الوفرة على أحلامهم بالهيمنة وبالامبريالية الجديدة .

   ومن يراقب التتابع الزمني للهجمات الاميركية على المنطقة يلاحظ أن فاصلاً زمنياً يمتد حوالي الخمسة عشر عاماً يفصل ما بين الهجمة والأخرى . من هنا وجب التحوط منذ الآن إلى هجمة مقبلة قد نشهدها في العام 2020 ربما.

   بداية هذا التحوط هي في ضرورة أن نفهم بعد كل ما جرى أن ما يدفعه لبنان من ويلات وحروب ودمار وعدم استقرار إنما هو ثمن للمشاريع الأميركية ولحماقة المستعدّين للمراهنة عليها كل مرة وليس ثمن أي شيء آخر .

   رجاءاً أوقفوا هذا الخطاب الخشبي الخارج علينا من تلك الاسطوانة المشروخة ليقول أننا في لبنان ندفع أثمان القضايا العربية .