|
أحمد زين : جريدة السفير
11/02/2006
تساهم التطورات المتلاحقة
وتقلبات الطقس السياسي في خطف الأضواء عن أعمال اللجنة الوطنية لقانون
الانتخابات النيابية، برغم أن هذا القانون كان وما زال يحظى باهتمام الجميع
ويرتبط مباشرة ام غير مباشرة بتحديث النظام السياسي وبناء مؤسسات الدولة.
وقد يكون من الأسباب الرئيسية لتجاهل أعمال اللجنة وما يمكن ان تكون قد
توصّلت إليه، ان احداً لا يصدق إمكان ان يمر مشروعها في مجلسي الوزراء
والنواب. والسبب في ذلك أن اللجنة قد تشكلت من أعضاء ورئيس معظمهم من أصحاب
التاريخ الناصع بالخبرة والشفافية والصدق والابتعاد عن تحريف مفاهيم النصوص
والأحكام من أجل كسب بركة الجهات المعنية لتكون عوناً لهم لتحقيق ربح مادي
أو منصب يطمحون إليه، الأمر الذي يبرر الاعتقاد بأن عمل اللجنة سيصطدم في
النهاية مع الجهات التي تملك صلاحية اتخاذ القرار كونها لم تعقد على تمرير
مشروع لا يراعي مصالحها ويرتقي إلى تحقيق الاهداف المتوخاة من قانون
الانتخاب. ولهذا يصبح الاهتمام باللجنة وعملها مضيعة للوقت.
وتقول جهات مقربة جداً من اللجنة <<إنها تعمل في ظل هذا الهاجس الذي يمكن
ان يحبط نتائج جهدها في النهاية فتحاول مواجهة ذلك بوزن كل المسائل
والقضايا <<بميزان الجوهرجية>> توصلاً لايجاد توافق بين النصوص التي تحكم
عملها وفي مقدمتها اتفاق الطائف وروح الدستور وإزالة او تحقيق الهواجس التي
يجاهر بها البعض عند إعداد اي مشروع لقانون الانتخاب>>.
وتؤكد الجهات المذكورة <<ان اللجنة تجهد لأن تنهي مهمتها في نهاية الشهر
الحالي بعد أن قطعت شوطاً بعيداً في إنجاز المهمة. ومن المسائل الاساسية
التي توصّلت إليها قضية الإعلام والإعلان والنفقات الانتخابية، ونقل كل ما
له علاقة بالاستحقاق الانتخابي من يد الوزير او الوزراء الى <<لجنة
انتخابية>> تتشكل في معظمها من <<أشخاص معنويين>> كأن يكون من بين اعضائها
ممثل عن المجلس الدستوري وآخر عن مجلس الشورى وآخر عن المجلس الوطني
للإعلام وهكذا..
ولعل أبرز ما تبقّى أمام اللجنة من مسائل تلك المتعلقة بتقسيم الدوائر
الانتخابية والمغتربين، إضافة إلى بعض اللمسات الأخيرة المطلوب وضعها قبل
انتهاء العمل. فعلى الصعيد الاول ما تزال اللجنة تناقش الخيارات المطروحة
لشكل الدوائر الانتخابية بعد ان كانت قد انتهت من غربلة تلك الخيارات من
خلال ما تقدّم لها من اقتراحات في هذا الشأن تجاوز عددها المئة والعشرين
اقتراحاً.
وتناقش اللجنة الخيارات المطروحة لتقسيم الدوائر الانتخابية في ضوء مدى
مراعاة كل منها لمعادلة ثلاثية الأبعاد تتمثل في:
أولاً: بالحرص على العيش المشترك الذي يفترض أن تكون الدوائر مختلطة
طائفياً.
ثانياً: احترام الصيغة النهائية التي نصّ عليها الدستور واتفاق الطائف
لقانون الانتخاب ما أمكن، بحيث إذا كان التوصل الى قانون انتخاب خارج القيد
الطائفي متعذراً اليوم، لأن الآلية المفروض أن يمر فيها التوصل الى مثل هذا
القانون لم تبدأ بعد، ولأسباب واقعية اخرى لا تخفى على أحد، فإن ذلك لا
يبرر ان يتشكل قانون الانتخاب العتيد تراجعاً عن تحقيق التوصل الى مثل ذلك
القانون. فإذا لم يتقدم باتجاه هذا الهدف فعلى الأقل لا يعود بالامور الى
الوراء.
ثالثاً: تخفيف الهواجس التي يثيرها البعض حول ضرورة ان لا يأخذ التمثيل
النيابي بهوية النائب الطائفية إنما ايضا ان يكون مقبولاً من اكثرية
الطائفة التي يأتي منها.
وتناقش اللجنة للوصول الى مثل هذه المعادلة الثلاثية ثلاثة خيارات، مع
الاشارة الى ان اللجنة باتت مقتنعة بضرورة ان تكون العاصمة بيروت دائرة
انتخابية واحدة تتمثل فيها كل الطوائف. أما الخيار الاول فيقضي بتقسيم
المحافظات الاخرى الى دائرتين انتخابيتين لكل منها مع امكان الأخذ
بالاعتبار مراعاة ان بعض المحافظات المستحدثة هي محافظات ادارية ولا يمكن
إقحامها في مثل هذا التقسيم. ويتركّز الخيار الثاني على تقسيم كل محافظة
الى ثلاث دوائر انتخابية. والعقدة التي تواجه مثل هذا التقسيم المتمثل
بالخيارين الاول والثاني انه لا بد من ان يؤدي الى <<تطييف>> اكثر الدوائر
وربما <<تمذهبها>> ايضا، واي محاولة للخروج من هذه المحصلة تتطلّب اعادة
رسم حدود الاقضية للمحافظة على نسبة مقبولة يمكن الاستناد إليها للقول
بالعيش المشترك. وقد لا يكون ذلك غائباً عن تفكير اللجنة إلا ان التوصل
إليه لن يكون سهلاً.
أما الخيار الثالث فيقول بأن يكون الانتخاب مركباً بحيث يتم تقسيم الدوائر
الى دوائر كبرى تتشكل من المحافظات التاريخية الخمس، ودوائر صغرى تتمثل
باعتماد القضاء دائرة انتخابية. والمتداول ان تتوزع المقاعد على شكلي
الدوائر مناصفة مع احتمال تعديل ذلك إذا ما تطلب الأمر. وتقول الجهات
المقربة من اللجنة: إن مثل هذا الحل يلقى قبولاً أولياً من الاعضاء كونه
يراعي جميع الآراء، إلا ان اللجنة ما تزال ترى ان آلية تطبيق مثل هذه
الصيغة ليست سهلة او على الأقل فإن أحداً لم يقترح او يطرح تصوراً مقبولاً
لكيفية إجراء تطبيقها. ولعل هذا ما يستدعي من الذين يرون مثل هذا التقسيم
مناسباً الإسراع في إعلان تصوّرهم لآلية التطبيق.
ولا يستبعد وجود الخيارات الثلاثة خياراً رابعاً يقضي باعتماد النسبية في
الدوائر التي تتشكل من المحافظات الخمس، إلا ان مثل هذا الخيار الذي يمكن
ان يحقق بعدين من طرفي المعادلة التي تعتمدها اللجنة، يصطدم باعتقاد البعض
بأنه لا يحقق البعد الثالث المتمثل بالهواجس التي تعشعش في النفوس. ولهذا
يبقى مثل هذا الخيار هامشياً باعتبار ان اللجنة تعمل ليس انطلاقاً من
التمسك بعدم تجاوز النصوص فقط، إنما ايضاً تسعى لتخفيف الهواجس ولعل في هذا
الأمر بالذات تكمن صعوبة عمل اللجنة وضرورة القول <<كان الله في عونها>>.
كي تتخطى التقسيم.
أما المسألة الثانية المتبقية امام اللجنة والمتعلقة بوضع اللمسات الاخيرة
على بعض النصوص التي توصلت إليها فهي لا تشكل عقداً. فمنها ما يتعلق
بالصياغة ومنها ما جرى تأجيله لأنه يرتبط بالشكل الذي ستكون عليه مسائل
أخرى ما تزال قيد البحث، وبعضها لأن الآراء المطروحة في شأنه كلها مقبولة
من الجميع وجرى تأجيلها للربع الساعة الأخير للاختيار بين الحسن والأحسن.
أما المسألة الثالثة المتعلقة بالمغتربين فقد توقفت اللجنة أمامها طويلاً
وكانت موضوع بحث جدي. وقد حظيت هذه المسألة بقبول الجميع من حيث المبدأ،
إلا ان ايجاد آلية تطبيقية لها ورسم حدود الاغتراب اللبناني الذي يمكن أن
يشارك بالتصويت والذي من الصعب واقعياً منحه مثل هذا الحق، كان من العقد
التي لم تستطع اللجنة حلها حتى الآن. فالمغتربون يشكلون حوالى ثلاثة أضعاف
المقيمين، ومنهم من أصبح من المتحدرين من أصل لبناني، ومنهم من سلك على هذا
الطريق وكاد أن يصبح متحدراً، ومن هؤلاء الكثيرون الذين ما تزال أسماؤهم
على لوائح الشطب وتوفوا في بلاد الاغتراب، ومنهم الكثيرون الذين لا
يستطيعون اعتماد ولو مقياس بسيط للاختيار بين هذا المرشح وذاك المرشح، وفي
ظل هذا الواقع واجهت اللجنة صعوبات عديدة عندما تناولت مسألة إعطاء
المغتربين حق الانتخاب في أماكن إقامتهم، الامر الذي يشير إلى أن مثل هذه
المسألة ستبقى معلّقة إلى ما بعد صدور قانون الانتخاب الموعود بانتظار
تبلور حلول لها، تأخذ بشيء من الواقعية والموضوعية إن لم يكن بكل الواقعية
والموضوعية. |
محامون لبنانيون
المركز العربي للتدريب والتنمية
أخبار
الصفحة الرئيسية |