|
جاء في محاضرة
المحامي عطية:
المبحث الأول: معنى المحاماة في اللغة ومدى انطباق هذا المعنى على الوصف
القانوني في قانون تنظيم المهنة.
لكلمة المحاماة معان، منها:
1. حمى الشيء: منعه ودفع عنه
وهذا المعنى نجده في المادة الأولى من قانون تنظيم المهنة التي نصّت ان
المحاماة تهدف الى الدفاع عن الحقوق.
2. الرجل الحمى: هو الذي لا يحتمل الضيم
وهذا المعنى يتمثل في المادة الأولى أيضاً وفيها ان المحاماة تهدف الى
تحقيق رسالة العدالة، وهذه تأبى الظلم.
3. الحمية: الانفة والغيرة
وحميت عن كذا محمية: اذا انفت منه وداخلك عار وانفة ان تفعله ومعنى ذلك عدم
ارتكاب ما يعير او يخجل منه الإنسان ويتأكد هذا المعنى في المادة (5) التي
توجب ان يتمتع المحامي بسيرة توحي الثقة والاحترام وغير محكوم عليه بسبب
فعل يخل بالشرف او الكرامة والمادة 80 توجب التقيّد بمبادئ الشرف
والاستقامة والنزاهة فمن الراهن ان من يتمتع بالثقة والاحترام ولا يخل
بشرفه او كرامته، لن يقدم على ارتكاب ما يداخله عار من فعله.
4. حاميت على ضيفي، اذا احتفلت له ومعنى ذلك الاحتفاء بالضيف واكرامه
ومصدر ذلك الكرم والعطاء. ان هذا المعنى هو اهم ما يميز مهنة المحاماة عن
غيرها من المهن.
إذ تنص المادتان 60 و66 على تكليف النقيب للمحامين المرافعة والمدافعة عن
أشخاص مجاناً.
فالمظلوم وغير القادر على تأمين اتعاب محام هو ضيف عزيز علينا وجب على
المحامين معونته مجاناً.
انها ميزة تتفرد بها نقابة المحامين ومهنة المحاماة
المبحث الثاني: معنى المهنة الحرة
وفي المعنى اللغوي لكلمتي «مهنة» و«حرة» تتأكد الصفات التي اوردنا اعلاه.
في اللغة «المهنة» تعني «الخدمة» والحذق فيها
اما الحرفة فتعني «الصناعة» وجهة الكسب
ومن هذا القول ان المحاماة تساهم في تنفيذ الخدمة العامة.
وفي الفكر الانكلوسكسوني استقر الامر على ان المهنة «Profession» في
جوهرها تمارس بروح الخدمة العامة كما يرى عميد كلية الحقوق شرفاً في
هارفرد روسكو باوند.
وكما يقول البروفسور بالمر ان الحرفة تهدف بصورة اولى الى الربح المادي اما
المهنة فتهدف الى استعمال القوى النافعة للانسان.
اما كلمة «حرّة» فهي ترجمة لكلمة Liberal وهي ترجمة غير دقيقة.
ذلك ان المعنى الاصلي لكلمة Liberal هو كريم اي نقيض البخيل.
وهي مأخوذة عن اللاتينية Liberalis اي الكريم.
وهذه الصفة بما تشتمل عليه من معاني العطاء من دون حدود او قيود استعملت
مجازاً نعتاً للفكر الحر غير المقيّد لتستعمل في ما بعد بمعنى الحر.
وهذا يعيدنا الى الفكرة الأولى.
ان المحاماة خدمة عامة تتسم بطابع العطاء من اجل الصالح العام واحياناً
بدون مقابل.
المبحث الثالث: في الوصف القانوني للمحاماة
اولاً: في علم القانون والاجتهاد
اختلف علماء القانون، كما تضارب اجتهاد المحاكم، في تحديد طبيعة المحاماة
وفي اعطاء الوصف القانوني الصحيح لعلاقة المحامي بمن يلجأ اليه من الناس
طالباً مساعدته.
وقد توزعت الآراء في هذا الصدد على أربعة مذاهب رئيسية نستعرضها في ما
يأتي:
1 - عقد وكالة
وفي طليعة من تبنى هذا الرأي بوتييه استناداً الى ان المحامي يقوم بتصرفات
قانونية باسم الغير ولمصلحته.
2 - عقد إجارة خدمة
ويستند اصحاب هذا الرأي الى القول ان العلاقة بين المحامي والغير تقوم على
عنصري عمل المحامي والاتعاب التي يدفعها الغير والتي تشكل في رأيهم
اجراً.
الا ان هذا الرأي لا يصمد امام استقلال المحامي في القيام بمهنته مما ينفي
عنصر التبعية والعمل تحت ادارة رب العمل.
3 - عدم وجود عقد
يقول انصار هذا الرأي ان عمل المحامي لا يقاس بالمال وبالتالي لا يمكن ان
يكون موضوع عقد ملزم لفريقين.
الا ان الاجتهاد بأجمعه، كما النصوص التشريعية في كثير من الدول، يقر
للمحام باللجوء الى القضاء للمطالبة بأتعابه وبالتالي يكون ذلك سنداً
لعلاقة بين الفريقين.
4 - عقد غير مسمى
وتجاه التضارب في الآراء اخذ فريق رابع بالقول ان المحامي يرتبط بالغير
بموجب عقد غير مسمى.
ثانياً - موقف التشريع اللبناني
تمّ تنظيم ممارسة مهنة المحاماة في لبنان بموجب القرار 192 تاريخ 6 شباط
1919 ثم بالقرار 1043 سنة 1920 الذي ألغي بالقرار 655 في 26 ايار 1921.
إن هذين القرارين لم يعرفا مهنة المحاماة او يحددا طبيعتها القانونية.
وفي 9 آذار 1932 صدر قانون الموجبات والعقود الذي تمّ العمل به بعد ثلاثين
شهراً من صدوره، متضمناً في المادة 624 منه تحديداً قانونياً لعلاقات
اصحاب المهن الحرة بمن يتعاقدون معهم في نطاق مهنتهم.
جاء في المادة 624 المنوه بها ما نصّه:
«والعقد الذي بموجبه يلتزم صاحب حرفة او مهنة حرة تقديم خدماته للذين
يتعاقدون معه وكذلك العقود التي بموجبها يلتزم الاساتذة القيام بمهنتهم
لمصلحة معهد او شخص ما، تعد من قبيل اجارة الصناعة. ومن هذا القبيل ايضاً
عقد النقل».
اي ان المشترع اللبناني اعتبر العقد الذي يربط المحامي بزبائنه هو عقد
اجارة صناعة (او عقد مقاولة).
وواضح ان هذا النص قد وضع بتأثير من العلامة جوسران واضع قانون الموجبات
والعقود والذي يأخذه بهذه النظرية.
أما العلامة السنهوري فإنه يأخذ بنظرية بين المنزلتين اذ يقول ان في العقد
مع المحامي خليطاً من الاعمال المادية والتصرفات القانونية وبالتالي فيه
من عناصر الوكالة والمقاومة معاً في آن، فإذا تعارضت احكام الوكالة مع
احكام المقاومة ولم يمكن التوفيق بينهما وجب ترجيح العنصر الغالب في اعمال
المحامي وهو عنصر الوكالة، وتطبيق احكام الوكالة دون احكام المقاولة.
(السنهوري - الوسيط ج 7 المجلة 1 ص 20 وما يليها)
الا ان بعض المؤلفين والشراح في لبنان، وخلافاً للنص الصريح والواضح في
المادة 624 موجبات وعقود، اخذوا بنظرية كون العقد مع المحامي هو عقد
وكالة.
وفي ظني انهم تأثروا بالتعبير الشائع والمستعمل لزبون المحامي بتسميته
موكلاً واطلاق صفة الوكيل على المحامي، كما اسم الوكالة على الصك الذي
ينظمه الزبون للمحامي من اجل تمثيله امام المحاكم.
وبتأثير من هذا الرأي غير الموافق للنصوص التشريعية، استعمل واضعو قانون
اصول المحاكمات المدنية تسمية «عقد» للصك الذي ينظمه الزبون للمحامي.
فقد جاء في المادة 379 اصول مدنية:
«يتم توكيل المحامي في الدعوى او المحاكمة بموجب عقد رسمي...»
وفي اعتقادي ان هذا النص مخالف لاحكام المادة 624 موجبات وعقود، ومخالف في
الوقت عينه لقانون تنظيم مهنة المحاماة وطبيعة هذه المهنة، وبالتالي يجب
تعديله.
ثالثاً: في الوضع التشريعي الحالي
بعد صدور القرارين 192 سنة 1919 و655 سنة 1921 ، والعمل بقانون الموجبات
والعقود في 11 تشرين الأول 1934، صدر عن المجلس النيابي قانون في 23 أيار
1935، ثم قانون آخر في 13 كانون الاول 1945 حل محل قانون 1935 وتناول
تنظيم ممارسة مهنة المحاماة.
الا ان اللافت ان جميع هذه القرارات والقوانين لم تعرف المحاماة ولم تحدد
طبيعة المهنية من الناحية القانونية.
اعود الى العلامة جوسران واضع قانون الموجبات والعقود الذي حدد الطبيعة
القانونية للعقد الذي يربط الغير بالمحامي، لنجد عنده رأياً لافتاً
ومثيراً.
ذلك ان جوسران بالرغم من تبنيه نظرية كون العقد المحكي عنه هو عقد مقاولة،
الا ان هذه النظرية لم ترضَ قناعته بشكل نهائي وأكيد.
ففي معرض بحثه هذا الامر، يقول جوسران عن المحامين:
Ils sont des locateurs d''ouvrage, sans être des entrepreneurs au sens
courant du mot; ils représentent, dans la catégorie de l''entreprise,
une sous-catégorie à laquelle il serait grand temps de donner un nom et
un statut particuliers".
(Josserand, Cours de Droit Civil Positif Français, 1933 V. II No. 1287
P. 675)
فهو يطمح إلى تسمية خاصة ونظام خاص بالمحامين.
وبالفعل فإن ما تمناه جوسران قد تحقق في القانون 8/70 الصادر في 11 آذار
1970، الذي عرف مهنة المحاماة ووضع حداً نهائياً لكل جدل قانوني حولها.
فالمادة الأولى من القانون المشار اليه، نصت:
«المحاماة مهنة ينظمها هذا القانون وتهدف الى تحقيق رسالة العدالة بإبداء
الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق».
اما المادة الثانية فقد نصت:
«تساهم المحاماة في تنفيذ الخدمة العامة....»
ومن هذين النصين، يتضح:
1 - ان المحاماة خدمة عامة.
2 - وان هدفها هو تحقيق رسالة العدالة.
وبالتالي فهي ليست حرفة يمارسها المرء بغاية الكسب المادي، وان كان الكسب
المادي عنصراً طارئاً فيها انما ليس العنصر الاساسي.
وفي هذا يتوافق هذا المفهوم للمحاماة مع المعنى اللغوي لكلمة «مهنة» اي
خدمة كما في لسان العرب، في حين ان الحرفة كما سبق القول هي العمل من اجل
الكسب.
المبحث الرابع: في معنى النقابة والنقيب
ان النقابة هي عرف واجتهاد ثم بموجب النص القانوني سلطة ذاتية مستقلة تخضع
لنظامها الخاص ولأحكام القضاء شأنها في ذلك مثل سائر السلطات العامة.
ومن بين جميع النقابات هي الوحيدة المؤهلة والمخولة اعطاء اجازات الممارسة
للمحامين، في حين ان سائر النقابات لا تتمتع بهذا الحق وبهذه السلطة التي
تعود الى الوزارات المختصة.
وفي احكام القضاء الفرنسي ان النقابة هي كما قالت محكمة التمييز:
Autorité publique chargée de faire justice
اما النقيب فهو لغة عريف القوم وهو ضمينهم والامين والكفيل والرئيس
الاكبر.
ومنشأ اللقب في التنزيل العزيز اذ جاء: وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا
وفي حديث عبادة بن الصامت وكان من النقباء وهو كالعريف على القوم، المقدم
عليهم، الذي يتعرف اخبارهم، وينقب عن احوالهم.
وكان النبي (صلعم) قد جعل ليلة العقبة، كل واحد من الجماعة الذين بايعوه
نقيبا على قومه وجماعته ليأخذوا عليهم الاسلام ويعرفوهم بشرائعه، وكانوا
اثني عشر نقيبا كلهم من الانصار وكان عبادة بن الصامت منهم.
من هنا ان النقيب يمسك بالكثير من السلطة النقابية ولذا وجب ان يكون القدوة
الحسنة والمثال.
الخلاصة: المحاماة رسالة هدفها تحقيق العدالة وهي مهنة تهدف الى الخدمة
العامة وان مجاناً. شرط من يمارسها التقيد بمبادئ الشرف والاستقامة
والنزاهة.
ثم عليه ان يكون مثالاً في التواضع
فالمباهاة بما للمحاماة من موقع متميز يقارب الفجور.
اما التواضع وممارسة المهنة بروحها الحقيقية فيقرب من الفضيلة.
|
محامون لبنانيون
المركز العربي للتدريب والتنمية
دراسات في المحاماة
أخبار نقابية
الصفحة الرئيسية |