المحامي زغلول عطية حاضر عن مهنة المحاماة : خدمة ورسالة

جريدة الديار : 27/11/2005

 

جاء في محاضرة المحامي عطية:‏
المبحث الأول: معنى المحاماة في اللغة ومدى انطباق هذا المعنى على الوصف القانوني في قانون ‏تنظيم المهنة.‏
لكلمة المحاماة معان، منها:‏
‏1. حمى الشيء: منعه ودفع عنه
وهذا المعنى نجده في المادة الأولى من قانون تنظيم المهنة التي نصّت ان المحاماة تهدف الى الدفاع ‏عن الحقوق.‏
‏2. الرجل الحمى: هو الذي لا يحتمل الضيم
وهذا المعنى يتمثل في المادة الأولى أيضاً وفيها ان المحاماة تهدف الى تحقيق رسالة العدالة، ‏وهذه تأبى الظلم.‏
‏3. الحمية: الانفة والغيرة
وحميت عن كذا محمية: اذا انفت منه وداخلك عار وانفة ان تفعله ومعنى ذلك عدم ارتكاب ما ‏يعير او يخجل منه الإنسان ويتأكد هذا المعنى في المادة (5) التي توجب ان يتمتع المحامي بسيرة ‏توحي الثقة والاحترام وغير محكوم عليه بسبب فعل يخل بالشرف او الكرامة والمادة 80 توجب ‏التقيّد بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة فمن الراهن ان من يتمتع بالثقة والاحترام ولا ‏يخل بشرفه او كرامته، لن يقدم على ارتكاب ما يداخله عار من فعله.‏
‏4. حاميت على ضيفي، اذا احتفلت له ومعنى ذلك الاحتفاء بالضيف واكرامه ومصدر ذلك الكرم ‏والعطاء. ان هذا المعنى هو اهم ما يميز مهنة المحاماة عن غيرها من المهن.‏
إذ تنص المادتان 60 و66 على تكليف النقيب للمحامين المرافعة والمدافعة عن أشخاص مجاناً.‏
فالمظلوم وغير القادر على تأمين اتعاب محام هو ضيف عزيز علينا وجب على المحامين معونته ‏مجاناً.‏
انها ميزة تتفرد بها نقابة المحامين ومهنة المحاماة
المبحث الثاني: معنى المهنة الحرة
وفي المعنى اللغوي لكلمتي «مهنة» و«حرة» تتأكد الصفات التي اوردنا اعلاه.‏
في اللغة «المهنة» تعني «الخدمة» والحذق فيها
اما الحرفة فتعني «الصناعة» وجهة الكسب
ومن هذا القول ان المحاماة تساهم في تنفيذ الخدمة العامة.‏
وفي الفكر الانكلوسكسوني استقر الامر على ان المهنة «‏Profession‏» في جوهرها تمارس بروح ‏الخدمة العامة كما يرى عميد كلية الحقوق شرفاً في هارفرد روسكو باوند.‏
وكما يقول البروفسور بالمر ان الحرفة تهدف بصورة اولى الى الربح المادي اما المهنة فتهدف الى ‏استعمال القوى النافعة للانسان.‏
اما كلمة «حرّة» فهي ترجمة لكلمة ‏Liberal‏ وهي ترجمة غير دقيقة.‏
ذلك ان المعنى الاصلي لكلمة ‏Liberal‏ هو كريم اي نقيض البخيل.‏
وهي مأخوذة عن اللاتينية ‏Liberalis‏ اي الكريم.‏
وهذه الصفة بما تشتمل عليه من معاني العطاء من دون حدود او قيود استعملت مجازاً نعتاً ‏للفكر الحر غير المقيّد لتستعمل في ما بعد بمعنى الحر.‏
وهذا يعيدنا الى الفكرة الأولى.‏
ان المحاماة خدمة عامة تتسم بطابع العطاء من اجل الصالح العام واحياناً بدون مقابل.‏

المبحث الثالث: في الوصف القانوني للمحاماة
اولاً: في علم القانون والاجتهاد
اختلف علماء القانون، كما تضارب اجتهاد المحاكم، في تحديد طبيعة المحاماة وفي اعطاء الوصف ‏القانوني الصحيح لعلاقة المحامي بمن يلجأ اليه من الناس طالباً مساعدته.‏
وقد توزعت الآراء في هذا الصدد على أربعة مذاهب رئيسية نستعرضها في ما يأتي:‏
‏1 - عقد وكالة ‏
وفي طليعة من تبنى هذا الرأي بوتييه استناداً الى ان المحامي يقوم بتصرفات قانونية باسم ‏الغير ولمصلحته.‏
‏2 - عقد إجارة خدمة
ويستند اصحاب هذا الرأي الى القول ان العلاقة بين المحامي والغير تقوم على عنصري عمل ‏المحامي والاتعاب التي يدفعها الغير والتي تشكل في رأيهم اجراً.‏
الا ان هذا الرأي لا يصمد امام استقلال المحامي في القيام بمهنته مما ينفي عنصر التبعية ‏والعمل تحت ادارة رب العمل.‏
‏3 - عدم وجود عقد
يقول انصار هذا الرأي ان عمل المحامي لا يقاس بالمال وبالتالي لا يمكن ان يكون موضوع عقد ‏ملزم لفريقين.‏
الا ان الاجتهاد بأجمعه، كما النصوص التشريعية في كثير من الدول، يقر للمحام باللجوء الى ‏القضاء للمطالبة بأتعابه وبالتالي يكون ذلك سنداً لعلاقة بين الفريقين.‏
‏4 - عقد غير مسمى
وتجاه التضارب في الآراء اخذ فريق رابع بالقول ان المحامي يرتبط بالغير بموجب عقد غير مسمى.‏
ثانياً - موقف التشريع اللبناني
تمّ تنظيم ممارسة مهنة المحاماة في لبنان بموجب القرار 192 تاريخ 6 شباط 1919 ثم بالقرار ‏‏1043 سنة 1920 الذي ألغي بالقرار 655 في 26 ايار 1921.‏
إن هذين القرارين لم يعرفا مهنة المحاماة او يحددا طبيعتها القانونية.‏
وفي 9 آذار 1932 صدر قانون الموجبات والعقود الذي تمّ العمل به بعد ثلاثين شهراً من صدوره، ‏متضمناً في المادة 624 منه تحديداً قانونياً لعلاقات اصحاب المهن الحرة بمن يتعاقدون معهم في ‏نطاق مهنتهم.‏
جاء في المادة 624 المنوه بها ما نصّه:‏
‏«والعقد الذي بموجبه يلتزم صاحب حرفة او مهنة حرة تقديم خدماته للذين يتعاقدون معه ‏وكذلك العقود التي بموجبها يلتزم الاساتذة القيام بمهنتهم لمصلحة معهد او شخص ما، تعد من ‏قبيل اجارة الصناعة. ومن هذا القبيل ايضاً عقد النقل».‏
اي ان المشترع اللبناني اعتبر العقد الذي يربط المحامي بزبائنه هو عقد اجارة صناعة (او ‏عقد مقاولة).‏
وواضح ان هذا النص قد وضع بتأثير من العلامة جوسران واضع قانون الموجبات والعقود والذي ‏يأخذه بهذه النظرية.‏
أما العلامة السنهوري فإنه يأخذ بنظرية بين المنزلتين اذ يقول ان في العقد مع المحامي ‏خليطاً من الاعمال المادية والتصرفات القانونية وبالتالي فيه من عناصر الوكالة والمقاومة ‏معاً في آن، فإذا تعارضت احكام الوكالة مع احكام المقاومة ولم يمكن التوفيق بينهما وجب ‏ترجيح العنصر الغالب في اعمال المحامي وهو عنصر الوكالة، وتطبيق احكام الوكالة دون ‏احكام المقاولة.‏
‏(السنهوري - الوسيط ج 7 المجلة 1 ص 20 وما يليها)‏
الا ان بعض المؤلفين والشراح في لبنان، وخلافاً للنص الصريح والواضح في المادة 624 موجبات ‏وعقود، اخذوا بنظرية كون العقد مع المحامي هو عقد وكالة.‏
وفي ظني انهم تأثروا بالتعبير الشائع والمستعمل لزبون المحامي بتسميته موكلاً واطلاق صفة ‏الوكيل على المحامي، كما اسم الوكالة على الصك الذي ينظمه الزبون للمحامي من اجل ‏تمثيله امام المحاكم.‏
وبتأثير من هذا الرأي غير الموافق للنصوص التشريعية، استعمل واضعو قانون اصول المحاكمات ‏المدنية تسمية «عقد» للصك الذي ينظمه الزبون للمحامي.‏
فقد جاء في المادة 379 اصول مدنية:‏
‏«يتم توكيل المحامي في الدعوى او المحاكمة بموجب عقد رسمي...»‏
وفي اعتقادي ان هذا النص مخالف لاحكام المادة 624 موجبات وعقود، ومخالف في الوقت عينه ‏لقانون تنظيم مهنة المحاماة وطبيعة هذه المهنة، وبالتالي يجب تعديله.‏
ثالثاً: في الوضع التشريعي الحالي
بعد صدور القرارين 192 سنة 1919 و655 سنة 1921 ، والعمل بقانون الموجبات والعقود في ‏‏11 تشرين الأول 1934، صدر عن المجلس النيابي قانون في 23 أيار 1935، ثم قانون آخر في 13 ‏كانون الاول 1945 حل محل قانون 1935 وتناول تنظيم ممارسة مهنة المحاماة.‏
الا ان اللافت ان جميع هذه القرارات والقوانين لم تعرف المحاماة ولم تحدد طبيعة المهنية من ‏الناحية القانونية.‏
اعود الى العلامة جوسران واضع قانون الموجبات والعقود الذي حدد الطبيعة القانونية ‏للعقد الذي يربط الغير بالمحامي، لنجد عنده رأياً لافتاً ومثيراً.‏
ذلك ان جوسران بالرغم من تبنيه نظرية كون العقد المحكي عنه هو عقد مقاولة، الا ان هذه ‏النظرية لم ترضَ قناعته بشكل نهائي وأكيد.‏
ففي معرض بحثه هذا الامر، يقول جوسران عن المحامين:‏
Ils sont des locateurs d''ouvrage, sans être des entrepreneurs au sens courant du ‎mot; ils représentent, dans la catégorie de l''entreprise, une sous-catégorie à ‎laquelle il serait grand temps de donner un nom et un statut particuliers‏".‏
‏(‏Josserand, Cours de Droit Civil Positif Français, 1933 V. II No. 1287 P. 675‎‏)‏
فهو يطمح إلى تسمية خاصة ونظام خاص بالمحامين. ‏
وبالفعل فإن ما تمناه جوسران قد تحقق في القانون 8/70 الصادر في 11 آذار 1970، الذي عرف ‏مهنة المحاماة ووضع حداً نهائياً لكل جدل قانوني حولها.‏
فالمادة الأولى من القانون المشار اليه، نصت:‏
‏«المحاماة مهنة ينظمها هذا القانون وتهدف الى تحقيق رسالة العدالة بإبداء الرأي القانوني ‏والدفاع عن الحقوق».‏
اما المادة الثانية فقد نصت:‏
‏«تساهم المحاماة في تنفيذ الخدمة العامة....»‏
ومن هذين النصين، يتضح:‏
‏1 - ان المحاماة خدمة عامة.‏
‏2 - وان هدفها هو تحقيق رسالة العدالة.‏
وبالتالي فهي ليست حرفة يمارسها المرء بغاية الكسب المادي، وان كان الكسب المادي عنصراً ‏طارئاً فيها انما ليس العنصر الاساسي.‏
وفي هذا يتوافق هذا المفهوم للمحاماة مع المعنى اللغوي لكلمة «مهنة» اي خدمة كما في لسان ‏العرب، في حين ان الحرفة كما سبق القول هي العمل من اجل الكسب.‏
المبحث الرابع: في معنى النقابة والنقيب
ان النقابة هي عرف واجتهاد ثم بموجب النص القانوني سلطة ذاتية مستقلة تخضع لنظامها ‏الخاص ولأحكام القضاء شأنها في ذلك مثل سائر السلطات العامة.‏
ومن بين جميع النقابات هي الوحيدة المؤهلة والمخولة اعطاء اجازات الممارسة للمحامين، في حين ‏ان سائر النقابات لا تتمتع بهذا الحق وبهذه السلطة التي تعود الى الوزارات المختصة.‏
وفي احكام القضاء الفرنسي ان النقابة هي كما قالت محكمة التمييز:‏
Autorité publique chargée de faire justice
اما النقيب فهو لغة عريف القوم وهو ضمينهم والامين والكفيل والرئيس الاكبر.‏
ومنشأ اللقب في التنزيل العزيز اذ جاء: وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا
وفي حديث عبادة بن الصامت وكان من النقباء وهو كالعريف على القوم، المقدم عليهم، الذي ‏يتعرف اخبارهم، وينقب عن احوالهم.‏
وكان النبي (صلعم) قد جعل ليلة العقبة، كل واحد من الجماعة الذين بايعوه نقيبا على ‏قومه وجماعته ليأخذوا عليهم الاسلام ويعرفوهم بشرائعه، وكانوا اثني عشر نقيبا كلهم من ‏الانصار وكان عبادة بن الصامت منهم.‏
من هنا ان النقيب يمسك بالكثير من السلطة النقابية ولذا وجب ان يكون القدوة الحسنة ‏والمثال.‏
الخلاصة: المحاماة رسالة هدفها تحقيق العدالة وهي مهنة تهدف الى الخدمة العامة وان مجاناً. ‏شرط من يمارسها التقيد بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة.‏
ثم عليه ان يكون مثالاً في التواضع
فالمباهاة بما للمحاماة من موقع متميز يقارب الفجور.‏
اما التواضع وممارسة المهنة بروحها الحقيقية فيقرب من الفضيلة.

 

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب والتنمية

 

 

 

 

 

دراسات في المحاماة

أخبار نقابية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية