رحل رينيه غنطوس: انفصل القوس عن أوتار الكمان

النقيب رشيد درباس

 

جريدة السفير 17/11/2005

كان يجب أن يزورني في مكتبي رغم أنني كنت في المحاماة حديث عهد، وكان يعاملني كصديق رغم فارق السن، ويحاورني في الثقافة والشعر والقانون، وكان يحب الموسيقى. لهذا كان يطيب له ان نستمع معا الى باخ وشوبرت وبيتهوفن وبرامز وكورساكوف، ولكنه كان يذوب في فضاء النشوة، كلما استمعنا الى <<حلاق اشبيلية>> ويتابع أنغامها كأنه واحد من أفراد الاوركسترا، لأنه كان بالفعل بارعا جدا في عزف ذلك العمل الفني الخالد على الكمان كواحد من أرق من مرر القوس على الأوتار بحسب ما كان يروي لي مبتهجا ومفاخرا.
وربما من خلال هذه المعلومة، كنت احاول ان أفسر توتره الدائم سواء كان مناقشا او محاضرا او مترافعا، باعتبار ان الانغام الجميلة لا تخرج الا من خلال انقباض الأوتار تحت تأثير الأنامل التي تتحرك بأمر مشترك من العقل والروح معا.
ولقد كنت أراقب بحزن عميق مشهد انفصال القوس عن كمانه، منذ بدأت الشيخوخة تتسرب الى أدوات ذلك القانوني الموسوعي والمثقف الملتزم من خلال ضعف في آلتي السمع والبصر، ولكن ذهنه ظل متوقدا حتى الرمق الأخير رغم ان ما تبقى له من الجسد صار أوهن من ان يحتمل نفسه الكبيرة وعقله المتابع لأدق التفاصيل.
لقد استدعاني قبل وفاته بأيام، فحذرتني السيدة عايدة بأنني سأفاجأ بما طرأ عليه من هزال وعدم مقدرة على الكلام، ورغم هذا، فقد أخذتني الدهشة واعتصرني الألم لمنظر رجل لم تبارحه الحيوية في كل مراحل معرفتي به، كيف فعلت به السنون فعلتها اللئيمة.
لقد كنت معجبا به منذ كنت طالبا، كمحام امتهن الدفاع عن القضايا العمالية، وكأرستقراطي انحاز الى الطبقة العاملة والى حزبها الشيوعي، ذاق مرارة الاضطهاد، مع زميله ورفيقه الارستقراطي الآخر المحامي اللامع والمفكر الكبير فاروق معصراني، أمده الله بالصحة والعافية وحفظ له نضارته الذهنية.
لقد دخلا الى السجن معا، وتجافت اعضاؤهما في المضاجع الخشنة، وخرجا وقد زين كل منهما صدره بوسام الشرف.
شعرت منه بغصة، لأنه منذ اندلعت الحرب توقف تقليد منح الأوسمة لنقباء المحامين، على ما درجت العادة قبل ذلك. وفي أحد الأيام، وبينما كان معالي وزير العدل الصديق العزيز بهيج طبارة في زيارة مقر نقابتنا، قلت له ان رينيه غنطوس هو عميد النقباء وإننا جميعا محامين ونقباء سابقين، نشعر ان حقوقنا ستصلنا إذا منح الوسام له، لأنه الأكثر استحقاقا والابرز جدارة.
ولم يستغرق الأمر وقتا طويلا الا وقد أخبرني معاليه ان رئيس الجمهورية قد وافق على اقتراحه بمنح الوسام، ولكن النقيب غنطوس رحمه الله راح يستعجل الأمر، وقال لي اخبر الاستاذ بهيج <<إنني اريد منه ان يعلق الوسام على صدري لا على نعشي>>، فكان ذلك اليوم المشهود عندما احتفلت نقابتنا بعرس شيخها الذي بدأت تتردى احواله الصحية بعد ذلك بصورة متتابعة الى ان وافاه الأجل المحتوم.
إن قارورة العطر لا تختصر ازهار الحديقة، وكذلك فإن مقالا واحدا لا يلخص عميدنا رينيه، ذلك النقابي المتفاني، المحب لمهنته ولزملائه، وهو الذي وهب كل ما اعطته إياه الدنيا من التجريب والمهارة للمؤسسة التي ظل يتابعها حتى اللحظات الأخيرة وحتى النفس الأخير.
وإنني في شهادة الحق هذه التي أدلي بها امام عائلته وزملائه ومحبيه لا أنسى تلك الثنائية الرائعة التي كان يعاملني بها عندما كنت نقيبا، إذ كان يتصرف معي باعتباري رأس المؤسسة، ثم يلفتني بالتوازي، ومن طرف خفي الى أصول ربما فاتني الانتباه اليها، او الى مبادرة كان عليّ القيام بها، وذلك بطريقة الراعي الأنيق الذي يكتفي بإيماءة من العين فلا يهش بعصاه على أحد.
ولست ادري إن كان يحق لي في النهاية ان أباهي أحدا بالوسام الذي منحنيه، ولكنه العرفان الذي يملي عليّ ان أسجل ما قاله لي عندما كنت برما بأساليب العرقلة التي واجهتني، فهدأ روعي وأشار عليّ الا أحفل بتلك الصغائر، لأن اصحابها لا يتمتعون بسعة النظر، بينما لديك أنت حقل للرؤية كبير، وقد قالها لي بالفرنسية،
tu vois grand.
لقد كان رينيه غنطوس اول من أسس لمكتبتنا القانونية المحترمة، من خلال علاقته بنقابة باريس، وكان بلبلا للفرنكوفونية، مثلما كان كذلك كروان العربية، وكان عازفا بارعا للقانون مثلما كان عازفا على الكمان،
الآن فارق قوس الكمان أوتاره، ولكن اللحن العظيم لا يزال مقيماً في قوس المحكمة.

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب والتنمية

 

 

 

 

 

 

اخبار نقابية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية