المحاكمة الغيابية في الاصول المدنية

المحامي مطانيوس عيد

 

جريدة الديار: 13/12/2005

حددت الاصول المهل امام المحاكم الجزائية والمدنية بالساعات والايام. تحت طائلة «الاستنكاف ‏عن احقاق الحق» المنصوص عليه في المادة الرابعة من الاصول المدنية.‏
تراعى المهل احيانا، وغالبا فلا. ونعطي المثل على المحاكم العسكرية، التي تحكم باخطر ‏الجرائم وفيض الدعاوى، ضمن المهل وفي الجلسة الواحدة وفقا للاصول. بينما تبقى دعوى الشك ‏دون مؤونة عشرات الاعوام امام بعض المحاكم العادية، وهي لا تستوجب الا دقائق!‏
ويبقى الخطأ امام بعض المحاكم المدنية التي توجب ابلاغ المحاكم غيابا كل لائحة تقدم من الخصوم ‏الحاضرين في الدعوى، استنادا على المادة 473 اصول مدنية «لا يجوز للمحكمة قبول طلبات ‏جديدة اضافية او مقابلة، وادلة جديدة يقدمها الخصم الحاضر ضد خصمه الغائب، ما لم تبلغ ‏الى هذا الاخير ويعطى مهلة لتقديم جوابه وملاحظاته».‏
يوجب هذا النص ابلاغ الغائب الطلب الجديد الاضافي، الذي ينص القانون على اصول تقديمه مع ‏دفع الرسم. فتتأكد منه المحكمة لمجرد تقديمه، وتوجب ابلاغه من الغائب. وكذلك الامر بالنسبة ‏للطلب المقابل. وكذلك الامر ايضا بالنسبة للحالة الثالثة «وادلة جديدة يقدمها الخصم ‏الحاضر ضد خصمه الغائب».‏
عبارة «يقدمها»، تعني ابراز مستند كدليل جديد، فتتأكد منه المحكمة لمجرد تقديمه، وتوجب ‏ابلاغه من الغائب.‏
عبارة «يقدمها»، لا تعني الادلة الجديدة التي يدلي بها الخصم الحاضر، من دون تقديم اي مستند. ‏ولا تعني الدفاع والدفوع مهما كانت جديدة، ولا اللوائح، ولو تضمنت مستندات غير مقدمة ‏كأدلة، بل لغاية اخرى. والا، لكانت نصت المادة 473 على الادلة الجديدة التي يدلي بها الخصم ‏الحاضر ضد خصمه الغائب. ولما كانت حددت حصرا «والادلة الجديدة التي يقدمها». ولكانت نصت ‏على وجوب ابلاغ الغائب كل لائحة ومذكرة يقدمها الخصم الحاضر.‏
فإذا جارينا الخطأ، اصبح يتوجب ابلاغ الغائب الدليل الذي يدلي به الخصم الحاضر، اذ يطلب ‏اعتبار الغياب دليلا على صحة دعواه. وقس على هذه المتاهات، التي ادى اليها التطبيق ‏الخاطىء للمادة 473 الصريحة الواضحة الحصرية، دون جواز التوسع في التفسير.‏
وعلى ذات الخطأ، قضت بعض المحاكم بفتح المحاكمة لابلاغ الغائب مطلق مذكرة يتقدم بها الخصم ‏الحاضر بعد ختام المحاكمة، على الرغم من صراحة نص المادة 499 :«تقدم المذكرة بواسطة قلم ‏المحكمة وتودع منها نسخ بعدد الخصوم الذين عليهم وعلى مسؤوليتهم تبلغها في قلم المحكمة في ‏مهلة ثلاثة ايام».‏
لم تلحظ هذه المادة وجوب ابلاغ الغائب، فهذا ما يؤكد صحة ما ندلي به لجهة المادة 473، التي ‏لا توجب ابلاغ الغائب مطلق اية لائحة او مذكرة، غير ان التطبيق الخاطىء عزز وضع الغائب ‏على حساب الخصم الحاضر، فشجع الغائب على التعسف وعرقلة سير العدالة، حتى شلها. وهذا ‏مناف للاصول التي وضعت لايصال الحق الى اصحابه ضمن مهل سريعة.‏
المادة 473 صريحة، ولا تعني قطع انفاس الحاضر بسبب غياب خصمه الممتنع عن الحضور، وهذا كل ‏مبتغاه.‏
ان تقرر المحكمة محاكمة الممتنع عن الحضور غيابا، يعني انه يتحمل مسؤولية غيابه، ضمن ‏الضمانات التي نص عليها القانون حصرا، في المادة 473. ‏
ليس للغائب ان يستفيد من غيابه، لتغييب الحق. واصبح ان لا يتعدى عدد الجلسات في الدعوى ‏الاثنتين او الثلاث في السنة. ناهيك عن تعثر التبليغات من متعسف متهرب ممتنع عن الحضور ‏والمثول في المحاكمة. وقد اضحى غيابه خشبة خلاص، بفعل التطبيق الخاطىء للاصول. لا سيما في ‏الدعاوى التي يتعدد فيها الخصوم، فينحصر هم الحاضرين في حصورات ارثهم، بسبب مطاردة ابلاغ ‏الغائبين المرتاحين، الى ان يرثوهم جميعا.‏
زادوا من الرقة مع الغائب، فانفلق الحاضر وحقه.‏
‏«لا تظلم»، هي الوصية الوحيدة التي اضافها السيد المسيح الى وصايا موسى.

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب والتنمية

 

 

 

 

 

دراسات قانونية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية