|
|
ملاحظات حول المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة باغتيال الحريري نشرت على أربعة حلقات في جريدة الرقيب |
|
|
|
المحامي وسيم أحمد نابلسي الجزء الأول , نشر في جريدة الرقيب بتاريخ : 17 / 3 / 2007 , العدد 214 محكمة دولية أم ذات طابع دولي ؟ لا يختلف أحد اليوم أن جريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري تشكل عملا" إرهابيا" بكل ما في الكلمة من معنى . حتى أن نصوص قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالموضوع ومسودة نظام المحكمة ذات الطابع الدولي المزمع انشاؤها جاءت واضحة جدا" في تسميتها للجريمة بأنها عمل إرهابي . ومن المعلوم أن جرائم الارهاب لم تصنف كجرائم دولية بل هي جرائم عالمية تخضع "لمبدأ الأختصاص العالمي للقضاء الوطني, فيسري عليها القانون الوطني للدولة الذي يطبقه قضاء هذه الدولة" (د. فتوح الشاذلي , أوليات القانون الدولي الجنائي , دار المطبوعات الجامعية , الاسكندرية , ص 226) . فالقضاء الجنائي الدولي نوعان : دائم ومؤقت . اما الدائم فنعني به المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب اتفاق روما . وهذه المحكمة غير صالحة للنظر في جريمة اغتيال الحريري ليس فقط لأن لبنان ليس عضوا" في المعاهدة المنشئة لها بل لأن نظام روما الأساسي قد حدد حصرا" الجرائم الواقعة ضمن اختصاص المحكمة الموضوعي وهي : 1- الابادة الجماعية 2- الجرائم ضد الانسانية 3- جرائم الحرب 4- جريمة حرب العدوان وبطبيعة الحال فإن جرائم الاغتيال ليست من بين هذه الجرائم (في حين أن الجرائم الاسرائيلية في لبنان, كما قد يلاحظ القاريء , تقع ضمن هذا الاختصاص ) . أما القضاء الجنائي الدولي المؤقت فهو يتمثل بالمحاكم التي ينشؤها مجلس الامن الدولي تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة للنظر في جرائم دولية ارتكبت في مكان وزمان معينين. وهذه المحاكم ليست موضع إجماع فقهاء القانون الدولي إذ ثار جدل كبير حول صلاحية مجلس الأمن في انشاء هكذا محاكم إبان إقرار محكمة يوغوسلافيا السابقة ثم أخمد هذا الجدل وأنشئت المحكمة نتيجة معطيات سياسية .وعلى عكس ما يعتقده الكثيرون فإن الفصل السابع لا ينص على صلاحية المجلس في انشاء المحاكم وإنما ينص على الاجراءات الردعية التي يجوز لمجلس الأمن اتخاذها في سبيل تحقيق المهمة الموكلة اليه في ميثاق الأمم المتحدة ألا وهي الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. ومن هنا تكمن أهمية أن تأتي المحاكم الدولية التي ينشؤها المجلس (وسائر التدابير الأخرى التي يتخذها) تحت أحكام الفصل السابع حيث أن الفصل السادس ينظم تدابير مجلس الأمن السلمية والدبلوماسية في حين أن الفصل السابع يسمح بالتدابير الردعية وبالتدخل العسكري. وطالما أن هذه المحاكم تنضوي تحت أحكام الفصل السابع الذي جاء تحت عنوان ما يمس السلم الدولي وحروب العدوان , وطالما أن مهمة مجلس الأمن أساسا" هي الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين فهذا يعني ضرورة توافر الركن الدولي في الجريمة المراد إنشاء المحكمة لأجلها . والجريمة الدولية بطبيعتها : "ترتكب من الشخص الطبيعي باسم دولة و تشجيعها أو برضاء منها , حيث يلزم لقيامها بالاضافة الى الأركان العامة للجريمة الداخلية توافر الركن الدولي " (الشاذلي,المرجع السابق , ص 216) . وعليه , وبغض النظر عن مدى انطباق مصطلح "الاخلال بالسلم الدولي" على جرائم الاغتيال حتى تصبح هذه الجرائم واقعة" ضمن اختصاص مجلس الأمن (وإن كانت كذلك فهل تخضع جريمة اغتيال ياسرعرفات لاختصاص المجلس ؟؟ وهل سنشهد قيام لجنة تحقيق ومحكمة دوليتان بعد أن تبين التورط الاسرائيلي ؟؟ وماذا بشأن عشرات الاغتيالات الأخرى حول العالم؟؟), إلا أن الأكيد هو أنه طالما لم ينته التحقيق في جريمة ما ولم يجر اتهام دولة أو أكثر بهذه الجريمة فلا يجوز افتراض توافر الركن الدولي سلفا" في الجريمة وإلا شكل هذا "رأيا في قضية لم يباشر بها بعد" بما في ذلك من مخالفة لأبسط المبادئ القانونية . وبالفعل فإن المحكمتين الدوليتين المنشأتين تحت الفصل السابع حتى اليوم واللتان تتخذان مرجعية في هذا المجال (يوغوسلافيا ورواندا) لم تتشكلا إلا بعدما بات واضحا" أن الجرئم المرتكبة في حينها كانت تشكل سياسة ثابتة للدول المتورطة بها (قامت لجان تحقيق متخصصة لهذا الغرض سميت في حينها لجان الخبراء وكانت نتائج تحقيقاتها واضحة بهذا الخصوص ما يجعلنا نتحفظ على ما ذهبت اليه محكمة العدل الدولية في حكمها الأخير) .ولذلك يرى الكثير من فقهاء القانون الدولي أن لروسيا الحق في رفض اللجوء الى الفصل السابع لإقرار محكمة دولية للنظر في جريمة اغتيال الحريري باعتبار أن هذا يؤدي الى تجاوز مجلس الأمن لصلاحياته كما من شأنه مخالفة القواعد القانونية المكرسة في الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ولروح الميثاق بشكل عام والذي ينص على احترام السيادة الوطنية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة حيث تشكل ممارسة القضاء الوطني لصلاحياته الجزائية من أهم معالم السيادة الوطنية في كل دول العالم ومنها لبنان الذي كرس هذا المفهوم في المادة 20 من الدستور اللبناني . لذلك كله فقد تم التخلي عن فكرة المحكمة الدولية لصالح فكرة محكمة لبنانية ذات طابع دولي وهو ما يشكل إقرارا" من واضعي نظام المحكمة ( الحكومة اللبنانية وأمين عام الأمم المتحدة ) بصحة ما ورد أعلاه . نختم هذا الجزء بالقول أن العادة هي أن يلجأ الى الفصل السابع عندما تكون الدول موضوع القرار تعاني من اندثار مؤسساتها ومن سقوط دساتيرها بحيث تكون هذه الدول دولا" منهارة تماما" إثر حروب أهلية أو احتلال او ما شابه, فهل يرغب المهددون بالفصل السابع بإعادة بلدنا إلى الحرب المشؤومة ؟؟ لبنان ليس دولة منهارة أو "مارقة" حتى يتعامل معها بالاستناد الى الفصل السابع , وعلاقة الدولة اللبنانية بالأمم المتحدة يجب أن تسير عبر مؤسساتها وبحسب ما يمليه دستورها مهما كان الخلاف بين الفئات السياسية, فهذا يبقى شأنا" داخليا" يحله اللبنانيون فيما بينهم . أما من يريد أن يستقوي بالخارج على أبناء بلده وبالفصل السابع على حساب مصالح بلده ولو أدى هذا الى ضرب استقرار البلد ومؤسسات البلد ودستور البلد فإن لمثل هؤلاء وصفا" يعرفونه جيدا" نتعفف عن قوله .
الجزء الثاني , نشر في جريدة الرقيب بتاريخ : 24 / 3 / 2007 , العدد 215 لبنانية ذات طابع دولي أم دولية ذات طابع لبناني ؟ بينا في الجزء الأول من هذه الدراسة ( تحت عنوان : محكمة دولية أم ذات طابع دولي ؟ ) عدم اختصاص القضاء الجنائي الدولي بالنظر بجريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وعدم إمكانية إنشاء محكمة دولية خاصة بهذه الجريمة استنادا" إلى أحكام القانون الدولي العام بما فيها أحكام الفصل السابع . كما بينا أن هكذا محكمة ستكون مخالفة لأحكام الدستور اللبناني . من هنا جاءت تسمية "المحكمة اللبنانية ذات الطابع الدولي" . فأن تكون المحكمة لبنانية يجنب واضعي النظام مخالفة أحكام الدستور اللبناني وأن تكون ذات طابع دولي وليست دولية يجنب ايضا" التعارض مع أحكام القانون الدولي العام . ونحن إذ نتحدث عن احكام القانون الدولي العام إنما نتحدث نظريا" ومن وجهة نظر قانونية صرفة , أما ما قد يحصل عمليا" فلسنا في وارد نقاشه باعتبار أن الادارة الأميركية ترى نفسها فوق القانون وفوق مؤسسات المجتمع الدولي. ونحن إذ نعارض تسمية "المحكمة اللبنانية ذات الطابع الدولي" بالنظر الى افتقارها للدلالة المفاهيمية التي من شأنها أن توضح حقيقة هذا الطابع الدولي ومداه ونفضل عليها تسمية المحكمة المختلطة ( أي المشكلة من قضاة وطنيين ودوليين ) , فإننا سنعمد الى استخدام التسمية الرسمية بعد أن سميت بهذا الاسم وانتهى الامر. وبطبيعة الحال فإن التسمية تفترض أن تكون المحكمة لبنانية بالدرجة الأولى ثم يأتي الطابع الدولي ليضفي عليها نوعا" من الثقة المفقودة لدى شريحة من اللبنانيين بقضائهم الوطني .وهذا ما يذكرنا بمحكمة كمبوديا التي أنشئت لمحاكمة الجرائم المرتكبة من قبل الخمير الحمر في العهد السابق . غير أن نظرة سريعة للمسودة ولمشروع النظام المقترحين للمحكمة اللبنانية ذات الطابع الدولي توضح جليا" أن المحكمة المقصود انشاؤها بمثل هكذا نظام هي في الحقيقة محكمة دولية ذات طابع لبناني (للديكور فقط) وأن هذا النظام المقترح لم يستفد من نظام محكمة كمبوديا إلا بما هو مثير للشبهات والهواجس : 1- فلكي تكون المحكمة لبنانية ذات طابع دولي يفترض على الأقل ان يكون عدد القضاة اللبنانيين فيها أكبر من عدد القضاة الدوليين . ولكننا نفاجأ أن المدعي العام وقاضي ما قبل المحاكمة هما قاضيان دوليان في حين تتكون غرفة المحكمة من ثلاثة قضاة دوليين وقاضيان لبنانيان حيث تتخذ القرارات بالأغلبية وهذا يعني (كما قال وزير العدل الاردني السابق الدكتور محمود الحموري) : " أنه مهما كانت قناعة القضاة اللبنانيين ...فلن يكون لها أي أثر . فلماذا يقبل لبنان لقضاته بدور شاهد ما شافش حاجة ؟؟ " . ( جريدة السفير 15/12/2006 ) . هذا في حين أن غرف محكمة كمبوديا كانت تتضمن غالبية من القضاة الكمبودييين وكانت قراراتها تتخذ بالأغلبية الموصوفة ( 4 من 5 و 5 من 7 ) وذلك لضمان اختلاط المصوتين بين القضاة الوطنيين والدوليين . "فطالما أن الهدف من الطابع الدولي هو منح الهيبة والحصانة الدوليتين ... وهو أمر يتحقق بمجرد المشاركة الدولية بغض النظر عن حجمها " ( ورقة المركز الاستراتيجي للدراسات العربية والدولية الصادرة في ك2 – 2007 ) فلماذا الاصرار على تغليب عدد القضاة الدوليين ؟؟؟ هل يقبل اللبنانيون أن تكون كمبوديا أكثر حرصا" على سيادتها من لبنان ؟؟؟ 2- ولكي تكون المحكمة لبنانية ذات طابع دولي فينبغي أن تقوم السلطات المختصة في لبنان بتعيين قضاة المحكمة (كما جرى في كمبوديا) لا أن ترشح بعضهم ليقوم الأمين العام للأمم المتحدة بتعيينهم . 3- ولكي تكون المحكمة لبنانية ذات طابع دولي فينبغي أن يكون القانون اللبناني هو المطبق وليس أجزاء منه كما هي الحال الآن وهذا موضوع سنناقشه لاحقا". 4- ولكي تكون المحكمة لبنانية ذات طابع دولي فينبغي أن يكون مقرها في لبنان وأن تكون خاضعة إداريا" وضمن هيكلية القضاء اللبناني . حيث كان بالامكان الاستفادة من محكمة كمبوديا في هذا المجال والتي أنشات غرفا" استثنائية مطعمة بقضاة دوليين ضمن المحاكم الكمبودية . أما في لبنان فإن هذه المحكمة المسماة لبنانية هي ليست فقط مستقلة عن القضاء الوطني بل إن لها الأولوية عليه وهذا يجرد المحكمة من صفتها اللبنانية ويحولها إلى محكمة دولية ( فالقضاء الدولي وحده وفي حالات خاصة له صفة الأولوية على القضاء الوطني ) ما يجعلها مخالفة لأحكام المادة 20 من الدستور حتى ولو حاول البعض التحايل من خلال التلاعب بالتسميات .
الجزء الثالث , نشر في جريدة الرقيب بتاريخ : 31 / 3 / 2007 , العدد 216 بعد ان بحثنا طبيعة المحكمة في الجزئين السابقين ننتقل لإبداء بعض الملاحظات على النصوص الواردة في مسودة المحكمة والتي لم يتسن طرحها خلال البحث السابق . أولا" : في القوانين المطبقة من قبل المحكمة : أ – لجهة الاجراءات : نصت المادة 28 من مسودة النظام على أن يقوم قضاة المحكمة الخاصة بأنفسهم بوضع القواعد الاجرائية للمحاكمة مسترشدين في ذلك بأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني وبالمعايير الدولية . وهذا كلام ممجوج فقها" وقانونا" . فإذا تناسينا أن من الواجب تطبيق قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني وليس الاسترشاد به حتى تكون المحكمة لبنانية ذات طابع دولي وليس العكس (كما أشرنا في الحلقة السابقة) فإنه من المفترض وفي جميع الاحوال أن يتم وضع القواعد التي تنظم اجراءات المحاكمة بالتزامن مع نظام المحكمة لا بل وتضمينها فيه . فكيف يترك لقضاة المحكمة أن يكونوا في موقع القاضي الذي يحكم بالقضية والمشترع الذي يضع قواعد الاجراءات ؟؟ وماذا لو اختلف القضاة حول القواعد التي يرغبون بتطبيقها ؟؟ من هو المرجع الصالح لحسم الخلاف ؟؟ وأخيرا" وهو الأهم: ألم يخطر ببال واضعي المسودة أن من شأن تأخير اقرار القواعد الاجرائية الى ما بعد تعيين القضاة وتسلمهم لمهامهم أن يؤخر في بدء عمل المحكمة رغم أن كل المعطيات ستكون في حينها جاهزة للمباشرة بهذه الأعمال ؟؟ نستغرب موقفا" كهذا يصدر عن من لا يستطيع الانتظار بضعة أيام لدراسة المسودة قبل إقرارها رغم ان إقرارها في وضعها الحالي لن يسرع في مباشرة المحكمة لأعمالها . ب – لجهة القانون الموضوعي: حددت المادة الثانية من مسودة النظام القوانين التي ستطبقها المحكمة وحصرتها بأحكام " قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بالملاحقة والمعاقبة على الاعمال الارهابية والجرائم والجنح التي ترتكب ضد حياة الافراد وسلامتهم الشخصية والتجمعات غير المشروعة وعدم الافادة عن الجرائم والجنح بما في ذلك القوانين المتعلقة بالعناصر المادية للجريمة والمشاركة في الجريمة والتآمر فيها " ثم أضافت المادة في الفقرة باء : أحكام "المادتين 6و 7 من قانون 11/1/1958 حول زيادة العقوبات على العصيان والحرب الأهلية والتقاتل بين الأديان". مرة اخرى , سنتناسى وجوب تطبيق أحكام القانون اللبناني من قبل المحكمة حتى تكون هذه المحكمة محكمة لبنانية ذات طابع دولي لا أن تقوم الأمم المتحدة بتحديد ما هي المواد الصالحة من قانوننا الوطني وما هي المواد غير الصالحة .هذا أولا" , أما ثانيا" فإنه لم يسبق ان أقرت في أي يوم من الأيام بدعة اقتطاع مواد من قانون ما لاعتمادها كقانون تطبقه أي محكمة دولية كانت أو وطنية لما في ذلك من خرق لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات . وهذا المبدأ يعني باختصار أن لا جريمة بدون نص ولا عقوبة بدون نص . وهو المبدأ الأساس في مجمل الشرائع الجزائية الداخلية والدولية حول العالم (حتى محكمة روما أقرت هذا المبدأ ) إذ لا يعقل ان يجرم المواطن الفرد ويعاقب لفعل لم ينص على تجريمه ولم ينص على العقوبة الواجب توقيعها على مرتكبه . ومن هنا نتساءل لماذا اعتمدت المسودة على هذه المواد دون غيرها ؟؟ وهل علم واضعو المسودة مسبقا" بالخلاصة التي سيتوصل اليها التحقيق وبالجرائم التي سيظهرها قبل انجازه ؟؟ وماذا لو تبين في التحقيق وقوع جرائم أخرى غير المنصوص عنها فكيف ستتم معاقبة الفاعلين بغياب النصوص اللازمة لذلك ؟؟ من هنا نرى وجوب تعديل هذه المادة بحيث يصبح قانون العقوبات اللبناني هو القانون الواجب التطبيق من قبل المحكمة وليس فقط المواد المنتقاة على ذوق واضعي المسودة .وثالثا" فإن مسودة النظام إذ تنص على تبني المعايير الدولية في أحكامها إنما تنفي سلفا" إمكان توقيع عقوبة الاعدام على المجرمين بعد إدانتهم وهذا يتنافى مع مبدأ المساواة أمام القانون حيث سينجو قتلة الحريري من عقوبة الاعدام فيما ستطبق نفس هذه العقوبة على قتلة آخرين فقط لأنهم يحاكمون أمام القضاء اللبناني مع ما يستوجبه ذلك من تعديل إما في أحكام قانون العقوبات اللبناني ( إلغاء الاعدام ) وإما في مسودة النظام حتى يعاد إحترام المبدأ الدستوري القائل بالمساواة أمام القانون . ثانيا" : في العفو : تنص المادتين 6 و 16 من نظام المحكمة على تعهد الحكومة بعدم إصدار عفو عام في حق أي شخص يرتكب أي جريمة تدخل ضمن اختصاص المحكمة الخاصة وانه حتى في حال صدور مثل هذا العفو فإنه لا يحول دون محاكمة الشخص المعفو عنه . نلفت النظر باديء ذي بدء إلى أن هاتين المادتين تشكلان دليلا" واضحا" على مساويء التسرع غير المبرر في وضع النظام وعلى محاذير عدم مناقشة ودراسة مسودة النظام بشكل واف . فقد نسي واضعو النظام أن الحكومة اللبنانية لا علاقة لها أصلا" بمنع العفو أو عدمه سواء كان عاما أم خاصا . فالاول هو من صلاحية مجلس النواب والثاني من صلاحية رئيس الجمهورية . فبموجب هذه المواد تكون حال الحكومة كحال "فاقد الشيء لا يعطيه" كما تكون قد اعتدت على مبدأ الفصل بين السلطات حيث صادرت صلاحيات رئيس الجمهورية وصلاحيات السلطة التشريعية . كذلك فقد سبق وبينا أن الجرائم موضوع البحث هي جرائم ارهابية غير دولية . والجرائم الدولية وحدها هي التي لا يجوز منح عفو بخصوصها أما الجرائم الارهابية فهي من ضمن الجرائم الداخلية المشمولة بنوعي العفو المنصوص عنهما في قانون العقوبات اللبناني . والعبرة من عدم إمكانية العفو عن الجرائم الدولية هي ان الجريمة الدولية بطبيعتها تفترض أن تكون الدولة هي التي ارتكبتها وبالتالي لا يجوز فتح المجال امام الدول أن تعفو عن رعاياها المرتكبين للجرائم . أما في حالة اغتيال الحريري فليست الدولة اللبنانية هي من اغتالت رئيس حكومتها حتى تمتهن سيادتها الوطنية وتمنع مؤسساتها من ممارسة حق سيادي شرعي ومكرس في قوانين دول العالم كافة !! ومن هنا يثور السؤال حول إصرار واضعي النظام على هذه المواد. والجواب نجده واضحا في الحكمة الدارجة التي تقول أن من يعاني من خصال سيئة يظن أن الناس جميعا" يعانون مثله من هذه الخصال . وعليه فإن من المتوقع ممن احتال على الدستور لكي يعفو عن قتلة رشيد كرامي أن يحتاط من ان يواجههه أحد ما بأسلوبه. لذلك نود أن نشدد في التنبيه الى ان الحرص على العدالة شيء وانتهاك سيادة الوطن لمجرد أن البعض يعاني من وساوس سوء الظن بسبب ارتكاباته وأفعاله شيء آخر . الجزء الرابع , نشر في جريدة الرقيب بتاريخ : 7 / 4 / 2007 , العدد 217 ثالثا" : في رد القضاة وتأديب القضاة : لم تنص مسودة النظام على أي آلية لإعفاء القضاة من مهامهم أو لتنحيهم أو عزلهم عنها كما لم ينص على أي إجراءات تاديبية يمكن أن تتخذ بحق أي منهم في حال ارتكابه ما يستوجب ذلك . وهذه المسائل مهمة جدا" لدى تشكيل أي محكمة بحيث نستغرب إغفالها خاصة لدى التعاطي مع حالة مميزة واستثنائية كحال المحكمة موضوع الدراسة . فماذا لو تم تعيين قاضي اسرائيلي او يهودي ؟؟ هل سنستطيع رده أم سنواجه بتهم معاداة السامية ؟؟ ثم ألم نتعظ بتجربة غيرهارد ليمان عضو لجنة التحقيق الدولية في عهد ميليس والذي تبين لاحقا" أنه من رجال المخابرات المركزية الأمريكية بعد أن ترك يسرح ويمرح في لبنان ويطلع على أدق مجريات التحقيق بما يشكله ذلك من مساس بالأمن اللبناني ؟؟ رابعا" : في طرق الطعن : نصت مسودة النظام على إمكان استئناف أحكام غرفة الدرجة الأولى في المحكمة وعددت سببين للاستئناف لكنها اهملت أسبابا" هامة لا بد من الأخذ بها حتى تكون المحكمة منسجمة مع معايير العدالة الدولية كما ينص نظامها . وهذه الاسباب الاضافية التي نقترح تضمينها ضمن أسباب الاستئناف هي : 1- الغلط الاجرائي 2- أي سبب آخر يمس نزاهة وموثوقية الاجراءات أو القرار 3- عدم التناسب بين الجريمة والعقوبة . كذلك نص النظام على اجراءات إعادة النظر في المحاكمة وهو ما يثير تساؤلات لجهة كون المحكمة مؤقتة تنتهي بانتهاء مهمتها (أي بالفراغ من محاكمة من يثبت ارتكابهم للجرائم التي تنظر فيها المحكمة ) . وهذا يوصلنا الى ضرورة البحث في مسألة تمديد عمل المحكمة . خامسا" : في مدة المحكمة : نصت المادة 21 من المسودة على أن تكون مدة الاتفاق (أي مدة المحكمة) ثلاث سنوات وفي حال لم تكتمل أعمال المحكمة يمدد الاتفاق لمدة أطول يحددها الأمين العام بالتشاور مع الحكومة ومجلس الأمن . وهذا نص مستغرب سيثير في حال الأخذ به العديد من الاشكالات مستقبلا" : فماذا لو أنهت المحكمة أعمالها قبل الثلاث سنوات ؟؟ كما ان المفروض في حال تحديد مدة زمنية أن يعمد عند انتهاء المدة الى تجديد الاتفاق وليس الى تمديده , سيما وأن التمديد متروك للأمين العام (اي لطرف من اطراف الاتفاق دون الثاني) ما يخرج المسودة من كونها اتفاقا" بين طرفين . لذلك فإن من الأفضل ان يعمد إلى تعديل هذا النص بحيث يصار الى ربط نهاية عمل المحكمة بانتهاء الغرض من انشائها دون التقيد بتعقيدات المدة الزمنية . سادسا" : في اختصاص المحكمة : نصت المادة الأولى من النظام على اختصاص المحكمة حيث أضافت الى اختصاص النظر بجريمة اغتيال الحريري أن للمحكمة في حال وجدت ارتباطا" بين الجرائم الأخرى الواقعة في لبنان في الفترة ما بين 1/10/2004 و 12/12/2005 او اي تاريخ لاحق أن تنظر في هذه الجرائم أيضا" . وهذا النص يثير العديد من المسائل : 1- إن مجمل الاجراءات والقرارات السابقة لوضع المسودة لم تتحدث سوى عن جريمة اغتيال الحريري أما الجرائم الأخرى فلم يأت ذكرها الا من باب الطلب الى لجنة التحقيق الدولية أن تساعد السلطات اللبنانية تقنيا" في التحقيق فيها. فالحكومة اللبنانية لم تطلب مساعدة دولية لمحاكمة مرتكبي هذه الجرائم وقرار مجلس الأمن رقم 1644/2006 أقر محاكمة المجرمين الضالعين في اغتيال الحريري فقط أمام محكمة ذات طابع دولي وكذلك هي الحال في تقرير كوفي أنان حول الموضوع وفي قرار مجلس الأمن رقم 1664/2006 , لذلك فإن توسيع اختصاص المحكمة ليشمل جرائم غير جريمة اغتيال الحريري يستوجب أن تطلب الدولة اللبنانية ذلك من الامم المتحدة وأن يصدر قرار جديد عن مجلس الأمن بهذا الخصوص وذلك حتى تكون المحكمة مستوفية لسائر الشروط القانونية اللازمة تجنبا" للطعن بها مستقبلا". 2- إن المعايير التي سيستند اليها لتقرير ما إذا كان هناك ارتباط (تلازم) بين الجرائم أم لا هي معايير غير واضحة وغير منسجمة مع قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني . 3- إن توسيع الاختصاص ليشمل الجرائم الواقعة في أي تاريخ لاحق بعد 12/12/2005 هو هرطقة قانونية بمعنى الكلمة . فمن شأن هذا أن يزيل الصفة المؤقتة عن المحكمة ويجعلها دائمة الى ما شاء الله . كما لم يسبق أن أنشئت محكمة استثنائية لتنظر في جرائم سترتكب بعد إنشائها !!! سابعا" : في حقوق المتهمين والمشتبه بهم : تعاني المسودة نقصا" حادا" لهذه الجهة حيث لا بد من إضافة بعض الاحكام حتى تصبح المحكمة متماشية مع معايير العدالة الدولية ( ومع معايير العدالة اللبنانية حتى) : النص على حق الموقوف في اخلاء سبيله من المدعي العام لدى المحكمة خلال مدة معينة اذا لم تتوافر الأدلة الكافية بحقه . النص على حق المحتجز بشكل غير مشروع وحق المدان الذي تنقض ادانته نتيجة تقصير قضائي بالمطالبة بالتعويض . كذلك ينبغي التشديد على الغاء النص المتعلق بجواز المحاكمة الغيابية أمام المحكمة حيث أن مبدأ المحاكمة الغيابية مرفوض تماما" وفقا" لمعايير العدالة الدولية ولم يسبق أن أخذ به في أي محكمة خاصة سابقا" (ولا حتى في كمبوديا). ثامنا" : في ما يخص علاقة الرئيس والمرؤوس : نصت المادة الثالثة من النظام على مسؤولية الرئيس الجنائية عن الجرائم التي يرتكبها من هم تحت سلطته "كنتيجة لفشله في السيطرة على هؤلاء الاشخاص" . نود أن نعلق على هذا النص بالتالي : 1- إن الفشل في السيطرة لا يمكن ان يرتب المسؤولية الجنائية بأي شكل من الأشكال على الرئيس . بل هو يرتب المسؤولية الوظيفية أو الادارية والمسؤولية المدنية بالتعويض المادي على المتضررين من أفعال مرؤوسيه . أما أن يجرم الرئيس لمجرد "فشله في السيطرة" فهذا ما لم يرد في القانون اللبناني أو في أي قانون عقوبات حول العالم . 2- إن المسؤولية الجنائية للرئيس عن أعمال المرؤوس هي مسؤولية مفترضة وردت ضمن فلسفة القانون الجنائي الدولي لجهة عدم إفلات الرؤساء من العقاب عن الجرائم الدولية التي يرتكبها جنودهم ( كجرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب وغيرها ). فهذه الجرائم هي جرائم ضخمة ومتمادية وترتكب على فترات طويلة من الزمن بحيث لا يمكن افتراض عدم مسؤولية الرئيس المباشرة عنها سواء عبر اعطاء الأوامر أو عبر التواطوء بعدم اعطاء الاوامر بوقف هذه الجرائم . اما في الجرائم الداخلية وخصوصا" جرائم الارهاب والاغتيال التي تتسم بالسرية فلا يجوز قانونا" افتراض المسؤولية الجنائية للرئيس مسبقا" . واذا كان الهدف من هذا النص هو عدم افلات الرؤساء من العقاب في حال ثبت اشتراكهم في الجريمة ( نقول ثبت وليس افتراضا" ونقول اشتراكهم وليس فشلهم في السيطرة ) فإن الحل يكون بايجاد صيغة لنزع الحصانة عن أي رئيس يثبت اشتراكه في الجريمة . ففي حال تبين أن الجريمة قد ارتكبت بأوامر مباشرة من الرئيس فإن من شأن هذا أن يجعل الرئيس شريكا" في الجريمة يعاقب بنفس عقوبة الفاعل دون الحاجة لأي نص خاص بهذا الشأن . 3- إن كلمة الرئيس على اطلاقها كما وردت في نص المادة الثالثة ستسبب الكثير من المشاكل لجهة تحديد معنى الرئيس . حيث نستذكر ما قاله وزير العدل الاردني السابق الدكتور محمد الحموري (السفير 15/12/2006) : " يمكن تجريم الرئيس , اي رئيس سواء كان رئيس دولة أو رئيس حزب ... أو حتى رئيس تحرير جريدة ... وكأن الرئيس هو رئيس عصابة ليس الا وليس رئيسا اداريا او سياسيا ".
|
|