الثلث الضامن : حجر الأساس للديموقراطية التوافقية

 

 

المحامي العربي - لبنان

المحامي وسيم أحمد نابلسي

نشرت في جريدة الرقيب بتاريخ : 28 / نيسان / 2007 , العدد 219

   ربما تخلت المعارضة عن مطالبتها بالثلث الضامن في حكومة وحدة وطنية , لكن هذا لا يمنع بل هو يحفزنا على أن نقارب موضوع الثلث الضامن مرارا" وتكرارا" بغض النظر عن موقف المعارضة وذلك من منطلق خوفنا من ضرب أو إهمال هذا المفهوم الدستوري مستقبلا" وهو الذي يشكل حجر الأساس في الديموقراطية التوافقية التي لا يحكم لبنان بغيرها .

   هل ينص الدستور اللبناني بشكل مباشر على ثلث ضامن أو معطل ؟؟ كلا , وعلى هذا يستند أصحاب نظرية الانتحار السياسي لإنكار الفكرة واعتبارها هرطقة دستورية رغم ما في ذلك من إغفال للمنطق السليم فإذا بهم كمن يقرأ "لا إله" دون أن يكمل .

    لا تنص المادة 65 من الدستور اللبناني على مصطلح الثلث لكنها تنص على أكثرية الثلثين , حيث النصاب القانوني لانعقاد مجلس الوزراء هو أكثرية الثلثين , وكذلك المواضيع الأساسية تتخذ بغالبية الثلثين . وعليه فإذا رغب أي كان بإعمال المنطق في النقاشات السياسية الدائرة اليوم , فإن عليه أن يسلم بأن فكرة الثلث الضامن موجودة في روح وصميم الدستور. فالمادة 65 نفسها تنص على أن القرارات في مجلس الوزراء تؤخذ بالتوافق وفقط إذا تعذر التوافق فيصار إلى التصويت . وبالاستدلال المعاكس نجد أن الدستور اللبناني في المادة 65 منه إنما يقر مبدأ الثلث الضامن . فأن تتخذ القرارات بغالبية الثلثين إنما يعني بداهة أن الثلث زائد واحد من الوزراء بإمكانهم أن يمنعوا القرارات المتعلقة بالمواضيع الأساسية من أن تمرر دون التوافق عليها . وهذا هو التحليل الطبيعي المنسجم مع روح الدستور اللبناني بطابعه التوافقي الواضح في نص المادة 65 . ( حول موضوع التوافقية : لطفا" مراجعة مقالة سليمان تقي الدين في جريدة السفير 26/4/2006 ) . من هنا يشكل الثلث الضامن حجر أساس الديموقراطية التوافقية التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني منذ ميثاق العيش المشترك عام 1943 وصولا" إلى اليوم .    

   وهذا التحليل كان هو المتعارف عليه منذ اتفاق الطائف وإقرار التعديلات الدستورية المستندة إليه ونستغرب بالتالي إنكار بعض اقطاب الموالاة المتأخر له . أما الأكثر إثارة فهو ما بات يعرفه الكثير من اللبنانيين وذلك ان سمير جعجع أشد المعارضين ضراوة لفكرة الثلث الضامن كان هو أول من طالب بها , لا بل أنه امتنع عن المشاركة كوزير في الحكومة في حينها بسبب عدم منح الثلث الضامن لرئيس الجمهورية حصرا" . فقد كان جعجع يرى أن اتفاق الطائف قد أنقص من صلاحيات رئيس الجمهورية بما يجعل من الضروري منحه الثلث الضامن في أي حكومة تشكل بعد اتفاق الطائف . وقد تم رفض افكار جعجع ليس لأن السياسيين أو الفقهاء القانونيين كانوا يرون في فكرة الثلث زائد واحد انتحارا" سياسيا" أو هرطقة دستورية كما يروج اليوم , بل لأن الهدف الحقيقي من إقرار الثلث الضامن في تعديلات ما بعد الطائف كان من باب الحرص على التوافقية وتحصينها ولم يكن الهدف منه أبدا" التعويض على صلاحيات رئيس الجمهورية كما نظر جعجع في حينها .

   وتتضح هذه الصورة أكثر إذا ما قرأنا نص المادة 65 قراءة متأنية :

   " أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج الى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. ويعتبر مواضيع أساسية ما يأتي:
تعديل الدستور، اعلان حالة الطوارئ والغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الأولى او ما يعادلها، اعادة النظر في التقسيم الإداري، حلّ مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الاحوال الشخصية، اقالة الوزراء "
.

   ومن طبيعة المواضيع التي تعدها المادة 65 أساسية نرى ان الهرطقة الحقيقية هي في رفض الثلث الضامن وليس في المطالبة به , حيث تثور الشكوك في النفوس حول ماهية القرارات التي تنوي الموالاة الحالية تمريرها بعيدا" عن توافق اللبنانيين ومتحررة من أعباء الثلث الضامن وأغلبية الثلثين ؟؟ هل تنوي التفرد في تعديل الدستور ؟؟ هل تنوي إعلان الحرب والتعبئة العامة في مواجهة اسرائيل أو ربما سوريا ؟؟ هل تريد إعلان حالة الطواريء حتى تنكل بأتباع المعارضة ؟؟ أم هي قلقة بشأن الموازنات العامة للدولة التي لم يتم وضع أي منها منذ سنوات ؟؟ ربما تريد التفرد في تعيين موظفي الفئة الأولى  ... الخ.

   بعد كل هذا لا يسعنا سوى الاستنتاج بان كل الأزمة الحالية إنما تعود في الأساس إلى رغبة محمومة بالاستئثار بالسلطة من أجل مصالح خاصة ولتمرير مندرجات مشروع غريب عن الوطن لا يمكن ان ينسجم مع توافق اللبنانيين فكان لا بد من ضرب هذا التوافق لتمريره .