|
|
مدى دستورية قانون العفو عن سمير جعجع |
|
|
|
المحامي وسيم أحمد نابلسي نشرت في جريدة الرقيب بتاريخ : 19 / أيار / 2007 , العدد 222 العفو في القوانين الجزائية نوعان : خاص وعام . أما الخاص فهو يصدر بقرار عن رئيس الجمهورية ويكون موضوعه أشخاص بعينهم . وأما العفو العام فهو يصدر بقانون عن مجلس النواب ويكون موضوعه أفعال جرمية معينة بغض النظر عن شخص او اشخاص مرتكبيها . أو كما يقول الفقيه الفرنسي الشهير فيدال: "العفو العام ذو طابع عام , فهو ينصب على مجموعة من الجرائم بحسب طبيعتها فيزيل ركنها القانوني وبالتالي يستفيد منه المساهمون فيها". وعليه فلكي يكون قانون العفو الصادر عن مجلس النواب متوافقاً مع أحكام الدستور والقانون ومؤتياً لمفاعيله فيتوجب أن ينص على جرم أو جرائم ذات طبيعة معينة ارتكبت خلال فترة زمنية سابقة لقانون العفو بحيث يعفى مرتكبو هذه الجرائم من العقوبة المقررة لها. أما أن يأتي قانون عفو لينص على العفو عن المدانين بموجب أحكام قضائية معينة بارقامها وتواريخ صدورها (كما جاء قانون العفو عن سمير جعجع) فهذا بدعة قانونية لم يسبق أحد إليها . حيث أن ما يقتضي تحديده في قانون العفو هو كما أسلفنا نوع الجرم المراد العفو عنه وليس تحديد الأحكام القضائية (الذي يعني في حقيقة الأمر تحديد الأشخاص المدانين في هذه الأحكام بعينهم ) وهو ما يجعل هذا القانون خارجا" عن إطار مفهوم العفو العام ليتحول الى عفو هجين غير مسبوق هو ما بين الخاص والعام (وهو حتى غير العفو المختلط المعروف في القانون الفرنسي) . والسبب في ذلك هو تعذر استصدار عفو خاص لسمير جعجع من رئيس الجمهورية وكذلك تعذر إصدار عفو عام بمفهومه الصحيح المتوافق مع احكام الدستور والقانون وذلك بالنظر الى طبيعة الجرم المرتكب في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي , فهل يتخيل أحد قانون عفو من نوع : " تعفى جرائم اغتيال رؤساء وزراء لبنان " ؟؟؟ لذلك تم اللجوء الى لي القانون بحيث يقوم مجلس النواب بإصدار قانون يتخذ مسمى العفو العام فيما هو في جوهره وحقيقته عفو خاص صادر عن مجلس النواب الذي لا يحق له أن يمنح مثل هذا العفو لكونه من صلاحية رئيس الجمهورية وحده . من هنا فإن هذا القانون مخالف للدستور اللبناني لكونه يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات المكرس في نصوصه . وهذا التعارض ذو شقين : الأول هو في التعدي على صلاحيات رئيس الجمهورية من خلال استصدار قانون عفو خاص وتسميته عفوا" عاما" كما بينا قبل قليل والشق الثاني يتجسد في التعدي على القضاء اللبناني من خلال الطعن بالأحكام الصادرة عنه لا بل عن أعلى محكمة فيه (المجلس العدلي) . فأن يحدد رقم الحكم في قانون العفو بدل أن تحدد طبيعة الجرم يعني أن المشكو منه هو الحكم بذاته وليس الجرائم المحاكم عليها بموجبه وفي هذا اعتداء سافر على السلطة القضائية اللبنانية ومس صارخ بها وبمبدأ الفصل بين السلطات . لذلك فقانون العفو عن سمير جعجع هو بكل بساطة قانون مسخ وهجين ومخالف للدستور اللبناني في أبسط مبادئه . وعليه فنحن لا نستغرب أن يصدر عن مجلس النواب قانون يقضي بتأجيل النظر في المراجعات أمام المجلس الدستوري في نفس يوم صدور قانون العفو , وذلك حتى لا يتسنى لأحد أن يطعن بقانون العفو أمام المجلس الدستوري بالنظر الى أن نتيجة هكذا طعن هي حتما" إبطال هذا القانون . وكذلك لا نستغرب إصرار الحكومة اللادستورية على تضمين الاتفاقية المعقودة بينها وبين الأمم المتحدة (بشأن المحكمة الخاصة بجريمة اغتيال الحريري) تعهدا" من الحكومة اللبنانية بعدم منح أي عفو (خاص أو عام , متوافق مع الدستور أو مخالف له) لأي من مرتكبي الجرائم الواقعة ضمن اختصاص المحكمة . وبغض النظر عن عدم صلاحية مثل هذا التعهد بالنظر إلى أن منح العفو (بوجهيه العام والخاص) لا يعود اصلا" للحكومة اللبنانية حتى تتعهد بمنحه أو عدم منحه , فإن منح العفو هو عمل سيادي من الأعمال السيادية التي تمارسها الدولة ولا يجوز التنازل عنها لما في ذلك من تفريط بالسيادة , ورغم كل ذلك نجد حكومة السنيورة مصرة على هذا التعهد . قلنا اننا لا نستغرب هذا الاصرار بالنظر إلى أن من احتال على الدستور ليعفو عن قتلة رشيد كرامي سوف يصاب حتما" بهاجس أن يعامله الآخرون كما عاملهم . لذلك فلا بأس من أن يحاول قطع الطريق على أي كان عبر تعهدات من هذا النوع وإن كانت غير واقعة في موقعها القانوني الصحيح وإن كان من شأنها المس بدستور البلاد وبسيادة البلاد . وإذا كان الفريق السياسي الذي اقترف هذا العفو لا يجد حججا" قانونية تدعم موقفه يلجأ إلى محاججات سفسطائية يسميها محاججات سياسية : سمير جعجع بريء , الأحكام الصادرة بحقه جاءت تحت ضغط الوصاية السورية , هو لم يحاكم لأنه قتل رشيد كرامي أو داني شمعون بل لأنه لم يوافق على الحل السوري في لبنان ... الخ . فالجواب على كل هذه الحجج واضح وبسيط : إذا كانت الضمائر مرتاحة تجاه براءة جعجع إلى هذا الحد فلماذا لم يعمد إلى إعادة محاكمته بعد أن خرجت سوريا من لبنان ؟؟ واستطرادا" فلماذا لا يعمد إلى إعادة محاكمته اليوم طالما أن العفو العام لا ينفي إمكانية أن تطلب إعادة محاكمة المدان المعفو عنه ؟؟ فإذا ثبتت براءته كانت بلسما" شافيا" لكل اللبنانيين وإذا أدين مجددا" فهو لن يسجن بالنظر إلى قانون العفو الصادر . أما أن يترك هكذا فهو ظلم كبير له إن كان بريئا" فعلا" , إذ ستلاحقه صفة المجرم طوال حياته , حيث (ولعلم فريقه السياسي) أن من شأن قانون العفو أن يؤيد إدانة المجرم المدان بحكم قضائي مبرم والمعفو عنه بموجبه . فالعفو يفترض أن المعفو عنه قد ارتكب الجريمة فعلا" ولكن ظروفا" سياسية أو اجتماعية معينة قد فرضت العفو عن هذه الجرائم بالنظر الى طبيعتها وليس الى أشخاص مرتكبيها أو مدى براءتهم كما اسلفنا . أختم بنكتة : سئل احد منوبي مدينة طرابلس عن سبب تصويته لصالح العفو عن جعجع فأجاب أنه مقتنع ببراءة هذا الأخير . للأسف لم يتنبه النائب الكريم أن ليس له صفة تقرير براءة أو إدانة أي مواطن وأن تصريحه بحد ذاته يعد انتهاكا" للفصل بين السلطات وتعديا" على سلطة القضاء , لكن المضحك المبكي في الموضوع أن سعادته كان بتصويته على قانون العفو يوقع دون ان ينتبه إدانة ثانية على من يعتقده (وبكل راحة ضمير) بريئا" . |
|