|
|
الدستور بين خيارات الموالاة وطروحات المعارضة |
|
|
|
نشرت في جريدة الرقيب بتاريخ : 16 / حزيران / 2007 , العدد 226 المحامي وسيم أحمد نابلسي انتقل النقاش السياسي في البلاد أخيراً من ثنائية الحكومة – المحكمة إلى إشكالية انتخاب رئيس الجمهورية, حيث لكل من الفريقين المسيطرين على المسار السياسي للبلد طروحاته وحججه . فريق 14 آذار ينطلق من أكثريته الحالية في المجلس النيابي ليقول بإمكانية إنتخابه لرئيس الجمهورية المقبل على قاعدة النصف + 1 من اصوات النواب . فيما تنحو المعارضة منحى آخر مختلفاً تمام الاختلاف عن منحى 14 آذار . تنطلق المعارضة من التشكيك أصلاً في دستورية المجلس النيابي الحالي . وأسباب التشكيك تبدأ من عدم دستورية قانون الانتخاب الذي نُصّب المجلس الحالي بموجبه ولا تنتهي بانعدام الرقابة الواجبة دستورياً على عملية الانتخاب بعد تعطيل الجهة الوحيدة المولجة بمثل هذه الرقابة ( المجلس الدستوري ) مروراً بالطعون المقدمة في نيابة العديد من النواب الحاليين والتي لم يبت بها بعد نظراً لوضع المجلس الدستوري المشار إليه . ومع كل هذه الشوائب التي تشوب شرعية ودستورية المجلس الحالي هل يبقى صالحاً لانتخاب رئيس للجمهورية يحكم البلاد لست سنوات قادمة ؟؟ ثم تمضي المعارضة أبعد ذلك , فعلى فرض أن المجلس الحالي مستوف لكافة الشروط التي من شأنها أن تجعل منه مجلساً شرعياً , فكيف لهذا المجلس أن ينتخب رئيساً للجمهورية غير متوافَقٍ عليه وتالياً كيف يمكن انتخاب رئيس للجمهورية دون أكثرية الثلثين ؟؟ وقد بيّنا حجج المعارضة في هذا المجال في مقال خاص بالموضوع يرجى مراجعته في العدد 218 . وجاء موقف البطريرك صفير ليدعم موقف المعارضة لجهة ضرورة توافر نصاب الثلثين لانتخاب الرئيس . فالرجل لا يستطيع تحمل المسؤولية التاريخية المترتبة على مباركته لانتخاب رئيس الجمهورية الماروني من قبل الأكثرية المطلقة من مجلس النواب والذي من شأنه فيما لو حصل أن يشكل سابقة تمس الموقع الماروني في الدولة عند كل استحقاق رئاسي مستقبلي . وبسبب الاحراج الكبير الذي أحدثه هذا التصريح لفريق السلطة تم تلطيف الموقف في اليوم التالي عبر بيان المطارنة الذي تبنى نظرية النائب بطرس حرب القائلة بعدم جواز مقاطعة جلسة انتخاب الرئيس وهي النظرية التي تنفيها سابقة العام 1988 والتي تحدثنا عنها أيضاً في المقال السابق ذكره . من هنا تطرح المعارضة ضرورة التوافق على الرئيس المقبل للبلاد . أما في حال عدم حصول التوافق فتميل المعارضة إلى فكرة انتخاب الرئيس استثنائياً ولمرة واحدة من قبل الشعب مباشرة . وبطبيعة الحال ترى المعارضة أن هذا الحل أقرب إلى فكرة الديموقراطية وإلى روح الدستور من خيار الموالاة القاضي بانتخاب الرئيس بالنصف + 1 . فبدلاً من خرق الدستور عبر الاصرار على انتخاب الرئيس بالأغلبية المطلقة , ترى المعارضة أن من الأفضل تعديل الدستور ليصار إلى الانتخاب المباشر بدلا" من خرقه عبر الانتخاب بالأغلبية المطلقة . فالديموقراطيات العريقة عادة ما تلجأ إلى تعديل دساتيرها في الأزمات فيما لم نسمع عن حكومة ديموقراطية قامت بخرق الدستور بحجة أن البلاد تمر في أزمة أو بحجة أن الفريق المعارض لها لا يتجاوب مع مطالبها !! كذلك فمن الأفضل أن يتم تعديل الدستور استثنائياً بما من شأنه الحفاظ على القاعدة الدستورية بل وتكريسها وإثباتها بدلاً من خلق سابقة مبتدعة سيكون من شأنها هي المساس بالعيش المشترك وتحديداً المساس بالموقع الماروني في الدولة في كل استحقاق مقبل . وذلك على عكس ما يدلي به سمير جعجع الذي يناور على فكرة مساس الانتخاب المباشر بالموقع الماروني وبميثاق العيش المشترك وتنظيره عن المناصفة في عدد النواب رغم عدم انطباق هذه المناصفة مع الواقع الديموغرافي للموارنة في البلد . وفي هذا المجال تستغرب المعارضة قدرة سمير جعجع على تلمس أي مساس بالموقع الماروني في فكرة الانتخاب المباشر والتي من شأنها في حقيقة الأمر أن تنتج رئيس جمهورية ماروني قوي منتخب بأصوات الشعب وفي نفس الوقت تعاميه عن الضرر الفادح اللاحق بالموقع ذاته في حال انتخابه بالأكثرية المطلقة . أما ما يجعل المعارضة تستذكر حكمة : " أفصح ما تكون عندما تحاضر في العفاف " هو هذا الاصرار المفاجيء على الميثاقية وهذا الاعتراف المتأخر بالطبيعة التوافقية للديموقراطية اللبنانية والذي يغيب فجأة ودون شعرة من حياء عندما يصل الأمر إلى شرعية الحكومة وميثاقيتها بالنظر إلى انعدام تمثيل طائفة رئيسية بمجملها فيها . وإذا كانت طروحات الموالاة تنتهي بانتخاب رئيس للجمهورية بالأكثرية المطلقة دون الالتفات إلى ما تطرحه المعارضة , فإن لهذه الأخيرة طرحاً إضافياً يتمثل في حكومة انتقالية يعينها الرئيس إميل لحود وتكون مهامها وصلاحياتها منحصرة في انتخاب الرئيس الجديد . لا يحظى هذا الطرح بإجماع المعارضة وحتى نحن لدينا تحفظاتنا عليه , إلا أن هذا لا يمنع من استعراض الفكرة بشكل عام . تنص المادة 62 من الدستور " في حال خلوّ سدة الرئاسة لأي علّة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء " . وبما أن مجلس الوزراء الحالي هو غير شرعي وغير دستوري ( يذهب البعض ونحن نميل إلى رأيهم أنه منعدم الوجود أساساً ) , وبما أن النص لم يحدد إلى أي مجلس وزراء ينبغي أن تنتقل صلاحيات رئيس الجمهورية وبطبيعة الحال لم يحدد أن المجلس القائم هو من تنتقل إليه الصلاحيات , وبما أن مجلس النواب غير قادر بوضعه الحالي على انتخاب رئيس للبلاد , وبما أن لبنان قد عرف سابقتين لحكومتين انتقاليتين في تاريخه , فإن من شأن كل هذا أن لا يمنع مبدئياً من انتقال الصلاحيات الى حكومة انتقالية يشكلها الرئيس إميل لحود . وزيادة في الاقناع يجادل أصحاب هذا الرأي بأن تعديلات اتفاق الطائف غير حاسمة لجهة ما يراه اصحاب الرأي القائل بأن هذا الاحتمال لم يعد قائماً بعد الطائف ( النائب السابق الاستاذ مخايل الضاهر يرى أن اتفاق الطائف ألغى نهائياً فكرة الحكومة الانتقالية ) . ويستند أنصار فكرة الحكومة الانتقالية إلى المقارنة بين المادة 62 الحالية وبينها قبل التعديل حيث لم يتغير فيها شيء عدا عن استبدال عبارة " تناط السلطة الاجرائية " بعبارة " تناط صلاحيات رئيس الجمهورية " وهذا التغيير برأيهم لا يقارب مسألة الحكومة الانتقالية من قريب أو بعيد . يبقى أخيراً التنبيه حول ما يثيره كل من الوزيرين السابقين ألبير منصور والياس سابا حول عدم جواز قيام رئيس الجمهورية بتشكيل مثل هذه الحكومة خلال الشهرين الأخيرين من ولايته بالنظر إلى الموانع الدستورية لهذه الناحية . وهذه نقطة قانونية تستوجب برأينا التنبه إليها ودراستها دراسة معمقة .
|
|