من وقائع حكم المجلس العدلي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رشيد كرامي

 
 

المحامي العربي - لبنان

نشرت في جريدة الرقيب بتاريخ : 26 / أيار / 2007 , العدد 223

المحامي وسيم أحمد نابلسي

 

في ذكرى شهيد وحدة لبنان رأينا أن من المفيد تلخيص وقائع ومندرجات المحاكمة والتحقيقات التي جرت في قضية اغتياله خصوصاً وأننا سنعرّج في معرض استعراضنا هذا لبعض الوقائع والأحداث التي نسيها اللبنانيون وربما حتى لم يسمعوا بها من قبل .

   وسنقسم عرضنا إلى 3 أقسام : ما قبل التنفيذ , التنفيذ وما بعد التنفيذ .

 

أولاً : نشوء الفكرة والتصميم عليها :

   سبق حادثة الاغتيال وضع سياسي متناقض ومتشنج بين الرئيس كرامي والقوات اللبنانية نظراً للتضارب في مواقفهما السياسية  بحيث أن الأزمة في تلك الفترة وصلت إلى طريق مسدود . (مقتبسة من قرار المجلس العدلي رقم 2/99 , ص 31 ) .

   وبالفعل فقد صرّح قائد القوات اللبنانية في مقابلة مع مجلة المسيرة ( العدد 81 تاريخ 16/5/1987 ) أي قبل 15 يوماً من الاغتيال : " كل جهودنا انصبت على محاولة الخلاص من كرامي وحكومته للوصول إلى انفراج ما , وعندما استقال الرئيس كرامي بسحر ساحر كانت المفاجأة أن الرئيس الجميل لم يمش بالاستقالة .... إن الرئيس الجميّل أخطأ في تردده وعدم قبوله الاستقالة فوراً ... إن الرئيس كرامي سيخرج منتصراً ويكون الرجل القوي وفي يده كل المبادرة بعد أن يكون أظهر نفسه العنصر الثابت في النظام , أي العنصر الذي لا غنى عنه , فيما غيره غير ضروري ويمكن الاستغناء عنه  .... إذا استمرت العملية كما هي عليه ... سنستمر في ضغوطنا للخروج من المأزق ... سنضغط على كل من يلزم الضغط عليه ... إلى ما شاء الله وكل شيء وارد " .

   وكان الخلاف بين الرئيس كرامي وسمير جعجع غير مقتصر على الواقع الحكومي , " بل كان يتناول معضلات أخرى  .... ومنها قضية الترخيص لمطار حالات , فكان كرامي يرفض بشدة هذا الترخيص معتبراً أنه يؤلف مشروعاً تقسيمياً " (القرار السابق ص 34 ) .

   انطلاقاً من هذا الواقع تكونت الفكرة في ذهن سمير جعجع وفاتح بها مسؤوليه الأمنيين بيار رزق وغسان توما . فرفض الأول الفكرة باعتبار أن من شأنها التسبب بمشاكل مع النظام العراقي الذي كان داعماً للسنّة في لبنان في حين تحمس غسان توما للفكرة وأخذ تنفيذها على عاتقه .

 

ثانياً : في التنفيذ والأعمال التحضيرية :

   لم نعرف بعد كيف خطرت فكرة تفجير المروحية في ذهن غسان توما ولماذا اعتمدها دوناً عن سواها من الوسائل خصوصاً وأن المذكور كان وما زال خارج البلاد متوارياً عن العدالة.

   غير أن ما نعرفه هو أن غسان توما وقبل التفكير في اغتيال الرئيس رشيد كرامي كان قد جند عملاء له من ضباط وعناصر الجيش اللبناني في كل من قاعدتي أدما وحالات الجويتين التابعتين للجيش اللبناني وكان على رأسهم العميد خليل مطر ( كان رائداً في قاعدة حالات ذلك الحين ) وكان يدفع لهم رواتب شهرية . وبالفعل فقد لجأ غسان توما إلى هؤلاء وطلب منهم تزويده بالمعلومات اللازمة فأفادوه بكل ما يحتاج إليه من مواعيد استعمال الطائرة من قبل الرئيس الشهيد ومواصفات هذه الطائرة وصولاً حتى إلى المقعد الذي اعتاد الرئيس الشهيد الجلوس عليه . كذلك لجأ غسان توما إلى بعض عناصر جهاز أمن القوات ليقوموا بالتصوير البانورامي لمنصات الهبوط والاقلاع وإلى مراقبة المروحيات كل يوم إثنين ( وهو اليوم الذي اعتاد فيه الرئيس كرامي استعمال المروحية للتنقل من طرابلس الى بيروت ) .

      وفي المرحلة الثانية وبعد استكمال تقصي المعلومات انتقل العمل إلى زرع عبوة ناسفة في الطائرة تكون مجهزة للتفجير عن بعد . وما زلنا إلى الآن غير متأكدين من هوية من قاموا بزرع العبوة , غير أننا نعرف شيئين : الأول هو أن العميل الأساسي لغسان توما الذي قام بزرع العبوة هو رتيب في الجيش اللبناني كان يعمل في قاعدة أدما الجوية وكان قصير البنية حيث وصفه غسان توما نفسه  للعميد مطر بعد عملية الاغتيال بأنه : " زمِكْ زغير " وأن القوات اللبنانية نجحت في تهريبه إلى خارج الأراضي اللبنانية عقب العملية .

   أما الموضوع الآخر فهو مشوب بالغموض , فقد أفاد المؤهل أول جوزف حجيلي من قاعدة أدما الجوية ( ص 35 و36 ) أنه خيّل له أن الرقيب أول مخايل الصانع كلمه من قمرة الطوافة 906 في اليلة السابقة لتفجيرها . ( ومخايل الصانع هو من بين الذين أدينوا بتسريب المعلومات إلى جهاز أمن القوات ) . وأكد الشاهد حجيلي أن من المفروض أن يكون أعضاء الفريق الذي يعمل تحت إمرته قد شاهدوا هذا الشخص . غير أن ما يحيرّ الشاهد حجيلي هو أنه عاد وسأل تقنياً في الجيش اللبناني من معاونيه يدعى جان قزي فأفاده هذا الأخير بأنه هو من صعد إلى كابين القيادة لمراقبة كمية الكاز في الطوافة 906 .

   ولا تنتهي المسألة هنا ولكن تزداد الغرابة عندما نعلم أن الفني من آل قزي قد قتل بعد ذلك بتحطم مروحية حصل في 16/1/1988 . وكانت القوات اللبنانية في تلك الفترة ما زالت تحصل على تقارير خطية من عميل لها في القاعدة هو العريف ناجي الحصروتي وكان قد طُلب منه تحديداً الإفادة عن الفنيين العاملين على صيانة الطائرات في القاعدة .

   فهل كان مقتل جان قزي نتيجة حادث مدبر ؟؟ وهل قتل لأنه كان من بين الفريق الذي ساهم في وضع العبوة في الطائرة المستهدفة ؟ أم لأنه كان يعرف من هو الشخص قصير القامة الذي وضع العبوة وتم تهريبه الى خارج البلاد وكان لا بد تالياً من قتله ؟؟؟ أسئلة ربما لا تجد جواباً لها إلا عند غسان توما .

  وبعد زرع العبوة وفي يوم الاغتيال , ذهب كل من غسان توما ومرافقه الشخصي انطوان الشدياق ومساعده الأقرب غسان منسى (رئيس شعبة المعلومات في القوات) والرائد في الجيش اللبناني خليل مطر وأيضاً عفيف خوري قائد قاعدة جونية البحرية التابعة للقوات وانطلقوا من القاعدة المذكورة على متن زورق مدني إلى عرض البحر حيث أطفأوا المحركات ومكثوا بانتظار الطوافة . وهنا تجلى الدور الرئيسي للعميد مطر وذلك من خلال جهاز الارسال من نوع جنيفا الذي كان بحوزته واستخدم لتحديد الطوافة المستهدفة حيث مرّت طوافة قبلها بحوالي النصف الساعة فأفاد الرائد مطر وكان يتنصت إلى جهازه : " مش هيي " , ثم عندما مرّت الطوافة المقصودة صاح مطر: " هيي هيي " فعمد عندها غسان منسى إلى الضغط على العتلة في جهاز التفجير الذي كان بحوزتهم وما لبثت الطائرة أن انفجرت .

   بعد إتمام المهمة عاد الجميع إلى البر وأمضى كل من غسان توما وغسان منسى يومهم في التنقل بين قيادات القوات بدءاً من سمير جعجع لنقل تفاصيل العملية وكيف تمت محتفلين لدى وصولهم إلى كل قيادي بطريقة مختلفة . فقد شهد الموظفون في مكاتب هذه القيادات أن غسان توما وغسان منسى قد حضرا إلى المكتب وسرعان ما تعالت الضحكات ثم تم طلب الحلويات أو الشامبانيا وطُلب من السكرتيرات إلغاء جداول المواعيد والانصراف .

   ثالثا" : ما بعد التنفيذ :

   تلفتنا في هذا المجال 3 وقائع :

   الأولى هي وصول بيان إلى الوكالة الفرنسية للأنباء من جهة تدعى حركة الثائر الاسلامي تدعي فيه مسؤوليتها عن عملية الاغتيال . فهل كانت القوات هي أول من اخترع فكرة ابو عدس ؟؟؟

   أما الثانية فهي محاولة تفجير ضريح الرئيس الشهيد قبيل ذكرى الأربعين على استشهاده . حيث افاد مخفر باب الرمل عن العثور على لوحي ديناميت موصولين بساعة مؤقتة جاهزة للتفجير وقد تم إبعاد العبوة عن الموقع وتفجيرها في مكان آخر بمعاونة الاختصاصيين . وقد بينت التحقيقات أن المخطط للعملية هو ضابط متقاعد من الجيش اللبناني يدعى كيتل الحايك ونفذ العملية عبر بعض الاشخاص الذين كان قد جندهم للقيام ببعض الاعمال الأمنية لحسابه . والمثير في الموضوع أن كيتل الحايك هذا لم تكن له أي علاقة بالقوات اللبنانية في تلك الفترة حيث كان على خلاف معها منذ مطلع الثمانينات , وكان يعمل لحسابه وقد أفاد بأنه كان يريد تفجير الضريح لعرقلة ذكرى الأربعين نظراً لأن الخطباء في الذكرى سيقومون حسبما توقع بشتم الدولة والجيش وهو ما لم يكن يرضاه . وإن كان كيتل الحايك يدعي أنه غير مرتبط بأي جهاز أمني إلا أنه سبق واعترف بعمله مع الوكالة الاميركية لمكافحة المخدرات وبتلقيه أموالاً منها لقاء تزويدها بمعلومات عن زراعة المخدرات في البقاع وأسماء التجار المتعاطين بتجارتها وكيفية عملهم . ربما لا تختلف هذه القصة عن قصة العديد من اللبنانيين اليوم من المتعاملين مع وكالات أميركية مختلفة شقيقة للوكالة الاميركية لمكافحة المخدرات كوكالة التنمية الاميركية وسواها !!!

   أما الثالثة فهي واقعة حضور كل من الشيخ قبلان عيسى الخوري والدكتور ادمون رزق في ذكرى الاربعين ومشاركتهما في الخطابة فيها ما أثار حنق سمير جعجع والقوات اللبنانية حيث عمدوا الى تكسير منزل الاول ومنعوا الاثنان من دخول المنطقة الشرقية الواقعة تحت نفوذ القوات .