|
المحامي
العربي - لبنان
جريدة السفير 2 / 6 /
2006
أنور الحجار
أ المنطلقات والمرتكزات:
ان مشروع القانون موضوع البحث الحاضر يعالج، بنظرة مستقبلية، الوضع
الانتخابي القائم انطلاقا من الواقع السياسي الناشئ عن اختلاف الآراء
والمواقف، خصوصا بشأن تقسيم الدوائر الانتخابية وشكل الدائرة التي يجب
اعتمادها، وهل هي الدائرة الفردية (اي دائرة لكل مقعد نيابي) او الدائرة
الصغرى (القضاء) او الدائرة المتوسطة (المحافظة) او لبنان كله دائرة
انتخابية واحدة. ولكل من هذه التقسيمات محبذوها ومعارضوها وميزاتها
ومحاذيرها.
وهناك رأي آخر يقول باعتماد النظام النسبي في الانتخابات. الا ان هذا
النظام يبدو صعب التطبيق في الوقت الراهن لاصطدامه بواقع توزيع المقاعد
النيابية في لبنان على أساس طائفي ومذهبي ومناطقي، ما يجعل التوزيع النسبي
في ضوء هذه الأقانيم الثلاثة بالغ التعقيد. وفي مطلق الأحوال ان فكرة
النظام النسبي، وان كانت تستند الى قدر من العدالة، إلا أنها لا تلبي بصورة
وافية طموح دستور الطائف الى قانون انتخاب يسهم في تحقيق الانصهار الوطني
ويمهد الطريق الى الغاء الطائفية السياسية.
وقد توخّت الدراسة من خلال المشروع الحاضر عرض أفكار هادفة الى تجديد
الحياة السياسية في لبنان باعتماد نصوص جديدة في قانون الانتخاب تتعالى فوق
القيود الطائفية دون ان تمس بحقوق الطوائف في المرحلة الانتقالية التي نص
عليها الدستور، وتطبق على الجميع من دون استثناء تأمينا لمبدأ المساواة،
وتدفع في وضع البلاد على طريق إلغاء الطائفية السياسية وفقا لما نص عليه
البند (ح) من مقدمة الدستور والمادة 95 منه.
وترجمة لهذه المبادئ اعتمد المشروع القضاء بوضعه الراهن او معدلا كدائرة
انتخابية، فتعدل التسمية تبعا لذلك انسجاما مع النص الدستوري وتصبح
(المحافظة) بدلا من (القضاء). وفي الوقت نفسه جعل الانتخاب على مرحلة واحدة
في جميع الدوائر الانتخابية، بحيث يختار الناخب دفعة واحدة المرشحين الذين
يريد انتخابهم في دائرته الانتخابية وفي سائر الدوائر الانتخابية الاخرى
على الأراضي اللبنانية. ويتم ذلك بواسطة وثيقة اقتراع تصدرها وزارة
الداخلية، وتكون مقسمة الى أقسام او (خانات) مساوية لعدد الدوائر
الانتخابية، فيدوّن الناخب في الخانة المخصصة لدائرته وفي الخانات المخصصة
للدوائر الاخرى أسماء المرشحين الذين يريد انتخابهم في كل دائرة.
ب كيف يتم إعلان النتائج
بانتهاء عملية الاقتراع في الأقلام المختلفة، يجري تدقيق الأصوات وجمعها
على يد اللجنة الانتخابية المختصة في مركز كل دائرة انتخابية، ويعتبر فائزا
بنصف عدد المقاعد المخصصة للدائرة المرشحون، الى أي طائفة انتموا، الذين
ينالون أكبر عدد من الأصوات في تلك الدائرة، وتعلن النتيجة فورا على هذا
الأساس، ويصرف النظر عن الأصوات التي ينالها في الدوائر الاخرى المرشحون
المعلن فوزهم. وتجري الحال على هذا المنوال في كافة الدوائر الانتخابية
الاخرى، حيث يعلن فوز المرشحين بنصف عدد المقاعد في كل دائرة وفقا للأسس
التي ذكرناها آنفا(1).
وهكذا، عندما يتم إعلان أسماء الفائزين بنصف عدد المقاعد في جميع الدوائر
الانتخابية على الصورة التي عرضناها يكون قد أنجز انتخاب نصف عدد النواب او
اكثر قليلا الذين يتألف منهم المجلس النيابي، بصرف النظر عن الانتماء
الطائفي للمعلن فوزهم.
وبعد ذلك ترسل نتائج الاقتراع في كافة الدوائر الانتخابية الى لجنة
انتخابية عليا في بيروت، فتقوم هذه اللجنة بالتدقيق وجمع الأصوات التي
نالها المرشحون الذين لم يعلن فوزهم مباشرة في دوائرهم الانتخابية وفقا لما
ذكرناه سابقا، وبالنتيجة يعتبر فائزا بالمقاعد الباقية المخصصة للطوائف
المرشحون من هذه الطوائف الذين ينالون اكبر عدد من أصوات الناخبين في كافة
الدوائر الانتخابية (دون الاعتداد بالتوزيع المناطقي).
خلاصة القول ان هذا المشروع توخى وضع منهج لتطوير النظام الانتخابي وتجديد
الحياة السياسية في البلاد باتجاه إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية
تقوم على مبادئ وأهداف، أهمها:
1 ترك الحق لكل دائرة انتخابية بانتقاء نصف عدد نوابها مباشرة من بين
المرشحين فيها وفقا لمصالحها السياسية وأوضاعها الديموغرافية، فلا تتعرض
لاحتمال حرمانها من هذا الحق، في هذه المرحلة الانتقالية، في حال اعتماد
الدائرة الموحدة (اي لبنان دائرة انتخابية واحدة).
2 تجاوز القيد الطائفي. عند اعلان الفوز بنصف المقاعد المخصصة لكل دائرة
انتخابية مباشرة بصرف النظر عن الانتماء الطائفي كما سبق البيان، الأمر
الذي يعتبر خطوة عملية هامة باتجاه الغاء الطائفية في البلاد.
3 تدعيم اللحمة بين فئات الشعب اللبناني في جميع المناطق عن طريق انتخاب
النصف الباقي من النواب من قبل اللبنانيين في جميع الدوائر الانتخابية.
4 خلق خطاب سياسي معتدل ناشئ عن حاجة الفئات السياسية في المناطق المختلفة
للتقارب، وعند الاقتضاء للتحالف والاتفاق في ما بينها، حول مبادئ تعتبرها
وطنية وغير طائفية، بدافع طموح كل مرشح الى نيل أصوات الناخبين في الدوائر
الانتخابية على مستوى البلاد بأكملها في حال عدم حصوله على الاصوات اللازمة
لفوزه مباشرة في دائرته. فيقترع الناخبون في اي منطقة للاتجاه السياسي
والمبادئ والبرنامج، وليس للشخص والعشيرة والطائفة والمحسوبية.
5 نشوء تيارات وطنية (غير طائفية) تدفع حتما باتجاه إنشاء احزاب وطنية غير
طائفية، تخوض الانتخابات على مستوى البلاد كلها على اساس مبادئ وبرامج
تتوجه بها الى الناخبين في كافة المناطق اللبنانية.
فلهذه الاسباب مجتمعة، ولأهمية الموضوع من النواحي الوطنية والدستورية
والقانونية، أعود الى طرح مشروع قانون الانتخاب موضوع البحث في ضوء النتائج
غير المرضية التي اسفرت عنها التجارب الانتخابية السابقة.
ج): نص المشروع:
1 الاسباب الموجبة:
في غمرة الخلاف بين اللبنانيين حول عدد من الأسس التي يجب ان يقوم عليها
قانون الانتخاب، وفي طليعتها تقسيم الدوائر الانتخابية، وشكل الدائرة
المعتمدة، وحدودها... تبرز الحاجة اليوم، اكثر من اي وقت مضى، الى وضع
قانون انتخاب مرحلي جديد يستجيب لمقتضيات وثيقة الطائف ويهدف الى التوفيق
بين مختلف الآراء والمواقف، بحيث يكون قابلا للتطبيق على الجميع بالمساواة،
ويراعي، من جهة، حق كل منطقة ومصلحتها في انتقاء نصف عدد نوابها مباشرة الى
اي طائفة انتموا، ويدفع، في نفس الوقت، باتجاه تدعيم اللحمة بين فئات الشعب
اللبناني، في كافة المناطق، عن طريق انتخاب العدد الباقي من النواب من قِبل
جميع اللبنانيين في كافة الدوائر الانتخابية، كدليل على تعلق الشعب بوحدته،
وتصميمه على المضي قدما في ممارسة سيادته وتدعيم مؤسساته وبناء
الديموقراطية، وكإجراء لقيام الاحزاب السياسية الوطنية توصلا الى الغاء
الطائفية السياسية وفق ما نص عليه البند (ح) من مقدمة الدستور والمادة
الخامسة والتسعون منه.
2 الاقتراح:
يجري الانتخاب على مرحلة واحدة في جميع المناطق اللبنانية، ويعتمد في
الانتخاب أساسا القضاء بوضعه الراهن او معدلا كدائرة انتخابية، وتبعا لذلك
تعدل التسمية انسجاما مع النص الدستوري فتصبح <المحافظة> بدلا من <القضاء>.
اما العاصمة بيروت فيمكن اعتبارها دائرة واحدة او تقسيمها الى دائرتين
انتخابيتين او ثلاث دوائر انتخابية في ضوء التجارب السابقة.
من جهة اخرى، يمارس الناخب حقه في الانتخاب بموجب وثيقة اقتراع مقسمة الى
أقسام مساوية لعدد الدوائر الانتخابية على كافة الاراضي اللبنانية. فيدوّن
(الناخب) عليها أسماء المرشحين الذين يريد انتخابهم في دائرته وفي الدوائر
الاخرى. وبنتيجة الاقتراع يجري تدقيق الاصوات وجمعها في مركز كل دائرة
انتخابية على حدة. ويعتبر فائزا بنصف عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة،
المرشحون الى اي طائفة انتموا، الذين ينالون أكبر عدد من الاصوات في تلك
الدائرة، وتعلن النتيجة على هذا الاساس من قبل اللجنة المختصة برئاسة قاض،
بصرف النظر عن الاصوات التي ينالها الفائزون المذكورون في سائر الدوائر
الانتخابية. وتطبق هذه القاعدة على المقعد الواحد الزائد عن نصف العدد
الصحيح في بعض الدوائر، بحيث يضم المقعد الزائد عند الاقتضاء الى هذا
النصف.
أما المرشحون الذين لا يعتبرون فائزين مباشرة في دوائرهم الانتخابية على
الأسس المبينة آنفا فتحسب لهم الأصوات التي ينالونها في جميع الدوائر
الانتخابية على الأراضي اللبنانية، ويكون الفوز بالمقاعد الباقية المخصصة
لطوائفهم من نصيب المرشحين من هذه الطوائف الذين ينالون اكبر عدد من أصوات
الناخبين في جميع تلك الدوائر. وتعلن هذه النتيجة من قبل لجنة عليا برئاسة
قاض، ومركزها في بيروت.
يعتبر المرشح الفائز في الانتخاب سواء بالاقتراع من قبل الناخبين في دائرته
الانتخابية او من قبل الناخبين في جميع الدوائر الانتخابية ممثلا كافة
اللبنانيين في الجمهورية على قدم المساواة.
خلال الشهرين اللذين يسبقان الانتخاب تقوم الحكومة بحملة إعلامية تهدف الى
شرح العمليات الانتخابية وحث الناخبين على القيام بواجبهم الانتخابي من
خلال انتقاء من يرونهم الأفضل والأجدر لتمثيلهم في مجلس النواب.
ويحق للحكومة دعوة الموظفين المتقاعدين من المدنيين حتى سن السبعين
للمساهمة في الأعمال القلمية الانتخابية لقاء تعويض يدفع لهم لهذه الغاية،
ويكونون في هذه الأحوال خاضعين لسلطة وزارة الداخلية، وتسري عليهم النصوص
المطبقة على الموظفين العاملين والمكلفين بالأعمال الانتخابية.
د) ختاما:
نستخلص من كل ما تقدم ان لبنان لم يعد يحتمل تأجيل وضع قانون انتخابي جديد
يكون قابلا للتطبيق على جميع الأراضي اللبنانية بالمساواة بين جميع
اللبنانيين ويدفع بالبلاد خطوات على طريق إلغاء الطائفية السياسية تمهيدا
لإلغاء الطائفية بكامل وجوهها وفقا لما نص عليه الدستور.
ومع التأكيد أن مثل هذا القانون إذا اعتمد لا بد من أن يصطدم عند التطبيق
بصعوبات سيكون حتما على اللبنانيين ان يذللوها سريعا ويستفيدوا منها كتجارب
في حياتهم السياسية والدستورية، شأن جميع الدول الحية التي سبقتنا في
ممارسة الحكم الوطني الصحيح.
مرفق رقم 1
القاضي أنور الحجار
معالي الاستاذ فؤاد بطرس رئيس الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات
النيابية وأعضاء الهيئة المحترمين.
بعد التحية،
بناء لدعوتكم الكريمة المبلغ عنها في وسائل الاعلام يسرني ان أتقدم منكم
ربطا بمشروع قانون انتخاب مرحلي أوردته اصلا في دراسة قيد الطبع بعنوان:
قراءة في الدستور اللبناني: 1 ميثاق العيش المشترك و2 نظام الحكم البرلماني
في لبنان.
وقد توخيت من خلال هذا المشروع عرض أفكار هادفة الى تجديد الحياة السياسية
في لبنان باعتماد نصوص تتعالى فوق القيود الطائفية من دون ان تمس بحقوق
الطوائف في المرحلة الراهنة، كما أقرها الدستور، وتطبق على الجميع
بالتساوي، وفي نفس الوقت تدفع في وضع البلاد على طريق إلغاء الطائفية
السياسية وفقا لما أوجبته وثيقة الوفاق الوطني التي أدمجت نصوصها في
الدستور.
فقد نص البند (ح) من إعلان ميثاق العيش المشترك الوارد في مقدمة الدستور
على إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، جاعلا من هذا الإلغاء هدفا
وطنيا أساسيا يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، تأكيدا على وجوبه،
ولزومه، والتزام اللبنانيين به.
وانطلاقا من هذا النص وضعت المادة 95 دستور الخطة المرحلية المعلن عنها،
بدءا بإجراء انتقالي تمهيدي يقضي بتوزيع المقاعد النيابية على أساس
المناصفة (المادة 24 دستور). وقد وضع هذا الاجراء موضع التنفيذ الفعلي
ابتداء بالمجلس النيابي المنتخب في العام .1992
وبالتلازم مع هذا الاجراء وضعت المادة 95 ذاتها الآلية اللازمة لتنفيذ
الخطة، فأوجبت على مجلس النواب المنتخب بالمناصفة، كما ورد آنفا، اتخاذ
الاجراءات الكفيلة بالغاء الطائفية السياسية وتشكيل الهيئة الوطنية برئاسة
رئيس الجمهورية على النحو الذي أورده النص، ولها مهمتان:
الأولى: دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية (بشكل مطلق) وتقديمها
الى مجلس النواب والوزراء، وهي مهمة تحقيقية لم يشأ الدستور ان يقرنها بأي
خطة تنفيذية في الوقت الراهن.
الثانية: متابعة تنفيذ الخطة المرحلية (المتعلقة بإلغاء الطائفية
السياسية). ويأتي في طليعة الاجراءات التي ينبغي اتخاذها باتجاه هذا الهدف
وضع قانون انتخاب يسهم في تحقيق الانصهار الوطني، ويؤمن المساواة بين
اللبنانيين.
ويتوج إتمام الخطة المرحلية المشار إليها بانتخاب اول مجلس نواب على أساس
وطني، لا طائفي، ويستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية
وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية. وعند ذلك تصبح جميع المناصب والمراكز
والوظائف من حق جميع اللبنانيين على قدم المساواة.
هذه هي جملة النصوص الملزمة التي اعتمدتها كأساس لمشروع الانتخاب المقترح
الذي اضعه بين يديكم.. راجيا من الله في نفس الوقت ان يوفقكم في مهمتكم
الوطنية الكبيرة التي انتدبتم لها.
وتفضلوا بقبول فائق احترامي وتقديري.
(?) قاض سابق
(??) قدم إلى الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات النيابية مع كتاب
(مرفق رقم 1) وجرى عرضه في المؤتمر المنعقد لهذه الغاية في السراي الكبير
في 29 و30 أيلول .2005
(1) مثال أول: ناخب في دائرة الشوف الانتخابية يتوجه يوم الانتخاب الى قلم
الاقتراع، فيدون على وثيقة الاقتراع المشار إليها سابقا أسماء المرشحين
الذين يختارهم للمقاعد النيابية الثمانية المخصصة لدائرة الشوف. كما يدون
ايضا على نفس الوثيقة أسماء المرشحين الذين يختارهم للمقاعد المخصصة لكل
دائرة من الدوائر الاخرى على كافة الاراضي اللبنانية. بعد انتهاء عمليات
الاقتراع والفرز في الأقلام المختلفة تذهب النتائج الى مركز دائرة الشوف
الانتخابية في بيت الدين، حيث تجري عملية التدقيق وجمع النتائج على يد
اللجنة الانتخابية المختصة، وبالنتيجة يعتبر فائزا بنصف عدد المقاعد في
دائرة الشوف، اي اربعة مقاعد، المرشحون الذين ينالون اكبر عدد من اصوات
الناخبين في هذه الدائرة بصرف النظر عن انتمائهم الطائفي. وتعلن النتيجة
على هذا الأساس في مركز الدائرة.
مثال ثان: في دائرة زحلة الانتخابية المخصص لها سبعة مقاعد يعلن فوز أربعة
من المرشحين على الأسس المبينة أنفا. |