|
المحامي العربي - لبنان
المحامي
سليمان تقي الدين
جريدة
السفير 7 / 6 / 2006
بذلت الهيئة الوطنية لإعداد قانون انتخاب اعضاء ومجلس النواب جهودا
مشكورة لا سيما في تحديث كل الاجراءات الخاصة بالعملية الانتخابية، وقدمت
نصا متكاملا في عناوين ثلاثة مهمة هي: الاشراف على الانتخابات من قبل هيئة
مستقلة وتطوير آليات الاقتراع والفرز، وتحديد سقف الانفاق المالي وضبطه،
وتنظيم الاعلام والاعلان الانتخابيين، وهي عناوين تسهم بدورها في سلامة
العملية الانتخابية ونزاهتها، ما يساعد على صحة الاقتراع وعدم التلاعب
بنتائجه او التأثير فيه.
لكن المحك الرئيسي لنجاح الهيئة يرتبط بمدى قدرتها على اقتراح قانون يؤمن
صحة التمثيل وعدالته على قاعدة تكافؤ الفرص بين اللبنانيين بأفضل ما هو
ممكن ضمن تعقيدات المعطيات الطائفية، ويؤدي وظائف وطنية أساسية يحتاج اليها
لبنان اليوم لتحديث وتطوير تمثيله السياسي وبالتالي مؤسساته تحت سقف
الدستور وفي اطار العيش المشترك والوفاق الوطني. وليس سهلا تحقيق ذلك في
مشروع قانون الانتخاب وسط هذه الانقسامات السياسية والصراعات الحادة وفي ظل
مناخات طائفية ومذهبية شديدة الحساسية والتوتر. واذا كان من الصعب على
القوى السياسية ان تجمع على مشروع كهذا لتعارض مصالحها، فإن هيئة من أهل
الاختصاص يفترض أنها قادرة على النظر الى الامور من زاوية الحاجات الوطنية
العامة ومن خارج الحسابات السياسية المصلحية والفئوية اذا عرفت كيف تفصل
بين المطالب السياسية للجماعات والاعتبارات الوطنية المشروعة التي تؤدي الى
طمأنة سائر الجماعات اللبنانية على موقعها ودورها. فلم تكن الهيئة معنية
بالتسويات السياسية ولو أنها معنية بالتوازنات الوطنية العامة وما يمكن
اعتباره صيغا تؤمن المشاركة وتستبعد اي شعور بالغبن او التهميش. فالتوازنات
الوطنية يكفلها الدستور وميثاق الوفاق الوطني ولا يمكن لأحد ان يعيب على
الهيئة مراعاتها في هذا الباب.
طبعا كان على الهيئة بحكم مهمتها المحددة في قرار تأليفها ان تحافظ على
حدود المهمة فلا تتخطاها الى عملية اصلاح كامل للنظام السياسي. وبالفعل من
عيوب قرار تأليف الهيئة ان تحصر مهمتها في قانون انتخاب مجلس النواب من دون
سواه فيتعذر عليها ان تبحث وتدرس نظام المجلسين، وهو الحال التي أكدها
الطائف، ولا ان تعيد ربط قانون الانتخاب بالتقسيم الاداري الجديد للبنان
واللامركزية الادارية. وقد كنا نفضل لو ان الهيئة نفسها قد طلبت من الحكومة
مسبقا او لاحقا تفويضا باعادة النظر في التقسيم الاداري لتعمل على أساسه او
انها شرطت مهمتها بانجاز التقسيم الاداري على اساس المحافظات الجديدة فيأتي
قانون الانتخاب طبيعيا غير مفتعل ليربط التمثيل السياسي بحاجات الناس في
مناطق ادارية محددة، وهذا هو منطقي جدا في قانون الانتخاب. في هذه الحالة
كانت مهمة اللجنة اكثر دقة واكثر انسجاما مع المعطيات الواقعية، ولا يخلط
قانون الانتخاب بين النظام الانتخابي الأفضل وتركيبات ادارية لا تتمتع
بشرعية ومشروعية معينتين. لكن الهيئة تجاوزت حدود مهمتها بعد الازمة التي
عصفت بها مع استقالة عضوين منها ثم عودتهما، واحدثت عبر مشروعها تركيبات
إدارية لا أساس قانونيا لها، فقالت بوجود محافظات غير موجودة فعلا واستخدمت
لغة سياسية حيث يجب ان تستخدم لغة قانونية. في حين ان التعديل في التنظيم
الاداري يحتاج الى قانون خاص واكثرية موصوفة في قرار مجلس الوزراء لأن ذلك
من المواضيع المهمة التي لحظها الدستور. فالتقسيمات الادارية امر يتعلق
بمقومات الدولة الدستورية ويجب ان تحظى بأكثرية محترمة جدا فضلا عن كونها
تتصل بموضوع اللامركزية والتنمية. على اي حال لقد انتهت الهيئة الى اعتماد
مشروع قانون انتخاب مختلط بين الاكثري والنسبي وبين القضاء والمحافظة
نظريا، لأن المحافظات التي ذكرها المشروع لم تعد قائمة في تنظيم لبنان
الاداري الحالي. وجاءت مبررات الاختيار على قاعدة تسوية سياسية تراعي مصالح
القوى السياسية لا سيما تلك التي تطالب بالدائرة القضاء والنظام الاكثري مع
هامش محدود للتحديث السياسي عبر اعتماد النظام النسبي على أساس لبنان ست
محافظات او دوائر انتخابية، وعلى اعتماد نسبة ستين بالمئة من النواب على
النظام الاكثري ونسبة اربعين بالمئة من النواب على النظام النسبي. وحافظت
الهيئة في مشروعها على تمثيل الاقضية في النظام النسبي ضمن دائرة المحافظة
وكذلك تمثيل الطوائف والمذاهب. عمليا يكون مجموع حصة التمثيل النسبي 51
نائبا موزعة على ست دوائر كبرى وضمنا على 26 قضاء وعلى 18 طائفة ومذهبا.
وبذلك يفقد التمثيل النسبي معناه ووظيفته ويتحول الى تمثيل اكثري من نوع
خاص لأن المنافسة الفعلية قائمة في غالب هذه الدوائر على مقعد واحد. وهو
يصبح اكثر اجحافا من التمثيل الاكثري لولا محاولة التحسين الخجولة التي
وردت بالمشروع والتي تتعلق بالصوت التفضيلي في قضاءين. لكن الصوت التفضيلي
يفقد جزءا كبيرا من قيمته طالما ان التنافس يجري على مقعد واحد في أغلب
الحالات وضمن لائحة مقفلة واحدة. وهو له وظيفة واحدة ان تقوم بعض المجموعات
الاقلية طائفية ام سياسية بأن تعزز دور ممثلها في اللائحة المقفلة وترجحه
على سواه في اللائحة فتعيد خلط الترتيب السياسي الأصلي لهذه اللائحة لا
اكثر ولا أقل. وفي الحصيلة الفعلية لاعتماد النظام النسبي على نحو ما
اقترحته الهيئة ان القوى السياسية التقليدية ستحصل على اكثر من نصف المقاعد
في المحافظات وفي رصيد اللوائح النسبية ويكون مجمل الاختراق الممكن لدى قوى
التحديث السياسي او القوى غير التقليدية دون 25 مقعدا في جميع دوائر لبنان.
وبحسب توزيع الجداول في المشروع المقترح نرى بوضوح ان غالبية الدوائر
الاقضية في التمثيل النسبي يكون التنافس فيها على مقعد واحد. أحيانا هناك
مقعدان ونادرا ثلاثة مقاعد. منطق المنافسة السياسية الواسع يصبح معدوما
واحتمال اللائحة الثالثة يبدو غالبا لا مكان له. هناك مقاعد لطوائف معينة
هي الاقوى تحسم سلفا. رغم كل ذلك لا بأس ان تكون فكرة المشروع ادخال تجربة
جديدة على النظام الانتخابي، والزام الطبقة السياسية بقبول منافسين لها
لديهم مستوى معين محترم من التمثيل من دون ان يكون بحجم القوى التقليدية
المتحالفة في لوائح كبرى.
لكن لنفحص أبعد من ذلك الدلالات السياسية لهذا المشروع. لقد شرعنت الهيئة
خلافا للمناخ الذي اتسع في الرأي العام نظام التمثيل الاكثري مجددا على
اساس الأقضية وتحديدا على اساس قانون .1960 لقد خرجت عن منطوق قرار تأليفها
وعن منطوق اتفاق الطائف. جعلت من القضاء دائرة انتخابية واعتمدت محافظات
على اساس التمثيل الجزئي، وهذه المحافظات غير موجودة فعليا.
إذا نحن تجاوزنا هذه النقطة، اي الطائف والدستور وقرار التأليف من حيث
الاشتراط بالدوائر المحافظات، فإننا لا يمكن ان نتسامح مع الهيئة بان تقبل
نظاما انتخابيا حجم التفاوت في الدوائر فيه من 1 الى .6 دوائر ست مقاعد
ودوائر مقعد او مقعدان. هناك خلل جوهري في مشروع الهيئة، ما لا يمكن القبول
به وفقا للمعايير الديموقراطية. لقد أعطت الهيئة سابقة من <أهل الاختصاص>
مريعة على صعيد المعايير الديموقراطية للانتخابات. وليس هناك اي مبرر لهذا
المشروع كله اذا كانت الهيئة الوطنية بهذا التكوين الخاص قد انتهت الى
نتائج يمكن ان تصدر عن تسويات أهل السياسة أنفسهم. لقد كانت مداولات الهيئة
قد وصلت الى نتائج أفضل بكثير في الصيغ التي جرى تداولها سابقا وهي 9 او 13
محافظة دائرة انتخابية على أساس النسبية. ما الذي أحدث هذا الانقلاب
المفاجئ حتى تعود الهيئة الى قانون 1960 والأقضية والنظام الاكثري. كنا
نفهم وفقا للمعايير الديموقراطية ان تذهب الهيئة الى نظام الدائرة الفردية
رغم بعض مساوئها في لبنان، لكن النظام الاكثري في دوائر الاقضية كما هي
الآن هو نقيض لكل ما كتب وقيل في هذا الباب منذ عقود من الزمن. إنها نكسة
غير مسبوقة للديموقراطية على أيدي بعض دعاتها، وتولّد مرارة كبيرة من
مشاريع الاصلاح. كل ذلك على فرض ان مشروع القانون قد صار قانونا واقعا فيما
هو يتعرض لمراجعة من بعض القوى السياسية التي لا يرضي مصالحها كليا او
جزئيا. لا ندري كيف ستتعامل معه تلك القوى، ولكن أحد المشاهد الممكنة ان
تسقط منه التمثيل النسبي وتبقي على نظام دوائر الاقضية والتمثيل الاكثري،
او ان نعود الى النظام الاكثري في دوائر مشابهة لقانون .2000 هذه هي طروحات
القوى السياسية النافذة في البلاد. لقد أعطت الهيئة شرعية لهذا الخيار ولم
تكن هذه وظيفتها. كنا ننتظر مشروعا للتحديث السياسي والاصلاح ترفضه الطبقة
السياسية ويكون شهادة ضدها، باعتبار ان هناك خيارات وطنية اخرى تقترحها
النخبة. والحقيقة أننا خسرنا جولة الاصلاح من مدخل قانون الانتخاب وعلى
أيدي المصلحين.
(?) محام وكاتب سياسي |