قانون انتخاب جديد لبناء الدولة ومؤسساتها

 
 

 المحامي العربي - لبنان

 علي محمد حعفر

جريدة السفير 9 / 6 / 2006

يتمحور الاهتمام الداخلي في لبنان في هذه المرحلة حول وضع تشريع جديد لقانون انتخاب يحدد طبيعة النظام الدستوري والديموقراطي في معالمه الأساسية، ويبدو ان ولادة المشروع من رحم اللجنة المختصة والمكلفة بدراسته لن يكون بالأمر السهل ولن تكتمل صورته النهائية الا بعد دراسته والتصديق عليه في مجلس النواب، حيث يتوقع ان تكون ولادته قيصرية ايضاً، ويأمل المواطن منه وبعد طول انتظار ان يحقق ولو الحد الأدنى لبناء وطن يوحي بالثقة لأبنائه ويطمئن في ظله الى العيش الكريم تحت سماء صافية تشرق شمسها عدالة على الجميع لبناء مستقبل يجنبهم ألم الابتعاد عن الوطن، وينمي لديهم الشعور بالانتماء اليه وبالتالي التضحية في سبيله.
العناوين الأساسية التي تحكم عمل اللجنة كما ستحكم عمل مجلس النواب بعد ذلك هو ما توصل اليه اتفاق الطائف، فقد ورد في مقدمة الدستور بموجب التعديل الدستوري رقم 18 بتاريخ 21/9/,1990 وضمن الفقرة (ح) منه بأن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية لم يحدد مداها الزمني، حيث يستلزم الأمر كما ورد في النص تنفيذها على مراحل وبشكل تدريجي.
كذلك ورد في المادة 22 من الدستور انه مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية، وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية، والى ان يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي توزع المقاعد بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين (م 24).
وبناء على القواعد السابقة يتوجب على مجلس النواب المنتخب اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، وتضم بالإضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية (م 95) وبنتيجة المعطيات والأحداث في لبنان وما تمخّض عنها من سلبيات فإن الخطوات لم تكن مشجعة للسير في هذا الاتجاه، فقد انغمست الهيئات المسؤولة في الدولة في اتباع سياسة ضبابية تنعدم فيها الرؤية ومن شأنها ان تغرق البلد في وحولها الفاسدة وكادت ان تقضي على ما تبقى للمواطن من أمل من أجل ايجاد حل يخرجه من هذا المأزق الخطير الذي يتخبط به في حياته اليومية، وتجعل اليأس والإحباط عنوان المستقبل. وما سرّب حتى الآن من اللجنة المكلفة بصياغة مشروع القانون وأحكامه المختلفة لا يبشّر بالخير، ولا يوحي بأن التغيير في نهج الفكر السياسي يرقى الى مستوى الأحداث التي عصفت بالوطن لسنوات عديدة، وما زالت تهب عليه من وقت لآخر مهددة كيانه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالتفكك والانهيار.
نحن ندرك مدى الصعوبات في التوصل الى وضع علاج جريء وملائم لبناء الوطن وسط صراعات خفيّة وحادة في المعتقد الديني والمذهبي والطائفي، فإن الحل الذي يتعين اعتماده هو من خلال بناء الدولة القوية والعادلة ومؤسساتها لكي تقوم بمسؤولياتها وتحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين، وبذلك ننطلق في عملية إرساء الأسس السليمة المتينة لكيانها الذي تحتاج الى تضحيات جسيمة في سبيل تعزيزه لكي يصمد أمام الأزمات التي تواجهه، ومثل هذا الأمر يستلزم وجود سلطات قضائية عادلة ومستقلة هدفها التطبيق السليم للقانون دون تمييز، فالاستقرار القانوني يجب ان يقترن بسن تشريعات تستوحي فرض النظام وحماية المواطن ومعاقبة المخالفين بصرف النظر عن صفاتهم ومراكزهم الوظيفية، وبذلك يخضع الجميع لحكم القانون ويعززون دوره في خدمة الإنسان والوطن، وبذلك نكون أمام عقد اجتماعي تنازلنا بموجبه عن ارادتنا الخاصة وخضعنا للارادة العامة من أجل حماية أفضل لحقوقنا وحرياتنا الأساسية.
ومظاهر الخلل لم يقتصر دائما على وجود او عدم وجود القواعد والنصوص القانونية، إنما كان يكمن أيضا في الممارسة العملية، بحيث كان يجري تفصيل مثل هذه النصوص على قياس اشخاص محظوظين مما كان يسبغ عليها الطابع الخاص والشخصي وغير العادل لأحكامها، من هذا الواقع يجب الابتعاد عن هذا الخلل من أجل توخي الاستقرار القانوني الذي يعد من العناصر الهامة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ايضا، فسلبيات مخالفة القوانين وانتهاك حرمتها سوف يؤدي الى مزيد من التفكك داخل المجتمع ويكون المواطن هو الضحية اولا وآخرا في ظل هذا الصراع المستمر والعقيم.
إن بناء الدولة ومؤسساتها يحتاج في بلد مثل لبنان الى بذل جهود استثنائية، ونعتبر ان الخطوة الأولى والأساسية تتمثل في اعتماد قانون انتخاب يتجاوز حدود الطوائف ويلامس بناء الوطن، وبذلك نضع المدماك الأساس لبناء متماسك لا تقوى عليه الأزمات لهدمه او زعزعته، ونحن نرى ان اللجنة التي أشرفت على وضع تصورها الأخير، كما ان مجلس النواب هما أمام مفصل تاريخي هام من أجل العبور الى وطن طالما حلمنا به وطن المحبة والتعاون والتسامح.
المطلوب من جميع المسؤولين والمواطنين كافة الوقوف وقفة تاريخية خالدة تبعدنا عن الهاوية وتكون عبرة ومنارة يسير على هديها كل من يسعى الى الحقيقة مهما كانت مسالك الوصول اليها صعبة، ونحن أمام خيار واضح ووحيد وهو السير في طريق بناء الوطن ودعم مؤسساته لأن البديل عن ذلك هو اشعال الفتن الطائفية التي تلتهم نيرانها الأخضر واليابس معا، فهل نتعظ من تجارب الماضي فنعقل ونتوكل على الله وعلى محاسبة ضمائرنا ونلجأ الى الخيار الذي يجنبنا الانحدار الى ذلك المصير المشؤوم.
(?) أستاذ جامعي.