|
جريدة الديار:
12/12/2005
جورج بشير
لفت المراقبين في
«الويك اند» مضمون التعميم الصادرعن التفتيش القضائي الذي يدعو القضاة الى
عدم التماس الوساطة او الشفاعة، او «اجراء الاتصالات بمراجع سياسية في شأن
المناقلات القضائية التي يجري اعدادها في مثل هذه الايام من كل سنة» وذلك
بعد ان تناهى الى هيئة التفتيش القضائي ان بعض السادة القضاة يجرون
اتصالات بالمراجع السياسية وغيرها ذات علاقة بالتعيينات والمناقلات
القضائية، وذلك حرصا من هيئة التفتيش القضائي على ان يحافظ القضاة على
الاستقلال التام للقضاء، وعلى تجنب القيام بأي مراجعة سياسية او غيرها،
لماذا؟ لان المراجع القضائية ساهرة على تقدير الكفاءة لدى القضاة، وتعيين
الشخص المناسب في المركز المناسب...
هنالك مثل لبناني يقول بأن من ينفخ في اللبّن يذكرك كيف احترق فمه ولسانه
من هذا اللبن وهو حليب..
استقلال القضاء، والقضاة؟؟ من سنوات يحاول القضاة الذين ليس لهم مرجع او
مرجعية يعودون اليهما كي تجري المحافظة في اعداد التشكيلات على استقلال
القضاة واستقلالية القضاء فلا يجدون سوى ضباط مخابرات يتدخلون هنا وهناك
وهنالك من اجل ترتيب اوضاع قضاة لتعيينهم في هذا المركز القضائي او ذاك
لأن هؤلاء القضاة «مطواعين» «ينفذون الاوامر، وبعد ذلك يناقشون»، ولا
يجدون اماهم سوى وزراء عدل تعاقبوا على كرسي وزير العدل في عهود الحكومات
السابقة طوال خمسة عشر عاماً ومعظمهم كان ينتمي الى تيار سياسي تابع لرئيس
حكومة سابق، وهؤلاء اليوم انتخبوا نواباً في البرلمان يتدخلون في كل شاردة
ووزارة في العدل، كما في العدالة، كما في امور القضاة وشؤون القضاء، وكان
آخر مهزلة في هذا المجال ما جرى على هامش سيرالعمل في المجلس الدستوري
بهدف صون نيابة بعض نواب فضائح الكسارات وطحن جبال لبنان لمكافآتهم.
لا شك بأن خطوة رئيس هيئة التفتيش القضائي في اصدار هذا التعميم هامة
وملفتة للنظر.. ولكن في البلدان التي تطبق فيها العدالة، والتي فيها العدل
اساس الملك، فعلاً لا قولا او شعارات ترفع مرصعة بالذهب الخالص فوق اقواس
المحاكم، لا حاجة لان يذكر لا رئيس هيئة التفتيش ولا حتى رئيس مجلس القضاء
الاعلى ولا وزير العدل ايضا وايضاً القضاة محذرين اياهم من اللجوء الى
المراجع السياسية والحزبية والمذهبية لتوسيطهم والحصول على شفاعاتهم من اجل
ان يطبق الشعار القائل بان القاضي المناسب يجب ان يعين في المكان
المناسب.. فالقاضي الذي ينفخ في اللبن اليوم، كواه هذا اللبن وهو حليب.
القضاة الذين يرون الخير والكفاية والخبرة والشفافية والعلم والاخلاق في
ذواتهم ونظافة الكف وهم كثر في الجسم القضائي اللبناني لا يجب ان نؤاخذهم
لان بعضهم قلق من ان تداس حقوقهم وينتقص منها وتنتهك الكفاءات في
التشكيلات القضائية، ولذا نرى بعضهم يحاول اللجوء الى الحصول على وساطة او
شفاعة سواء من هذا الرئيس او هذا الوزير او هذا النائب النافذ بهدف صون
حقه... وتحذير رئيس هيئة التفتيش القضائي يأتي في محله في هذه الحال...
فلطالما وضع المجلس الاعلى للقضاء مشاريع تشكيلات قضائية استند فيها على
الكفاءة وبقيت هذه التشكيلات في ادراج وزير العدل ورئيس الحكومة وكان
آخرها ماحصل في خلال الاعوام القليلة الماضية ابان وجود الوزيرين طبارة
والجسر في وزارة العدل على الخصوص لان الوزير ورئيس الوزارة ومن وراءهما
يريدون ان يعينّوا هذا القاضي او ذاك في هذا المنصب او ذاك لضمان مصالح
خدماتية سياسية او انتخابية.. ولطالما وجّه قضاة محترمون الشكوى من تهديدات
تلقوها من احد النواب تقع في معظمها تحت طائلة الملاحقة القانونية
والجزائية، وطالبوا مع مجلس القضاء الاعلى برفع الحصانة عن الذين هدّدوهم
او حاولوا المساس بكراماتهم او انتهاك امنهم وامن عيالهم لاسباب مادية
صرفة ومن اجل تغطية تجاوزات ارتكبها المهددون هؤلاء للقانون وللنظام
لاسباب انتخابية ومادية، فكانت هذه الشكاوى والطلبات تنام في ادراج
الوزراء والمسؤولين مع ان التهديدات المشار اليها كانت تطاول قضاة مشهوداً
لهم بالكفاءة والاخلاق والحرفية في ممارستهم لمسؤوليتهم وبالشفافية
وبنظافة الكف كالرئيس غالب غانم، والقضاة حسن شمس الدين وشكري صادر، ورالف
رياشي مثلا، حيث يعرف الجميع بأن هؤلاء القضاة قيمة وطنية وقضائية
وقانونية ووطنية...
بيت القصيد في هذا المجال هو استقلال القضاء وضمان سير العدالة بعيدا عن
الاستغلال والتبعية والتهديد من مداخلات بعض الطبقة السياسية الفاسدة...
فوزير العدل الحالي شارل رزق لا غبار على مصداقيته وعلى حرصه على هذين
المبدأين (استقلال القضاء وسلامة سير العدالة)... ورئيس واعضاء المجلس
الاعلى للقضاء الحاليين لايقلّون قدراً وقيمة عن الوزير في هذا المجال...
لكن الخوف كل الخوف من المطابخ المشبوهة لبعض السياسيين الفاسدين الذين
عوّدوا لبنان على التدخل في القضاء وسير العدالة بهدف ضمان وصول قضاة الى
مراكز تتأمن لهم مع وجود هؤلاء في هذه المراكز مصالحهم وتغطية انتهاكاتهم
للقانون وللنظام وللمصلحة العامة ولحقوق الخزينة والمال العام... فحذار،
حذار من هذه المطابح العفنة التي تفوح منها ومن بعض الجالسين فيها الروائح
الكريهة، والتي ما تزال هذه الروائح تزكم انوف اللبنانيين والمتعاطين مع
العدل والعدالة ومع قصور العدل والعدالة في لبنان، لان اللبنانيين باتوا
يعرفون كل شيء ويقرأون العدالة، وعلى احقاق الحق، وازهاق الباطل.. ان
الباطل كان زهوقاً...
|
محامون
لبنانيون
المركز العربي
للتدريب والتنمية
أخبار نقابية
الصفحة
الرئيسية |