|
إنهاء ولاية الأعضاء العشرة خرق فاضح للدستور :
الدستوري بين واقعه وقانون تطييره
أحمد
زين : السفير : 03/09/2005
تبدو القضايا <<العالقة>> على مستوى السلطة السياسية كثيرة لكن أخطرها
هو <<توافق>> أهل الحكم على تحييد مؤسسة المجلس الدستوري بشلها عن
ممارسة الدور المناط بها مرحلياً ومستقبلياً.
ومن
الواضح ان استمرار واقع المجلس الدستوري على ما هو عليه يعني مباشرة
أمرين: تعطيل النظر في مراجعات الطعن بالانتخابات النيابية الأخيرة
وتعطيل المراجعات بدستورية القوانين التي اصدرها مجلس النواب وسيصدرها
لاحقاً.
ومهما كانت الاسباب التي ادت وتؤدي الى استمرار المجلس على ما هو عليه
فإن احدا لا يستطيع التهرب من اخذ هذين الأمرين بعين الاعتبار عند
الحديث عن الغاية من توصيل المجلس الى النقطة التي هو عليها. ومثل هذه
الممارسة ابتكار جديد لأهل الحكم، فلكي تمنع النظر بطعن، سيان أكان
انتخاباً ام يتعلق بقانون، اوقف المؤسسة الدستورية المعنية بالنظر عن
ممارسة مهامها.
إن
هذه المسألة ليست عرضية ولا تتعلق بكون مصادفة إجراء انتخابات نيابية
مطلوب من المجلس الدستوري النظر بطعونها. إنها مسألة مبدأ كونها تشكل
خرقا فاضحا للدستور. فالمؤسسات الدستورية التي يشكل المجلس الدستوري
واحدا منها لا يمكن ان تخضع لفراغ ولأي سبب كان، فكيف يمكن للحكومة
والحكم ان يتفرجا على فراغ مؤسسة المجلس الدستوري.
من
هذه الزاوية يمكن قراءة ماذا يعني اقتراح تعديل قانون إنشاء المجلس
الدستوري الذي استنفرت لجنة الادارة والعدل النيابية لدرسه اخيرا.
فالتعطيل المرحلي لهذا المجلس الحاصل اليوم سيتحول الى <<تعطيل دائم>>
عند اقرار الاقتراح.
ولهذا فمن شبه المؤكد ان واقع المجلس الدستوري اليوم سيبقى على ما هو
عليه حتى اقرار الاقتراح المعجل المكرر ونفاذ احكامه ليتحول العطل
الجزئي الى عطل دائم. واذا كان الحديث عن بعض الدلائل التي تشير الى
ذلك قد ظهر في السابق فإن هناك دلائل اخرى تثبت ذلك وفي مقدمتها اصرار
معدّي الاقتراح على إنهاء ولاية اعضاء المجلس الدستوري الذين لم تنته
ولايتهم بعد وتعيين الأعضاء العشرة الذين يتشكل منهم المجلس الدستوري
من جديد! فمثل هذا الاقتراح همايوني بامتياز وقد لا يكون له مثيلا حتى
في بدايات تشكيل الدولة في العصور الأولى كونه يشكل محاولة لخرق
القانون والدستور في آن معاً.
فعلى
المستوى القانوني أولى القانون الرقم 250 تاريخ 14/7/93 المتعلق بإنشاء
المجلس الدستوري اعضاء هذا المجلس ضمانات وأخضعه لأحكام، فالمادة
الرابعة منه نصت على عدم جواز <<اختصار مدة ولاية اي من اعضاء المجلس
الدستوري>>. كما نصت في فقرتها الرابعة على انه في حال الشغور لأي سبب
كان <<يعين المرجع الذي اختار العضو البديل خلال شهر من تاريخ اخذ
العلم بالطريقة ذاتها التي عين بها العضو الاصيل وللمدة المتبقية من
ولايته>>، وهذا النص جاء ليؤكد الالتزام بقاعدتين دستوريتين هما:
الاولى ضرورة عدم حصول اي فراغ في المؤسسة الدستورية ولأي سبب كان
وإعطاء عضو المجلس الدستوري الاستقلالية في أداء مهامه بالإشارة الى
عدم جواز اختصار مدة ولايته.
وهنا
لا بد من القول ان مقولة <<ان القانون يعدل بقانون>>، لجهة ما ورد في
الاقتراح حول انهاء ولاية الاعضاء الذين لم تنته ولايتهم، هي مقولة
ساقطة ويدرك ذلك معدّو الاقتراح قبل غيرهم. فما نص عليه قانون انشاء
المجلس الدستوري في المادة الرابعة ليس نصاً قانونياً فقط انه ترجمة
لمبدأ دستوري، فاذا كان قانون الإنشاء لم ينص على ما نصت عليه المادة
الرابعة، فإن مضمون هذا النص يبقى ساريا ولا يجوز تجاوزه بأي شكل من
الاشكال إلا في حال تغليب <<العهد السياسي على الالتزام الدستوري>>.
وفي
جانب دستوري آخر حدد الدستور، كما تحدد دساتير دول العالم، سبل وآليات
وشروط إنهاء ولايات أعضاء المؤسسات الدستورية. فالدستور حدد ست حالات
لإقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، وحدد ثلاث حالات لحل مجلس النواب،
ونص على كيفية إنهاء ولاية رئيس الجمهورية، كما حدد بدقة السبل الآيلة
لعدم حصول اي فراغ في تلك المؤسسات في حال انهاء الولاية. وبذلك يكون
الدستور قد منع إمكانية حصول ما هو حاصل حتى اليوم في المجلس الدستوري
وأكد من جهة ثانية دستورية ما نصت عليه المادة الرابعة من قانون إنشائه
وقبل هذا وذاك اعتبر ضمنا ان انهاء ولاية اعضاء المجلس الدستوري الذين
لم تنته ولايتهم بعد بقانون هو إجراء غير دستوري باعتبار ان لا نص
دستوريا يشير الى امكانية حصول عملية الإنهاء بمثل هذه الطريقة.
والسؤال هنا هو لماذا كانت مثل هذه <<المبادرة>> التي تمثلت بإعداد
الاقتراح المعجل المكرر؟
يمكن
القول وبشيء من الجزم ان الاسباب الموجبة لهذا الاقتراح تتركز حول
تحقيق غاية واحدة هي <<قوننة>> الواقع الحالي للمجلس الدستوري وما
يساهم في هذا الاعتقاد الحرص على استمرار واقع اليوم حتى صدور قانون
التعديل واعتبار ولاية جميع الاعضاء منتهية وتسمية الاعضاء العشرة من
جديد بعد <<منح>> الرؤساء الثلاثة: الجمهورية والمجلس والحكومة حق
ترشيح من يرونه مناسباً في الوقت الذي يملكون فيه حق الطعن.
إن
ربط استمرارية واقع المجلس الدستوري بإصدار قانون تعديل إنشائه سيبقى
علامة فارقة في تاريخ الحكم اليوم ليست في مصلحته المعنوية ابداً،
وبالأحرى ستبقى علامة غير بيضاء في تاريخ الذين سيصادقون وسيقرون
وسيصدرون، وقبل هؤلاء اللذين اقترحا، ومنهما من تعب ليبقى تاريخه في
القراءة الدستورية ناصعاً حتى الى ما قبل توقيع الاقتراح |