|
جريدة الديار
26/02/2006 جوزف أبو فاضل
يكثر في هذه الأيام الكلام عن المحكمة الدولية التي سوف تنظر في قضية
استشهاد الرئىس رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط 2005 أمام فندق السان جورج
في وسط العاصمة بيروت.
وبمناسبة سفر الوفد القضائي المؤلف من القاضيين رالف رياشي وشكري صادر الى
نيويورك للبحث مع المستشارين القانونيين للأمين العام للأمم المتحدة كوفي
أنان حول تشكيل المحكمة الجزائية «ذات الطابع الدولي»، ومكان انعقاد
جلساتها والقانون الذي ستعتمده وتطبّقه، توجهت «الديار» بعدة أسئلة الى
المحامي الدولي أنطوان عقل وهو رئىس الاتحاد الدولي للمحامين شرفاً لمعرفة
رأيه حول هذه المواضيع التي تشغل بال الرأي العام اللبناني فأجاب المحامي
عقل:
1ـ الصلاحيات الموضوعية للمحاكم الجزائية الدولية
ان المحكمة الجزائىة الدولية الخاصة المنشأة عام 1993 لمحاكمة الجرائم ضد
الأنسانية وجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، كما المحكمة الجزائىة
الدولية المنشأة عام 1994 لمحاكمة جريمة الأبادة الجماعية في روندا،
وأخيراً المحكمة الجزائية الدولية الدائمة المنشأة في روما سنة 1998،
تنحصر صلاحياتها بجرائم ثلاث لا رابعة لها وهي: جرائم الحرب، والجرائم ضد
الانسانية، وجرائم الأبادة الجماعية.
اما الجريمة التي وقعت في بيروت وادت الى اغتيال الرئىس رفيق الحريري فقد
وصفها مجلس الأمن بأنها «جريمة إرهابية»، ولا تدخل تاليا في صلاحيات
المحاكم الجزائىة الدولية سواء كانت خاصة أم دائمة.
ولبنان لم يوقّع لغاية اليوم على نظام المحكمة الجزائية الدولية الدائمة
ولم ينضم اليها.
ومن المنطقي انه، بعد تشكيل المحكمة الجزائية الدولية الدائمة، ان يتوقف
مجلس الامن عن تشكيل المحاكم الخاصة AD HOC)) خصوصاً اذا كانت الجريمة
تخرج عن الصلاحيات المحددة حصراً في نظم هذه المحاكم.
2ـ تشكيل محكمة ذات طابع دولي
سبق لمجلس الأمن، ان تجاوز واقعة إنشاء المحكمة الجزائية الدولية الدائمة
التي يفترض ان تنظر في جميع الجرائم التي هي من صلاحيتها اينما وقعت، فشكل
محاكم مختلطة من قضاة محليين وقضاة أجانب، وذلك استناداً الى الفصل السابع
من شرعة الامم المتحدة وهذا ما اطلقت عليه الدولة اللبنانية: «محكمة ذات
طابع دولي».
ولكن السؤال الذي يبقى قائماً هو ان هذه المحكمة، وان كانت ذات طابع دولي،
تبقى صلاحيتها محصورة في الجرائم الثلاث المذكورة آنفاً.
3- القانون الواجب التطبيق
ان الدولة اللبنانية تصرّ على ان المحكمة «ذات الطابع الدولي» يقتضي ان
تطبق القانون اللبناني حيث وقع الجرم.
لكن العقبة تكمن في ان قانون العقوبات اللبناني ينصّ على عقوبة الاعدام، ما
يخالف المبادئ القانونية التي تبنّاها مجلس الأمن واعتمدتها المحاكم
الجزائية الدولية بحيث استبعدت عقوبة الاعدام.
وهنا صرّح المحامي عقل بأنه أثناء رئاسته للاتحاد الدولي للمحامين دعا جميع
نقباء المحامين في العالم الى اجتماع قمة عقد في مركز الامم المتحدة في
نيويورك.
وكانت احدى المواضيع المهمة التي صوّت عليها المجتمعون وتبنوها بشبه إجماع
توصية بالغاء عقوبة الاعدام، باستثناء ممثلي المملكة العربية السعودية
والجزائر.
وخلال الندوة التي نظمها الاتحاد الدولي للمحامين في بيت المحامي في بيروت
حول موضوع «السرّية المصرفية في مواجهة تبييض الاموال» صرح ممثل رئيس
الجمهورية العماد اميل لحود الوزير عبدالله فرحات بأن هناك مشروعاً يرمي
الى إلغاء عقوبة الاعدام في لبنان.
واذا كانت الدولة اللبنانية مصرّة على إنشاء محكمة جزائية ذات طابع دولي،
فيقتضي ان تسرع في الغاء عقوبة الاعدام. وان التوصية بالغاء عقوبة الاعدام
التي صوّت عليها نقباء المحامين من كافة انحاء العالم تنص على ما يلي:
«لا وجود لعدالة تقتل»
ان الاتحاد الدولي للمحامين، نزولا عند الطلبات المتعدّدة من أعضائه
الجماعيين والإفراديين، يقترح الموافقة على توصية تتعلق بإلغاء عقوبة
الإعدام.
هذه التوصية تأخذ في الاعتبار كون عقوبة الإعدام لا تزال معمولا بها في قسم
كبير من العالم. في السنة 2002 كانت 84 دولة لا تزال تطبّق عقوبة الاعدام،
منها الولايات المتحدة الاميركية، والصين واليابان، اضافة الى عدد كبير من
بلدان آسيا وافريقيا والشرق الاوسط.
واليوم، تبيّن لعدد كبير من المحامين في العالم أن عقوبة الإعدام لم تردع
المجرمين عن القتل، ولم يكن لها اي تأثير على نسبة تدنّي الإجرام، وكانت
غالبا ما تصيب اشخاصا ضعفاء من الأقليات او من الذين لم تتوفر لهم سبل
الدفاع عن انفسهم.
تستحسن اذاً الدعوة الى اعادة النظر في القوانين الوطنيّة وتعديلها،
باعتبار أن منظمات المحامين في العالم شبه مجمعة على إلغاء عقوبة
الإعدام.
ان الاتحاد الدولي للمحامين،
انطلاقا من اهتمامه باحترام الحق في الحياة كما أعلن في المادة 3 من
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي المادة 6 من الشرعة الدولية المتعلقة
بالحقوق المدنية والسياسية وكذلك المادة 6 والفقرة «أ» من المادة 37 من
الشرعة المتعلقة بحقوق الطفل،
واذ يعلن اقتناعه بأن كل تدبير يرمي الى الغاء عقوبة الإعدام يسهم في دعم
الكرامة الانسانية،
واذ يعترف بحق الدول الأكيد الذي لا منازعة فيه وبمسؤوليتها في ملاحقة
مرتكبي الجرائم الأكثر خطورة ومحاكمتهم،
واذ يعتبر أن عقوبة الإعدام هي مرفوضة حتى في الحالات التي تطبّق فيها
بنتيجة أصول تؤمّن من خلالها محاكمة منصفة،
ونظراً الى عدد الأخطاء القضائية المتزايد المؤدّي الى تطبيق عقوبة
الإعدام،مندفعا بواقع انّ عدد البلدان التي الغت هذه العقوبة يتزايد
باضطراد مستمر!
واذ يشعر بارتياح بأن عقوبة الاعدام قد الغيت من بين العقوبات التي يمكن
اصدارها من قبل المحكمة الجزائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة
والمحكمة الجزائية الدولية المنشأة لرواندا والمحكمة الجزائي الدولية، واذ
يعتبر ان الغاء عقوبة كهذه في الجرائم التي نظرت فيها او سوف تبثها هذه
المحاكم، اي جرائم الابادة الجماعية والجرم ضد الانسانية وجرائم الحرب،
تجعل تطبيق عقوبة على الجرائم العادية بدون مبرر.
واذ يعتبر ان الغاء عقوبة الاعدام يشكل هدفاً اساسياً لجميع نقابات
المحامين وجمعياتهم الممثلة في قلب هذه المنظمة.
يدعو المحامين ونقاباتهم وجمعياتهم في البلدان التي لم تلغ عقوبة الاعدام
الى لفت سلطات الدول الى احترام المادة 6 من الشرعة العالمية المتعلقة
بالحقوق المدنية والسياسية، والى احترام ضمانات الامم المتحدة بشأن حماية
حقوق الاشخاص المعرّضين لعقوبة الاعدام، بخاصة النصوص التي تمنع اصدار
الاحكام وتنفيذها بحق الاشخاص الذين يقل عمرهم عن 18 سنة في وقت اقتراف
الجرم وبحق المتخلفين عقليا.
يدعو المحامين انفسهم ونقاباتهم او جمعياتهم الى اعلام الاتحاد الدولي
للمحامين بكل معلومة تتعلق بدعوى مسافة ضدّ شخص قد يتعرض لعقوبة الاعدام.
يدعو المحامين ونقاباتهم او جمعياتهم في البلدان التي لم تلغ. عقوبة
الاعدام الى التدخل لدى سلطات بلدانهم حتى تعارض كل طلب استرداد تتقدّم به
دول لا تزال تطبّق عقوبة الاعدام عندما يكون الشخص الملاحق قد يتعرّض لمثل
هذه العقوبة.
يناشد جميع الدول الموقعة على الشرعة العالمية المتعلقة بالحقوق المدنية
والسياسية، والتي لم تفعل بعد، الى تصديق البروتوكول الثاني الاحتياطي
المتعلق بالشرعة الرامي الى الغاء عقوبة الاعدام.
يطلب الى جميع الدول التي لا تزال تطبّق عقوبة الاعدام، ان تعتمد مبدأ
ارجاء تنفيذ مثل هذه العقوبة.
يطلب الى الدول التي لم تعد تطبق عقوبة الاعدام ولكنها لا تزال تحتفظ بها
في تشريعاتها، ان تلغيها.
والاتحاد الدولي للمحامين، اذ يتبنى هذا القرار، يقصد التأكيد على حرصه على
الدفاع عن نظام عام دولي يسوده سلطان القانون واحترام حقوق الانسان التي
اولها الحق في الحياة.
وهو يعتبر ان الغاء عقوبة الاعدام - وهي عقوبة مخالفة لمبادئ العدالة
العالمية - هو امر جوهري يقتضيه نمو دولة قانون تحترم كرامة الشخص
البشري.
خلال شهر كانون الثاني الماضي دعا الاتحاد الدولي للمحامين الى اجتماع قمة
اخر عقد في مركز المحاكم الجزائية الدولية في «لاهاي» لمناقشة صلاحيات هذه
المحاكم والجرائم التي تنظر حاليا فيها وكيفية سير الاعمال لديها.
وترأست الجلسات المدعية العامة لدى المحكمة الجزائية الدولية ليوغوسلافيا
السابقة السيدة كارلا ديلبونتي، ورئيسة هذه المحكمة السيدة نافي بيلاي.
وقال عقل بأنه تداول معهما في تفاصيل المحكمة التي تسعى الدولة اللبنانية
الى تشكيلها.
ويبقى وجود عائق كبير امام تشكيل مثل هذه المحكمة الا وهو العائق المالي
والتكاليف الباهظة التي تحسب بعشرات الملايين من الدولارات. |
محامون لبنانيون
المركز العربي للتدريب والتنمية
أخبار نقابية
اغتيال الحريري
دراسات في القانون الدولي الجنائي
الصفحة الرئيسية |