تعليق عضوية الوزراء والمادة 95 من الدستور

أحمد زين - جريدة السفير

 

الحيثيات متّصلة بالتضارب في فهم المادتين 65 و95 من الدستور
هل تعتبر جلسات الحكومة دستورية في ظل عقدة تعليق المشاركة؟
أحمد زين   جريدة السفير: 20/12/2005

بصرف النظر عمّا سيؤول إليه تعليق بعض الوزراء مشاركتهم في جلسات مجلس الوزراء فإن هذا التعليق يطرح مسألة في الاساس كونها ترتبط بصيغة الحكم المعمول به في لبنان.
ففي حيثيات هذه المسألة ان قرار التعليق جاء كردة فعل على قضية تصنّف من المواضيع الاساسية الواردة في الفقرة الأخيرة من المادة 65 دستور فضلاً عن أن الوزراء المعنيين بهذه المسألة يمثلون جهتين سياسيتين لهما حضورهما الفاعل إنْ في مجلس النواب وإنْ على المستوى الشعبي كما انهما يحتكران تمثيل الطائفة الشيعية في الحكومة كونها تتمثل بهؤلاء الوزراء حصراً.
فعلى المستوى السياسي يمكن من حيث المبدأ أن يتخذ مجلس الوزراء قراراً بشأن مسألة اساسية من دون الأخذ بما يمكن ان يتركه ذلك من ردات فعل سلبية على القرار حتى وإن كانت بعض التفاصيل المتعلقة بالقضية المطروحة تثير بعض علامات الاستفهام. فالديموقراطية واللعبة السياسية قد تسمحان بذلك. ولكن مثل هذا الإجراء لا بدّ وان يرتب بعض الأعباء على الوضع الحكومي باعتبار أن تشكيل الحكومة كان توافقياً وجاء في الأصل كامتداد لصيغة التوافق التي انطبعت بها الانتخابات النيابية الأخيرة وبذلك تكون الحكومة قد ولدت من <<توافقين>> يقرّ بهما النظام البرلماني الديموقراطي لا بل يعتبرهما من صلب أصوله.
بهذا المعنى فإن اتخاذ القرار في مجلس الوزراء باللجوء الى التصويت دون مراعاة <<التوافقين>> اللذين ولدت من رحمهما الحكومة يعني في ابسط الامور من الناحية السياسية تفكيك لحمة هذا التوافق وذاك وفتح الابواب أمام تحالفات او <<توافقات>> أخرى. وهذا أمر من الأهمية بمكان نظراً لما يمكن ان يعكسه على الساحة السياسية والتوازنات القائمة. وبهذا تكون خطورة القرار المتخذ وبالشكل الذي تمّ لا تقتصر على مضمون القرار سيان إن كان للمصلحة الوطنية ام لا او لمصلحة <<المقرّرين>> او <<المعلقين>> إنما ايضاً لكونه يشكّل عملياً الإعراب عن نية او رغبة في إنهاء التحالفين اللذين بدءا بالانتخابات النيابية وتوّجا بتشكيل الحكومة.
اما على المستوى الطائفي الذي يمثل البعد الثاني لمسألة التعليق فهو محكوم بالنصوص الدستورية أكثر من ارتباطه بالبعد السياسي. وما تمكّن الإشارة إليه هنا لجهة ما جاء في الدستور والمادة 95 تحديداً بنصها على أن تتمثّل الطوائف، في المرحلة الانتقالية، بصورة عادلة في تشكيل الحكومة. ويمكن القول إن <<عدالة تمثيل الطائفة الشيعية>> في الحكومة الحالية كانت ثابتة الى حد انه لو لم يكن التمثيل على ما هو عليه لكانت <<هذه العدالة ناقصة>>.
وما يلفت النظر هنا ان تمثيل الشيعة في الحكومة يقتصر على الوزراء الذين علّقوا مشاركتهم في الحكومة احتجاجاً على توقيت طرح القرار الذي اتخذ للتصويت. وبهذا تكون الطائفة الشيعية، اذا صحّت تسمية الطائفة هنا، قد اعترضت بكامل ممثليها على القرار. وهنا تُطرح إشكالية هي من الاهمية بمكان ليس بالنسبة للحالة القائمة اليوم انما على صعيد نظام الحكم ككل وفي كل آن ما زال الوضع الطائفي على ما هو عليه وتتمثل هذه الإشكالية بالتساؤل التالي: هل عدالة التمثيل في الحكومة تقتصر على اختيار الوزراء من الطوائف بنسبة معينة ام انها يجب ان تأخذ بالاعتبار مشاركة الطوائف عبر من يمثلهم في اتخاذ القرارات؟
في هذا الإطار تمكن الاشارة الى ان الدستور قد وزّع <<كوتا>> المقاعد النيابية بين الطوائف لتحقيق عدالة التمثيل اما بالنسبة للحكومة فترك تحقيق مثل هذه العدالة للعبة السياسية وتوازنات القوى في الوقت الذي تتشكل فيه الحكومات. وبذلك تكون عدالة التمثيل النيابي للطوائف محدّدة دستورياً بينما بقيت عدالة التمثيل الطائفي رهن التطورات اي محكومة بالآنية. وفي اللحظة الحاضرة وعندما تشكلت الحكومة ترجمت عدالة التمثيل الطائفي فيها بتوزير الوزراء الذين علّقوا مشاركتهم فيها اليوم. وهذا التعليق، وحتى عقد جلسات مجلس الوزراء في ظل استمراريته يعطل دستورية الجلسات كونه جاء شاملاً من طائفة معينة ولا يكفي ان يكون اسماء الوزراء المعلقين عضويتهم ولم يستقيلوا للقول بوجود عدالة في تمثيل الطوائف في الوزارة. فلو كان من بين الوزراء الشيعة مَن لم يعلق عضويته، لكان الأمر قد أخذ منحى آخر حتى يمكن القول عندها إن العدالة مؤمنة مازالت الطائفة لها من يمثلها في اتخاذ القرار. ولهذا يمكن القول ان المعطيات المستمدة من النصوص الدستورية وفي مقدمتها المادة 95 تجنح نحو اعتبار القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء في ظل تعليق وزراء طائفة بأجمعهم لمشاركتهم في الجلسات احتجاجاً غير دستوري كما يمكن اعتبار جلسات مجلس الوزراء التي تنعقد في غياب كل الممثلين عن طائفة معينة في تلك الجلسات غير دستورية وقابلة للطعن امام الجهات القضائية المختصة.
وما يمكن قوله هنا إن قرينة اعتبار جلسات مجلس النواب دستورية في حال غياب نواب طائفة عن الحضور وعدم اعتبار جلسات مجلس الوزراء، كذلك في حال غياب كل ممثلي طائفة معينة عن الجلسات غير دقيقة لاعتبارات عديدة. ففي النيابة يمثل النائب <<الأمة جمعاء>> وفق النص الدستوري. وبذلك فإن عملية التغيّب لا تكون سبباً لنقص عدالة التمثيل. كما يمكن القول إن القرارات المتخذة على المستوى النيابي (قوانين) تبقى قابلة للطعن من قبل النواب انفسهم وبالتالي يمكن تصحيح الاجراء المتّخذ. اما بالنسبة لمجلس الوزراء فالأمر غير ذلك تماماً؛ لأن <<العدالة>> ارتبطت بالتمثيل الطائفي وان كان الوزير يأتي من طائفة ليصبح وزيراً لكل لبنان. فالوزير هنا يمثل طائفته اولا بينما النائب يمثل كل لبنان. كما ان الوزراء لا يملكون حق الطعن بقرارات مجلسهم الأمر المتاح امام النواب.
من هذه الزاوية يمكن القول ان مسألة تعليق وزراء طائفة في الحكومة مشاركتهم في جلسات مجلس الوزراء تطرح قضية ترتبط بصلب صيغة الحكم والنظام، وبذلك فهي تتعدى في آثارها المسألة التي أدّت الى اتخاذ قرار التعليق رغم اهمية ذلك. وبهذا المعنى فإن ما هو مطلوب من الجميع فتح ملف القضية المطروحة من الأساس المتعلق بفهم ما ورد في المادة 95 دستور وكيفية تفسيره. ففي نجاح هذه المحاولة يمكن التوصل الى حل المسألة المتفرعة عنها التي أدّت الى التعليق ويمكن بذلك، وهذا هو الاهم، <<القوطبة>> على إمكانية الوقوع في <<تعليق المشاركة>> في أوقات لاحقة.

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب والتنمية

 

 

 

 

دراسات في القانون الدستوري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية