المحامون وقانون التنصت

 

 

  بمناسة ما أعلنه  معالي وزير الاتصالات مروان حمادة عن نيته " إعداد مشروعي مرسومين لتطبيق القانون الخاص بالتنصت لضبطه ضمن الاصول القانونية " فاننا نود في هذا المجال أن نفتح ملفا" قديما" بعض الشيء يعود للعام  1999 عندما تقدم عشرة نواب بطعن بالقانون رقم 140/99  الخاص بالتنصت أمام المجلس الدستوري.

   انصب هذا الطعن على المادتين 15 و 16 من القانون المذكور غير أن المجلس الدستوري يومها وبعد أن عالج هاتين المادتين لجأ الى الصلاحية المعطاة له ليتصدى للمادة 8 من القانون رغم أن الطعن لم يتناولها ذلك أن المجلس عندما يراقب دستورية قانون ما " تطلق يده في اجراء هذه الرقابة على القانون برمته بمجرد تقديم المراجعة، وفقا للاصول وتسجيلها في قلم المجلس، دون ان يكون مقيدا بمطالب مستدعي الطعن " ( مقتبسة من نص القرار ).

   والمادة 8  المذكورة تعطي حصانة للمحامين في مواجهة التنصت بحيث لا يجوز لأجهزة الدولة التنصت على محام الا بعد اعلام نقيب المحامين  حيث كانت تنص: "لا يجوز اعتراض المخابرات التي يجريها المحامون الا بعد اعلام نقيب المحامين والتثبت من ان المحامي المقصود ارتكب او شارك في ارتكاب جناية او جنحة".

  ويبدو أن الحصانة الممنوحة للمحامين لم تعجب قضاة المجلس الدستوري في حينها . حيث رأى المجلس في قراره أن المحامين لا يتميزون عن باقي المواطنين اللبنانيين ومنحهم هذه الحصانة بالتالي يخل بمبدا المساواة أمام القانون المكرس في الدستور اللبناني حيث جاء في نص القرار ما حرفيته : " وبما ان هذا النص يشكل مخالفة واضحة لمبدأ المساواة امام القانون لانه يميز في المعاملة بين المحامين وغيرهم دون أي مبرر مستمد من احكام الدستور او من مصلحة عامة، او من وجودهم في اوضاع او مراكز قانونية مختلفة عن غيرهم من المواطنين " .

   وبما أن قرارات المجلس الدستوري مبرمة لا تقبل  أي طريق من طرق المراجعة ( المادة 51 من النظام الداخلي للمجلس ) فقد سرى هذا الحكم وتم تجريد المحامين من هذه الحصانة التي منحهم اياها المشترع .

   اننا نود استغلال ما اعلنه معالي الوزير حمادة لاعادة طرح هذا الموضوع  نفعا" للقانون وحرصا" على العدالة ودعما" لدولة المؤسسات عسى أن يؤخذ ما سندلي به بعين الاعتبار.

     المحاماة من الحماية , وهي مهنة عرفها القانون اللبناني بأنها " تهدف الى تحقيق رسالة العدالة بابداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق " ( م1 من قانون تنظيم المهنة ) ، فكيف يتذرع القرار بتمييز معاملة المحامين عن سواهم ؟ خصوصا" اذا عرفنا أن المادة 2 من نفس القانون تنص : "  تساهم المحاماة في تنفيذ الخدمة العامة ولهذا تولي من يمارسها الحقوق والحصانات والضمانات التي ينص عليها هذا القانون كما تلزمه بالموجبات التي يفرضها "

   فالمحامون هم "شركاء للقضاة اتخذوا مهنة لهم تقديم المشاركة القضائية والقانونية لمن يطلبها " (1) . من هنا كان استقلال المحاماة مكملا" لاستقلال القضاء ويشكل الاثنان معا" ركنا" أساسيا" لاقامة العدالة .

  " ان الفهم السليم للمحاماة يضعها في مكانها كجزء لا يتجزأ من سلطة العدل بإدراك الترابط العضوي بينها وبين القضاء وبإدراك أن المحامي أصبح جزءاً لا يتجزأ من المحكمة  :

أ.   فالمحكمة لا تنعقد أساساً إلا بوجود المحامي.

ب. ومهمة المحامي التعامل مع القاعدة القانونية كيف تفسر وكيف تطبق وتلك هي أيضاً مهمة القاضي .

ج.  والقرار القضائي السليم هو الذي يوصل إليه بعد حوار أفكار بين طرفين مهمتهما إجادة الحوار .

د.  والقاضي يعطي حكمه ويعتمد في قراره على حقائق القضية التي قدمها المحامون والذين قدموا الأدلة والمراجع ذات الصلة بالقضية " .(2)

      فالمحاماة " دعامة العدل ولا عدل بغير قضاء ولا قضاء بغير محاماة " (3)

    فالمحامي لا يمكنه أن يؤدي دوره ورسالته في نصرة العدالة ما لم يكن : " متحررا" من التدخل في شؤونه من قبل السلطات التنفيذية والتشريعية وحتى سلطة القضاء ، ومن قبل أي كان دون خوف  " ( 4 ) ولهذا فإن مفهوم الاستقلالية في أفضل تعبير هو " .. الكفاية الذاتية الوظيفية المصحوبة بأشكال المسؤولية التي تضمن أداء المحامي وظيفته بشكل يطمئن المتقاضين إلى من يمثلونهم ويثقوا فيهم وتخلق لدى المحامين القدرة على مقاومة كافة الضغوط والتدخلات من أي مصدر كان " (5) . وبعد كل هذا هل باستطاعة احد ان ينكر ما للمحاماة من دور رسولي في المجتمع يحتم أن يتميز القائمون بها بحصانة تحميهم وتقيهم الخضوع والتهديد ؟؟؟

   والتزام المحامي بعدم مخالفة القانون وبدوره المتميز في احقاق الحق مفروض عليه بطبيعة مهنة المحاماة والتي نصت المادة 3 من قانون تنظيمها : " لا يلزم المحامي بالتقيد بتوصيات موكله الا بقدر ائتلافها والضمير ومصلحة الموكل ".  وأيضا" المادة 5 : "  يشترط في من ينوي مزاولة مهنة المحاماة ان يكون: ..... رابعا: متمتعا بسيرة توحي الثقة والاحترام.
خامسا: غير محكوم عليه جزائيا او تأديبيا بسبب فعل يخل بالشرف او الكرامة.
سادسا: غير مصروف من وظيفة عامة او مهنة سابقة لسبب يخل بالشرف والكرامة "

    فحصانة المحامي انما تستمد من شخصه وليست بحاجة الى تزكية من أحد .

   ان هذه الحصانة التي نطالب بها للمحامين ليست غريبة عن نظام العدالة اللبناني ومنع التنصت على المكالمات الهاتفية للمحامين ليس امتيازا" يمنح لهم كما صور قرار المجلس الدستوري , بل هو نتيجة مكملة وبديهية لسائر النصوص القانونية التي تعنى بالموضوع والتي أنكر القرار وجودها .

  فالمواد من  74  الى 79 من قانون تنظيم المهنة تعطي المحامي من الحصانات الكثير : عدم جواز تفتيش مكتبه وأوراقه الا بعد ابلاغ النقابة , عدم جواز ملاحقة المحامي لفعل نشأ عن ممارسة المهنة او بمعرضها الا بقرار من مجلس النقابة , مساواة المحامي مع القاضي في كل جرم يقع عليهما أثناء ممارسة المهنة أو في معرضها .... الخ ,  بل ان المحامي محصن حتى في وجه مصلحة الضرائب ( م78 ). فكيف اذا" يتسق قرار المجلس الدستوري مع كل ما تقدم ؟؟ فاذا أضفنا ما ورد في المادة 92 عن سر المهنة وعدم جواز افشائه , الا تصبح مجمل النصوص السابقة من دون موضوع ؟؟؟

   نضع ما تقدم بتصرف معالي الوزير وسعادة نقيبي المحامين والسادة الزملاء المحامين من أعضاء المجلس النيابي .

                                                                                المحامي وسيم أحمد نابلسي

                                                              

(1) - المادة 6 من قانون نقابة المحامين النظاميين الأردني رقم 11 لسنة 1972 . ويقابلها المادة 1 من قانون المحاماة التونسي .

(2) -  " استقلال المحاماة " المحامي يونس عرب – الاردن ,  منشورة على موقع : محامون لبنانيون www.arabiclawyer.org   و موقع عرب للقانون www.arablaw.org .

(3) – د. زكي محفوظ ، إقامة نظام للعدالة يكفل استقلال القضاة والمحامين ، بحث منشور في مجلة الحق ، اتحاد المحامين العرب ، عدد 1و2 سنة 19 - 1988 ص 231 وما بعدها.

(4) – " استقلال المحاماة " المحامي يونس عرب .

(5) – د. زكي محفوظ , سبق ذكره .

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب والتنمية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية