السلفـة الـوقتية - دراسة تطبيقية

 

 منح الدائن سلفة" وقتية"، هو صلاحية خاصة، أدخلت ضمن اختصاص قاضي العجلة إلى جانـب اختصاصه العام ، بنص خاص قيـد بشـروط خاصة ، وردت في المادة 579 فقرة / 3/ أ.م.م. حيث نصت على ما يلي :

" في الحالة التي يكون فيها وجود الدين غير قابل لنزاع جدي ، يجوز لقاضي الأمور المستعجلة منح الدائن سلفة وقتية على حساب حقه " .

 

هذا الاختصاص فوضه المشترع للقضاء المستعجل دون سواه ، وذلك لمعالجة وحماية أوضاع وحقوق خاصة بالطرق الأجدر بالحماية ، بتدبير سريع ونافذ . 

 

وعلـيـه ، في بحثنا هذا سنتناول الفقرة المذكورة من المادة أعلاه بهدف التوسع في تفسيرها ، محاولين الإحاطة بجميع جوانبها ، وفقاً للنقاط الرئيسية الثلاث الجاري عرضها تباعاً:

    أولاً : الشروط المحددة قانوناً لمنح الدائن سلفة وقتية على حساب حقه.

    ثانياً :طبيعة السلطة الممنوحة لقاضي العجلة في هذا المضمار وحجية القرار الصادرعنه.

    ثالثاً : مقدار السلفة الوقتية المفترض منحها .  

 

أولاً : الشروط المحددة قانوناً لمنح الدائن سلفة وقتية على حساب حقه:

 

لتطبيق الإختصاص الخاص بالقضاء المستعجل ، اشترطت المادة 579 فقرة / 3/ محاكمات مدنية توافر شرط معين كافٍ مبدئياً بحد ذاته ،وهو: " أن يكون الدين غير قابل لنزاع جدي". بمعنى أن منح السلفة الوقتية لا يخضع لأي شرط سواه ، مما يفسح المجال للتساؤل عن مدى ضرورة وجدوى توافر شرطي الاستعجال وعدم التعرض لأصل الحق "!!. 

 نوضح أولاً أن تقرير منح الدائن سلفة على حساب دينه مرهون بكون هذا الدين غير منازع فيه جدياً أو أن النزاع فيه غير جدي .

إن عدم قابلية الدين لنزاع جدي لا يعني عدم وجود منازعة من قبل المديون وفقاً لشروحات البروفسور فايز الحاج شاهين ، كما أن طعن المديون بوجود أو بصحة أو بتوجب الدين لا ينفي عنه صفة الدين غير القابل لنزاع جدي ، ما يهم ويتجانس مع روح النص هو صفة الدين من الناحية الموضوعية بقطع النظر عن تسليم أو عدم تسليم المدعى عليه بطلب المدعي . فالمشترع أستعمل عبارة  " دين غير قابل لنزاع جدي " وليس عبارة  "دين غير منازع فيه".   

سنتناول الآن بحث المعايير الواجب اعتمادها من أجل تعريف الدين غير القابل لنزاع جدي إن من ناحية الدين أو من ناحية أسباب الدفاع التي يدلي بها المدعى عليه ، وإذا كان توافر شرطي العجلة وعدم التعرض لأصل الحق مشروط لأجل منح السلفة الوقتية .

 

1ـ المعياران الواجب اعتمادهما لتعريف الدين غير القابل لنزاع جدي :

 

أـ في شكل وصفة وخصائص الدين الذي تمنح السلفة من أصله :

 

        إن الدين المقصود بنص المادة 579 فقرة / 3/ محاكمات مدنية يتمتع بخصائص شكلية محددة:

أولاً : دين ثابت أكيد في مبدأ تحققه وتوجبه ، لا يثار شك حول وجوده أو صحته ، ولو لم

       يكن محدد القيمة .

ثانياً : دين مستحق الأداء لم يوفَ.

ثالثاً : دين غير قابل لنزاع جدي .

( يراجع بهذا الصدد قرار رقم 321 ت 17/3/97 ـ محكمة إستئناف بيروت المدنية ـ الغرفة الثانية عشر ـ الرئيس صادر والمستشاران اسكندر وعبدالله ـ النشرة القضائية ـ العدد الأول ـ ص 80 لعام 97 ) .

 

ب ـ في ما يدلي به المدعى عليه من أسباب دفاع :

يكون الدين غير قابل لنزاع جدي عندما تكون الأسباب التي يرمي بها المدعى عليه إلى رد طلب السلفة الوقتية غير حرية بالقبول ،وعلى العكس إذا كانت دفوع وأسباب دفاع المدعى عليه تثير الشك حول صحة هذه الأسباب إلى درجة نفي وجود الدين ، يكون الدين منازعاً فيه، وعلى قاضي العجلة أن لا يقرر منح سلفة وقتية على حسابه .

 

le critere de l'absence de contestation serieuse est constitue par L'evidence du droit son in  contestabilite  manifeste , la  certitude  absolue de son  existence .  

 

بالتالي لا يكتمل تعريف الدين غير القابل لنزاع جدي إلا إذا تحقق قاضي العجلة من توفر يقينين :

1ـ يقين بجدية الدين المطلوب سلفة وقتية بشأنه .

2ـ يقين بعدم جدية الأسباب التي يدلي بها المدعى عليه لرد طلب السلفة الوقتية .

وإن أي شك من شأنه أن يزعزع أحد هذين اليقينين ينزع عن الدين صفة الدين غير القابل لنزاع جدي .

 

وعليـه يخلص البروفسور شاهين إلى تعريف خاص للدين غير القابل لنزاع جدي بأنه "الدين الأكيد المستحق الأداء الذي لا تقوى عليه مزاعم المديون" . في حين تعرف المنازعة الجدية : " بأن لا تكون مشوبة النية وأن تكون مستندة إلى مرتكز مقبول، وأن تتصف بالوضوح والبداهة " .

( قرار محكمة إستئناف جبل لبنان المدنية ـ الغرفة الثانية ـ قرار رقم 54 ت 5/12/1985 منشور في مجموعة حاتم جزء 188 ص 757) .

 

فيتعين إذن على قاضي الأمور المستعجلة لأجل إتخاذ قراره بصدد منح السلفة أن يتحقق أولاً من وجود الدين ، وثم أن يعمد إلى تدقيق صفته حتى إذا وجده غير قابل لنزاع جدي قرر منح السلفة المطلوبة ، وعليه أن يوضح في قراره أن الدين غير قابل لنزاع جدي كي لا يتعرض قراره إلى الإبطال لفقدان الأساس القانوني .    

بالتالي يكون شرط التحقق من عدم قابلية الدين لنزاع جدي شرط جوهري ، لا يمكن للفرقاء الإتفاق على مخالفته لتعلقه بالإنتظام العام ، وعليه يتوجب على قاضي العجلة إثارته عفواً في معرض النزاع .

 

2ـ عدم وجوب توافر شرطي العجلة وعدم التعرض لأصل الحق في معرض ممارسة القضاء المستعجل لإختصاصه الخاص :

 

أن الصلاحية المعطاة للقضاء المستعجل بموجب المادة 579 فقرة /3/ أ.م.م. مستقلة بحسب مفهوم صياغة الفقرة المذكورة عن الصلاحية العادية المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة نفسها . 

ففي الفقرة الأولى من المادة المذكورة حصر المشترع صلاحية قاضي العجلة العادية بالنظر في " طلبات إتخاذ التدابير المستعجلة " وقيدها بشرط " عدم التعرض لأصل الحق " .

أما الفقرة الثالثة الخاصة بمنح السلفة الوقتية فنصت على شرط وحيد هوعدم قابلية الدين لنزاع جدي دون أن تتضمن تعابير تفيد تحقق عنصري العجلة وعدم التعرض لأصل الحق ، مما يوحي وفقاً للصياغة الواردة للمادة 579 فقرة /3/ أ.م.م. أن نية المشترع اتجهت إلى الإستغناء عن الشروط العامة المفترض تحققها لممارسة قاضي العجلة لإختصاصه العام .

فالمدعي لا يجبر مبدئياً أن يثبت أنه بحاجة ماسة إلى السلفة الوقتية أو أن التأخير بمنحها يلحق به ضرراً  محدقاً . 

كما نضيف أنه يستحيل عملياً على قاضي الأمور المستعجلة التحقق من قابلية أو عدم قابلية وجود الدين المطلوب سلفة وقتية بشأنه لنزاع جدي دون التعرض لأصل الحق .

بهذا المعنى حلمي الحجار ـ القانون القضائي الخاص ـ رقم 845 الذي أعتبر : " أن إلزام المدعى عليه بدفع سلفة على حساب حق المدعي ينطوي ولا شك على بعض التعرض لأصل الحق ، ولذلك نص القانون الجديد الذي استحدث هذه القاعدة على أن تبقى للسلفة الصفة الوقتية بحيث أنها لا تؤثر على أصل الحق عند بحثه من قبل محكمة الأساس " . 

نشير في هذا المضمار إلى أن قاضي الأمور المستعجلة عندما يعرض عليه طلب سلفة وقتية إنما صلاحياته في هذا الإطار تكون كصلاحيات قاضي الأساس ولا يكتفي بظاهر الحال إنما يتوجب عليه الغوص في أساس الحق . فإذا كان الحق المطالب على أساسه سلفة وقتية غير قابل لنزاع جدي عندئذٍ يقضي بالسلفة التي يراها مناسبة . 

بهذا المعنى :

 

Encyclopedie  Dalloz ; Refere  provision no 237 _  Les meilleurs  auteurs ont dit surce sujet tout ce qu'il avait a dire et ont soulegne L,originalite de cette innovation par Laquelle  et donne au juge des referes Le pouvoir de prononcer une condamnation en apprehendant Le fond "  .

( إستئناف بيروت ـ الغرفة الثالثة المدنية ـ رقم 935 ت 12/10/95 الرئيس زيادة والمستشاران الحجار وعواد ) .

نستنتج أن قاضي العجلة متحرر مبدئياً من التحقق في توافر شرطي العجلة وعدم المساس بأصل الحق .

 

ولكن إذا عرفنا العجلة بأنها الضرر الناشىء عن مجرد الإمتناع عن تسديد دين أكيد مستحق الأداء ، وإذا عرفنا عدم التعرض لأصل الحق بعدم المس المطلق بسلطة قاضي الأساس بأن يفصل النزاع بصورة نهائية ، يكون شرط عدم قابلية الدين لنزاع جدي متضمناً بحد نفسه شرطي العجلة وعدم التعرض لأصل الحق .

 

ثانياً : في طبيعة السلفة الممنوحة لقاضي العجلة وحجية القرار الصادر عنه :

 

في طبيعة السلطة الممنوحة لقاضي العجلة بمنح الدائن سلفة وقتية على حساب حقه:

 

نصت المادة 579 فقرة /3/ أ.م.م. على أنه " يجوز لقاضي العجلة منح الدائن سلفة وقتية على حساب حقه " . 

أن الإجازة الممنوحة لقاضي العجلة بمقتضى هذا النص بمنح الدائن سلفة وقتية على حساب حقه تثير التساؤل حول طبيعة السلطة المعطاة له في هذا المجال ، فهل إنها سلطة أستنسابية أم مقيدة ؟

 

رأي للبروفسور شاهين : متى تحقق الشرط المفروض في المادة 579 محاكمات مدنية ، فإن قاضي العجلة يصبح مقيداً بمنح السلفة الوقتية وذلك حماية للدائن صاحب الحق الساطعة جديته، وهذه الحماية لا يمكن تأمينها عن طريق السلطة الإستنسابية بل عن طريق السلطة المقيدة .

  

2ـ في حجية القرار الصادر عن قاضي العجلة أمام محكمة الموضوع وأمام القضاء المستعجل نفسه:

 

تنص المادة 584 أ.م.م. : " لا تكون لقرار قاضي الأمور المستعجلة حجية القضية المحكوم بها بالنسبة لأصل الحق . إنما لا يجوز له تعديله أو إلغاؤه إلا إذا طرأت ظروف جديدة تبرر ذلك " . 

تطبيقاً لروح النص المذكور يتصف القرار المستعجل بالطابع المؤقت الذي يتخذ صيانة للحقوق الظاهرة كما سطعت من ظروف الدعوى وظاهر المستندات ولا يمكن أن تكون له حجية القضية المحكوم بها على الحكم الذي يصدر في موضوع الحق عن قضاة الأساس ، وبالتالي لمحكمة الموضوع أن تصدر حكماً معاكساً يعدل أو يلغي ما كان قد قضى به القرار المستعجل . وبكل الأحوال لا بيقى للتدابير المستعجلة التي أتخذها قاضي العجلة أي مبرر بعد فصل أساس النزاع وتعيين الحقوق بشكل نهائي من قبل محكمة الأساس .  

من جهة أخرى ، يكون للقرار المستعجل حجية القضية المحكوم بها أمام القضاء المستعجل نفسه ، فلا يجوز له تعديله أو إلغاؤه إلا إذا طرأت ظروف جديدة تبرر ذلك . بمعنى أن أحكام قاضي العجلة تقيده كما تقيد طرفي الخصومة ، طالما بقيت ظروف الدعوى وظاهر المعطيات المطروحة على حاله. ( يراجع مجموعة حاتم 28ص30 محكمة إستئناف بيروت رقم 851 ت 9/7/1956 )

 

الاستثنـاء :

يأتي هذا الاستثناء تماشياً مع الاختصاصات الخاصة التي فوضها المشترع القضاء المستعجل بمنح الدائن الذي لا يقوم نزاع جدي حول وجود أو صحة دينه سلفة على حساب هذا الدين .

وعلى ذلك فإن حجية هذا القرار رغم كونها حجية مؤقتة بالنسبة إلى الموضوع الذي يمكن أن تقام الدعوى به أمام المحاكم العادية من حيث المبدأ ،ألا أنها تقترب عملياً من حجية القرار الصادر في الموضوع بمعنى أن له أثراً معادلاً فعلياً لأثر القرار الذي يصدر في الموضوع إن لم يكن أثراً أقوى لاقترانه بالتنفيذ المعجل بقوة القانون ( أنظر ادوارد عيد ـ موسوعة أصول المحاكمات ـ الجزء 9 ) .  

فالقرار الذي يصدر بمنح سلفة تعادل كامل الدين له أثر حتمي على قضاء الموضوع، إذ أن المدعي الذي حصل على كامل دينه لا يبقى بحاجة للجوء إلى محاكم الموضوع للمطالبة بأي رصيد للدين . كما أن المدعى عليه لا يجد مصلحة بمراجعة محكمة الموضوع بعد أن أقر القضاء المستعجل عدم قابلية الدين لأي نزاع جدي .

 

ثالثاً : في مقدار السلفة الوقتية :

 

نشير أولاً أن مقدار السلفة لا يمكن أن يتجاوز مقدار الدين المطلوب سلفة بشأنه .

إن " السلفة " بمعناها الحرفي تعرف منطقياً : "بأداء جزء فقط من مبلغ الدين ودون الوصول إلى أداء كامل الدين ". 

الاتجاه الغالب في العلم والإجتهاد في لبنان وفرنسا يميل إلى جعل السلفة تعادل المبلغ غير القابل لنزاع جدي من الدين المدعى به . فإذا كان الدين ثابتاً بسند أو عقد ولا يثور نزاع جدي حول وجوده وحول مبلغه ، فيمكن إذن أن تبلغ السلفة المقررة كامل هذا الدين دون أن تنزع عنها وصف السلفة على مبلغ الدين ، لأن من جوهر السلفة أن تكون مؤقتة لا أن يكون مقدارها أدنى من مقدار الدين .

( يراجع بهذا الشأن : قاضي الأمور المستعجلة في بيروت قرار رقم 7/4/1986 مجموعة حاتم 188ص 746 وما يليها.

cezar ـ bru  hebraud , scegnolle , Odoul ـ juridiction du president du tribunal des Referes , tome , seme edition , N= 67 , page B4 dernier alinea:

" Les juges des referes , tout au moins ceux de La region parescene , ont tendance a accorder a titre de provision le montant intergal de La dette  (.

 

 خلاصة البحث :

 

إن النص الذي يجيز لقاضي الأمور المستعجلة منح الدائن سلفة وقتية على حساب حقه ساهم في ترقية دور ومهام قاضي العجلة بشكل جعله لا يقل شاناً عن دور ومهام قاضي الأساس، كما وأجاز له في كثير من الأحيان أن يتصرف تصرف القاضي الناظر في الأساس، خاصة وأنه عمليا ًبفضل تطبيق هذا النص يصبح للمتقاضين شعور بأن النزاع قد إنتهى أمام قاضي العجلة ،وبأنه لن يظهر مجدداً أمام قاضي الأساس .

 

المراجع المستند إليها :  

 

ـ ادوارد عيد ـ موسوعة أصول المحاكمات والإثبات

ـ البروفسور فايز الحاج شاهين : سلطة قاضي العجلة بمنح الدائن سلفة وقتية

ـ حلمي الحجار : القانون القضائي الخاص

ـ مجموعة أجتهادات حاتم

ـ مجموعة أجتهادات محمد علي راتب

 

 

                إعداد الزميلتان :  زهرة الجسر و ميساء الزيلع .

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب والتنمية

 

الانتخابات النيابية

دراسات و ابحاث

حملات الكترونية

قضايا

مواقع محامين

دليل المحامين

وثائق و تقارير

عروض الكتب

مواقع هامة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محامون لبنانيون - الصفحة الرئيسية