الجوانب القانونية  للحرب على العراق

 

 

د. سليمان عبد المنعم

الحرب على العراق أو الغزو العسكري للعراق موضوع تتعدد جوانبه القانونية بما يتجاوز بكثير حدود هذه المحاضرة سواء من حيث الوقت أو من حيث منهج التحليل. فهناك أولا سؤال البدء والنهاية. حول مدى مشروعية الحرب في ذاتها.

ثم تتوالى الأسئلة المتعلقة بمخالفات وانتهاكات قوات الغزو لأحكام اتفاقيات جنيف والنتائج المترتبة على ذلك، وهي يمكن استدعاء نظام المحكمة الجنائية الدولية التي تهربت منها أميركا لكن ما زالت هناك بريطانيا حتى تنتهي الأسئلة بقضية المطالبة بتسليم بعض المسؤولين والسياسيين  العراقيين.

ولسوف تقتصر هذه المحاضرة  لضرورات  الوقت ومقتضيات  المنهج ، على موضوعين أساسيين هما: مخالفات وانتهاكات قوات الغزو لأحكام اتفاقيات جنيف التي تشكل قوام ما يسمى بالقانون الإنساني الدولي ومدى مشروعية المطالبة بتسليم رموز الحكم العراق من المسؤولين والسياسيين، ولكن بالإضافة لهذين الموضوعين فإنه يجدر التقديم لهذه المحاضرة بموجز عن خلفية مشهد الغزو لأن رؤية القانون الإنساني الدولي تبدو أكثر وضحوا بالنظر لخلفيته السياسية في عصر محكوم بمظاهرة تسيس القانون) ثم أنهى هذه المحاضرة آملا بصياغة بعض المقترحات.

وهكذا أقسم موضوع محاضرتي إلى أقسام أربعة:

أولا : مقدمة عن خلفية مشهد الغزو العسكري للعراق.

ثانياً : مخالفات وانتهاكات قوات الغزو لأحكام اتفاقيات جنيف ومجمل قواعد القانون الدولي الإنساني بصفة عامة.

ثالثاً : مدى مشروعية المطالبة بتسليم بعض المسؤولين والسياسيين العراقيين .

رابعاً : ماذا عن الدروس المستفادة ماذا نحن فاعلون.

 

 

 

أولاً : خلفية مشهد الغزو: ضعف فطمع فغزو فاختلال:

من المؤكد أن مشهد الغزو العسكري للعراق يظل محكوما بقانون السببية ، والسببية لا تفسر لنا فقط علوم الفيزياء والكيمياء بل تفسر لنا أيضا صراعات الأمم وتقدم بعضها وتخلف البعض الآخر. فالضعف العربي  متواصل منذ عقود لأسباب معقدة ومتشابكة،

ضعف نفسي أولا: عرب يعانون من الهواجس والشكوك المتبادلة وشعوبيات تفيض بالحساسيات غير المفهومة وغير المبررة

وضعف فكري خلاصته غياب مشروع عربي قومي عقلاني يوفق بين حلم الوحدة ومصالح الشعوب ليقع في الثنائيات الخاسرة التي تستنزف وقت الأمم وجهدها كثنائية الثورة والحرية القومية والقطرية والتراث والحداثة  فاعتقدنا  أن الانحياز لأحد الخيارين يعني بالضرورة استبعاد الآخر ولم ندرك مغزى التجربة  الصينية  حيث استطاعت الصين مثلا أن تقفز على هذه القضايا المصطنعة، وأن تحمي شخصيتها وطموحاتها  القومية وأن تلاحق العصر قبل أن يتجاوزها وأن تجيد التعامل في ذكاء مع حركة التاريخ.

الضعف الاجتماعي. اقتصادي خلاصته 65 مليون عربي من الأميين ونسبة استمثار في البحث العلمي لا تزيد على 5 بالمئة وهي ربع المتوسط العالمي وما زال النفط يمثل70 بالمئة من الصادرات. وما ترجمه  العرب منذ عهد الرشيد حتى الآن لا يزيد عما تترجمه دولة مثل أسبانيا كل عام ثم ضعف سياسي يتحمل وزره النظام السياسي العربي والشعب العربي في آن معا وهو ضعف استفحل وتفشى حتى كانت لحظة إسدال الستار التي شهدناها بغرائبها وأسرارها ليلة التاسع من نيسان حين صحونا لا نعرف تحديدا ما الذي جرى الضبط لكننا عرفنا أن بغداد قد سقطت وهكذا أسدل الستار إذن على مشهد الضعف العربي.

هذه لمحة عن الضعف العربي يقابلها طمع أميركي لم يكن مفاجئا لأحد وهو طمع ذو شهية مفتوحة فالتقدير السري لاحتياطي البترول العراقي هو 220 مليار برميل أي حوالي 22 بالمئة من الاحتياطي العالمي وهو ما يكفي لعدة قرون مقبلة في حين أن احتياطي دول عربية بترولية أخرى لا يزيد في أحسن الأحوال عن 70 عاما .

واحتياطي  أميركا نفسها يقدر بنحو عشر سنوات كما أن العراق أصبح يمتلك ليس فقط السلاح فتلك ذريعة  ليس أكثر بل كان العراق يخيفهم لامتلاكه علوم وتكنولوجيا إنتاج الأسلحة المتطورة.

ولم يكن النفط فقط ما يثير الطمع بل الشهية الإمبراطورية الجديدة وتحالف ما يعرف باليمين الأميركي الجديد مع الصهيونية العالمية وشركات السلاح والنفط جاء ذلك كله مدعوما بحيثيات وتفسيرات عديدة:

منها ما هو ديني ومنها ما يتعلق بالصراع الحضاري ومنها ما يتعلق بنظرية تصريف فائض  القوة، وقد أصبحت أميركا ذات فائض يحتاج إلى تصريف  وغزو هنا وحرب هناك تستوعب تصريف هذه القوة لتعيد تدوير قطاع صناعة السلاح والدمار من جديد وتنبعث  خرائط من الماضي السحيق.؟ ومن الحيثيات أخيرا ما يتعلق باستباق التنافس مع قوى عالمية جديدة كالاتحاد الأوروبي وربما الصين، وأيا كانت هذه الحيثيات والتفسيرات فالمؤكد أن مشهد  الغزو كان تعبيرا عن طمع أميركا خفي إزاء ضعف عربي معلن .

فلماذا إذا لا يكون الغزو العسكري؟.

وبينما كان الطرف الغازي يمارس الخداع كما العادة كانت ذرائع الغزو تسقط الواحدة تلو الأخرى بقدر ما كنا نقترب من الحادي والعشرين من آذار. يوم سقوط القذائف الذي تصادف  أن كان يوم بداية الربيع فأية مفارقة . الذريعة الأولى كانت الديموقراطية .

 فنصبت أميركا نفسها وصيا جديدا على كل اليتامى المحرومين  من الديموقراطية بينما يؤكد التاريخ الحديث أنه من بين 18 حالة لتغيير أنظمة حكم بالقوة في العالم لم تنجح أميركا إلا في إقامة حكم ديموقراطي  في خمس حالات فقط هي ألمانيا واليابان وإيطاليا وبنما  وجزر ينارا مع الاختلاف الكبير في الظروف  والملابسات وأيضا المبررات وبينما احتاجت أميركا في ذروة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيات السابق إلى حشد أربع حاملات طائرات فقط لردع الجيش السوفيتي الأحمر. فإنها هذه المرة حشدت سبع حاملات طائرات خمس في الخليج واثنتين في البحر المتوسط وحوالي 300 ألف مقاتل.

فهل يصدق عاقل أن أميركا كانت تحتاج حقا لهذه القوة الهائلة التي لم يعرفها العالم منذ معارك برلين وستاليغراد لمواجهة  جيش منهك بعد 12 عاما من العقوبات الدولية والحصار أما القول بامتلاك العراق لسلاح الدمار الشامل فقد كانت ذريعة وربما فضيحة في آن معا، وإلا فهل نعرف لماذا خطف المندوب الأميركي في مجلس الأمن تقرير العراق المقدم لمفتشي  الأمم المتحدة عما تبقى لديه من أسلحة دمار شامل في واقعة  تصلح لبرنامج غرائب وطرائف.؟

الإجابة أن الإدارة الأميركية أرادت أن تحذف من التقرير الإشارة إلى أن أكثر من 25 شركة أميركية عملاقة تولت توريد معظم أسلحة الدمار الشامل إلى العراق أثناء حربها ضد إيران، ألم يقل هنري كسينجر، عن هذه الحرب  إنها أول حرب في التاريخ أتمنى  ألا يخرج بعدها منتصر، وإنما يخرج طرفاها وكلاهما مهزوم.

ضعف فطمع فغزو فاحتلال ومن مشهد الغزو إلى مشهد الاحتلال.

ليس هناك ما يسمع سوى دوي  أم القنابل وكأن أميركا أرادت أن ترد علينا السخرية بسخرية أشد منه فمن أم المعارك إلى أم القنابل يا عربي لا تحزن ومن مشهد الغزو إلى مشهد الاحتلال تتوالى  الصور التي تمثل سقوط بغداد وسقوط القيم الأميركية في آن معا.      

فها هن فتيات صغيرات حالمات  يتظاهرن لعالم أكثر عدلا وسلاما ويضربن في  أميركا أمام كاميرات الصحفيين  معارضون يتم اعتقالهم ورموز متوجه بجوائز نبول يتم إهانتهم واعتقالهم أيضا أي ذهبت حرية التعبير؟ وكيف انتهكت حرية الإعلام ؟ ولماذا حجبت الحقيقة عن الجميع وبأي أيد قتل طارق أيوب،

وتواصل سقوط القيم الأميركية حتى بلغ  إهانة كل من جاهر برأي مخالف حتى من الحلفاء في باريس وبرلين؟ وقوطعت السلع فرنسية فأين حرية تبادل السلع وأين قيم الاقتصاد الحر ومن أطلق  النار على الصحفيين والأطفال والأفكار والحقائق حتى سقطت بغداد في مشهد يعجز صمويل بيكيت رائد مسرع العبث عن تصوره. بقينا نحن المشاهدون نحاول فك الأسرار والطلاسم دون جدوى. هذا عن خلفية المشهد أما المشهد ذاته فسرعان ما رأينها مجللا بدماء الأبرياء والدمار الذي شهد عليه دجلة والفرات والقنابل العنقودية والذكية  والغبية التي ضلت طريقها وقذائف اليورانيوم المنضب وصور الأسرى المعصوبة عيونهم  بأكياس القمامة والنساء اللاتي لم تحترم أعراضهن ولا حيائهن والأطفال مبتوري الأذرع ودور العبادة المدمرة، والمتاحف والجامعات وشواهد التاريخ وقد نالها من الدمار دمار كل هذه أفعال محظورة  بحكم القانون الإنساني الدولي قبل أن تكون ممجوجة بحكم الضمير.

ثانيا : مخالفات وانتهكات قوات الغزو لأحكام  اتفاقيات جنيف الأربعة ومجمل قواعد القانون الإنساني الدولي:

تمثل اتفاقيات جنيف الأربعة بملحقيها الإضافيين الأول والثاني صلب القانون الإنساني الدولي بالإضافة لما هنالك من اتفاقيات دولية أخرى وقرارات  الأمم المتحدة ذات الصلة وتكاد الاتفاقيات تمثل ما يمكن تسميته بقانون الحرب أي القانون الذي ينظم سلوك المتحاربين وحقوقهم وواجباتهم، وقد أبرمت هذه الاتفاقيات في جنيف ويبلغ عدد الموقعين عليها 190 دولة والاتفاقيان الأولى والثانية لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان والبحار والاتفاقية الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب، والاتفاقية الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. أما الملحق الإضافي المبرم في سنة 1977 فيتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية والملحق الثاني المبرم أيضا في سنة 1977 فيتعلق بضحايا  المنازعات  المسلحة غير الدولية.

وقد كشفت متابعة الغزو ومراحله المختلفة التي أفضت إلى واقع الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق عن مخالفات وانتهاكات لأحكام  اتفاقيات جنيف  ولأحكام القانون الإنساني الدولي الأخرى .

ولعل السؤال الأول الذي يجب البدء به هو مدى إلزام اتفاقيات  جنيف ,ومن المعروف أن مخالفة أحكامها و أحكام قوانين الحرب عموما ترتب نوعين من الجزاءات : جزاءات عامة توقع على الدول المخالفة ذاتها. وهو جزاء قد يشكك البعض في إمكانية توقيعه في مواجهة دولة كالولايات المتحدة  الأميركية .

وجزاءات  شخصية توقع على الأشخاص الذين ارتبكوا هذه المخالفات. وثمة ملاحظات ثلاث بشأن هذا السؤال: الملاحظة الأولى، معاقبة مرتكبي جرائم الحرب وان لم يتيسر تطبيقها في الحرب العالمية الأولى حيث رفضت هولندا تسليم الإمبراطور الياباني للحلفاء إلا أنه تم توقيع بعض الجزاءات على بعض أفراد  القوات الألمانية وثم تأكدت القوة الإلزامية  لقوانين الحرب في الحرب العالمية الثانية فأنشئت محكمتي نورمبرج وطوكيو  بموجب اتفاق بين أميركا وبريطانيا وروسيا وفرنسا وصدرت قرارات عن هذه المحاكم ووضعت بالفعل موضع التنفيذ  وقد يقول قائل وهل يمكن فرض اتفاقيات  جنيف على قوة عظمة كأميركا؟ أجيب قد تبدو المسافة هائلة بين حكم القانون وحكم السياسة ولكن لماذا لا نناضل قانونيا فقد جربنا النضال العسكري، والنضال السياسي ولقد آن أوان النضال القانوني.

الملاحظة الثانية: إن اتفاقيات جنيف التي حلت محل الاتفاقيات السابقة عليها والمنظمة  للحرب هي اتفاقيات ذات طابع ملزم لا شك فيه. وأن ظاهرة تسييس  القانون الإنساني الدولي لا يجب  أن تحبط قوى السلام وضحايا الحروب .صحيح أن هذا التسيس واقع لكنه ليس قدرا محتوما بل يمكن بإرادة دولية وبرأي عام عالمي مستنير ومناضل فرض إلزام هذه الاتفاقيات ولعل تأمل نص المادة الأولى الذي تكرر في الاتفاقيات الأربعة يؤكد هذه القوة  الإلزامية واللافت  للنظر في هذه المادة  الأولى أنها تنص على أن تتعهد  الدول الأطراف المتعاقدة بأن تحترم هذه الاتفاقية وتفرض احترامها في جميع  الأحوال.

والمتأمل لهذا النصر يكشف على الفور  أن أحكام  اتفاقيات  جنيف ملزمة ليس فقط للدول المتعاقدة والمتحاربة  التي تخالف أحكام  الاتفاقية بل أيضا لكافة الدول الأخرى غير المتحاربة في أن تفرض احترام  الاتفاقية على الدولة المتحاربة التي تخالفها. ويؤكد أن النص الإنجليزي للاتفاقية ذات المعنى وهو يقول:

to respect and for respect

a respecter et a faire respecter والنص الفرنسي أيضا وهو يقول. هذا يعني إذن أن أميركا ليست وحدها الملزمة  باتفاقية جنيف، بل أن كل دول العالم الموقعة على هذه الاتفاقات ملزمة بحكم المادة أن تفرض احترام أحكام الاتفاقيات على أميركا ذاتها هذا هو مؤدي التفسير المنطقي لنص في غاية  الوضوح لا يحتاج إلى تأويل.

الملاحظة الثالثة: إن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ودخولها حيز النفاذ منذ يوليو سنة 2002 يعطي لاتفاقات جينف قوة إلزامية غير مذكورة  إذ يصبح ممكنا ملاحقة  كل من ارتكب جريمة حرب من الجرائم المنصوص عليها في هذه الاتفاقيات أمام هذه المحكمة وفقا للمادتين  8و5 من نظام روما الأساس المنشئ للمحكمة  صحيح أن الولايات  المتحدة لم تنضم سوى لاتفاقات جنيف دن ملحقيها الإضافيين ، كما أنها لم تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية بل سحبت توقيعها . ولكن اشتراك بريطانيا  في الحرب وبعض الدول الأخرى يعيد طرح المسألة لأن هذه الدول منضمة  إلى ملحق اتفاقيات جنيف وإلى اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية.

أما السؤال الثاني: فهو سؤال جوهري: ما مدى مشروعية  الحرب؟ لنلجأ إلى ميثاق  الأمم المتحدة الذي لم يفرق في الحظر بين الحرب العدوانية وغيرها مثلما يستخلص من نص المادة الثانية من الميثاق في فقرتيها  الثالثة والرابعة: والمادة  33 من الفصل السادس الخاصة بحل المنازعات حلا سلميا. والحالة الوحيدة  التي تكون فيها الحرب مشروعة هي تلك التي تتم في حالة الدفاع عن النفس وفقا للمادة 51 من الميثاق. المؤكد إذن أن الحرب غير مشروعة ،وبالتالي باطلة, وليس هناك في العالم من يرى غير ذلك سوى أميركا يقول الأميركيون أن قرار مجلس الأمن 1441 يمثل الغطاء الشرعي لهذه الحرب،  حسنا إذا كان الأمر كذلك فلماذا  استماتت أميركا في محاولة استصدار قرار جديد من مجلس الأمن يخول لها القيام بالحرب ثم سرعان ما سحبت مشروع القرار بعد أن تأكد لها عدم توافر الأغلبية المطلوبة. أما عبارة  (عواقب وخيمة) التي تضمنها القرار 1441 فلا يمكن أن تعنى الحرب،وهي قد جاءت تعديلا لمشروع القرار الأصلي والذي كان ينص صراحة على اللجوء للحرب. ولا يمكن لقانوني حين يقارن بين الصياغة الأصلية  لمشروع القرار ونص القرار الصادر بالفعل أن يفسر العواقب الوخيمة بالحرب. سيما اذا رجع إلى جلسة مجلس الأمن في 7 آذار الماضي ليراجع ما سجله الأعضاء الدائمون من مواقف رسمية  فوزير الخارجية  الفرنسي دو فيليبان يسجل أن فرنسا لن تسمح بإصدار  قرار يخول استخدام القوة  بشكل تلقائي بما يعين صراحة أن القرار 1441 لا يجيز  ذلك بالمرة، أيفانوف الروسي يقول ما زالت إمكانيات نزع السلاح بالطرق السلمية قائمة ، وليس هناك حاجة إلى قرار جديد وفيشر الألماني يضيف بدوره ليس هناك حاجة لقرار ثان وناتج شيو أن الصين يؤكد لا نؤيد إصدار قرار جديد لاسيما إذا كان هذا القرار يفرض استخدام القوة.

ولا شك أن اعتبار الحرب غير مشروعة يقود إلى اعمال  المبدأ القانوني أن كل ما يترتب على باطل فهو باطل، وهو مبدأ يمكن أن يرتب بدوره نتائج  بالغة الأهمية على صعيد الواقع وخصوصا في تداعياته السياسية الاقتصادية والمالية مثل تجميد الأرصدة  العراقية أو مصادرتها ولعل ما يعزز عدم مشروعية الحرب ويدمغها بصفة الحرب العدوانية عدم العثور حتى الآن على أسلحة  الدمار الشامل، وهي التي تمثل صلب القرار 1441 وهو حتى كما رأينا لم يكن في ذاته سندا شرعيا للحرب  فأين هي حقا  هذه الأسلحة ولماذا لم تقبل أميركا، ولا تقبل حتى الآن مشاركة دول أخرى طالبت بالمساعدة في البحث عن هذه الأسلحة  لقد أجاب كولن باول على هذا السؤال بالحرف الواحد  نحن لا نشعر  بحاجة لإجراء مناقشات مع هذه  الدول لأن الحملة العسكرية ما زالت جارية وبعد الانتهاء من العمليات العسكرية سنرى عندها نوع المساعدة التي يمكن أن تقدم لنا"، وها قد انتهت العمليات العسكرية ولم تقبل أميركا بهذه المساعدة بل أن التصريحات الأخيرة للمسؤولين  الأميركيين بشأن عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل تثير خيبة الأمل بقدر  ما تؤكد الاقتناع  بأن الاستهانة الأمريكية  بالعالم والقانون الدولي قد بلغت مداها، فهل يعني ذلك أن هناك نية أميركية مبيتة للعثور على هذه الأسلحة على طريقة الإبهار والخدع السينمائية إياها وهل يمكن الاستعانة بخيال مدينة هوليود لنصحو ذات صباح وقد تم العثور على هذه الأسلحة؟ لا شيء مستبعد.

ويحاول الأميركيون  تبرير الحرب على العراق تحت ذرائع  أخرى كالحرب الاستباقية .

وكانت أميركا تردد ذلك المفهوم كثيرا قبل الحرب ولكن بعد أن رأينا في الواقع  حدود القوة العراقية فهل كانت القوة المتهالكة المجهدة بتأثير الحصار والعقوبات  تبرر حقا الحرب الإستباقية  أما السبب الثاني فمؤداه  انتفاء  كل أو أي صلة بين العراق وتنظيم القاعدة رغم محاولات أميركا الحثيثة  لاستخلاص وجود هذه الصلة.وأخيرا يكمن السبب الثالث تحديدا في تقارير المفتشين فما تضمنته هذه التقارير ينفي بالضرورة مبرر الحرب الاستباقية حيث لم يعد العراق خطرا داهما بعد

تدمير ما كان بحوزته من أسلحة دمار شامل.وفي إيجاز فأن ما تصورته أميركا خطرا داهما يبرر الحرب الاستاقية  لم يكن في الواقع سوى خطرا وهميا لا وجود له إلا في خيال صاحبه.

الأمر المؤكد في النهاية  أن سياسة الكيل بمكيالين قد صنعت واقعا دوليا مؤسفا ومحبطا. أو ليس كذلك حين تغض أميركا الطرف عن استخدام روسيا لغاز الأعصاب بينما تقيم الدنيا ولا تقعدها بشأن الزعم بامتلاك العراق لسلاح دمار شامل ثم ماذا عن الترسانة الإسرائيلية النووية بل وماذا عن التحدي الكوري الشمالي لأميركا علنا فهل نحن حقا في عالم يهادن الأقوياء ويتحرش بالضعفاء  وقليلي الحيلة؟             

السؤال الثالث: عن اعتقال أميركا لبعض المتطوعين العرب،الذين ذهبوا إلى العراق ومدى اعتبارهم كما تزعم من قبيل المرتزقة. إن هذا الزعم الاميركي يبدو متهافتا من الناحية القانونية لأكثر من سبب ولعل أهم هذه الأسباب أن هؤلاء المتطوعين العرب الذين هبوا لنصرة الشعب العراقي قد تحركوا طوعيا بوازع ديني وقومي دون أدنى مقابل،وبالتالي فقد تخلف في حقهم أحد الشروط التي تنص عليها المادة 47 من البروتوكول الأول الاتفاقيات جنيف لاعتبار المقاتل مرتزقا و هو أن يتم تجنيده من قبل الدولة المحاربة.

وأن يكون ذلك بمقابل وهو ما ينتفي كلية في حالة هؤلاء المتطوعين أما عن تكييف  مركزهم القانوني فيتوقف على مشاركتهم في الحرب عن عدمه: فمن لم يشتركوا منهم فهم رهائن وبالتالي يكون اعتقالهم من جانب القوات الأميركية عملا غير مشروع، وعليهم بالتالي إعادتهم إلى بلدان الأصل وفقا لاتفاقية مناهضة اخذ الرهائن لسنة 1979 والتي كانت أميركا إحدى الدول التي سعت بقوة لإبرام هذه الاتفاقية . أما من اشترك من هؤلاء في الحرب فهم أسرى تسري عليهم اتفاقيات جنيف  والبروتوكول  الإضافي سنة 1977 ويكن لهم نفس الحقوق والضمانات . وفي الحالتين فإنه يجب  على البلدان التي ينتمي إليها هؤلاء المتطوعين  لاتصال بسلطات دولة الاحتلال للتعرف على أوضاعهم وطلب تسلميهم. وفي كافة الأحوال فإنه إذ كانت أميركا ترى أن القرار 1441 الصادر من مجلس الأمن كان يمثل غطاء شرعيا لغزوها العراق فلماذا لم تسلم الأسرى  جميعا ) أفرجت عن 900 وما زال هناك 7.000 أسير) وعراقيين  وغير عراقيين للأمم المتحدة وفقا للمادة 118 من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن الأسرى. وإذا كان ردهم  أن الغزو قد تم خارج نطاق مجلس الأمن فكيف أن غزو أفغانستان تم بقرار  صادر عن مجلس الأمن ومع ذلك لم تقم  أميركا بتسليم الأسرى لأفغان  للأمم المتحدة، وما زالوا محتجزين في جوانتنامو بل إن البعض يذهب للقول إنطلاقا من اعتبار الحرب على العراق حربا عدوانية أن تكون اتفاقية مناهضة أخذ الرهائن لسنة 1979 وليس اتفاقية جنيف الثالثة هي الواجبة التطبيق على المدنيين والمتطوعين العرب وحتى الأسرى العسكريين لأن الأمر يتعلق بحرب غير مشروعة مما يوجب إنهاء اعتقال هؤلاء على الفور وتسلميهم ولعل المفارقة تتجلى في أن أميركا  نفسها قد استندت لاتفاقية مناهضة أخذ الرهائن ضد العراق حين قام بغزو الكويت سنة 1990 وأشارت لسند هذه الاتفاقية في قرار مجلس الأمن رقم 687 لسنة 1991 لتطبيقها على المعتقلين الكويتيين لدى العراق باعتبارهم رهائن وليسوا أسرى. فلماذا تحرم أميركا اليوم ما أباحته لنفسها بالأمس القريب أليست الحرب على العراق على اليوم تشبه غزو الكويت بالأمس.

السؤال الرابع: عن صور المخالفات والانتهاكات التي تنسب للغزو استنادا لاتفاقيات جنيف ومجمل قواعد القانون الإنساني الدولي.

ثلاثة تساؤلات جديرة بالطرح في هذا المجال هي على التوالي: مدى مشروعية استخدام بعض الأسلحة لمخالفتها أحكام اتفاقيات جنيف،وإساءة معاملة الأسرى ، والمدنيين ،والاعتداء على المباني الدينية والأثرية والعلمية..

وعن التساؤل الأول: فإنه رغم كل المحاولات الأميركية الذكية والمخادعة في نفي صفة الأسلحة غير الشروعة عما استخدمته في الحرب، فكثير من المشاهد لا تنطلي على أحد، فقد استخدمت قوات الغزو قنابل عنقودية وما سمي بأم القنابل، وقذائف اليورانيوم المنضب ويكفي التذكير وفقا لكلام أخصائي الفيزياء النووية في الجيش الأميركي دوج روكة فإن كل 4500 جرام يورانيوم  منضب ينتج 220 جرام غبار   يمكن  استنشاقه وتلويث المياه به، وهو ما يترك آثار على الكائنات الحية والطبيعية لأزمان طويلة يقدرها البعض بملايين السنين، وكانت الامم المتحدة قبل سبتمبر 2001 تعتبر استخدام قذائف اليورانيوم  المنضب من قبيل أسلحة الدمار الشامل. وأصدر البرلمان الأوروبي قرارا بحظر استخدامها. هناك 8 آلاف أميركي وبريطاني ماتوا بسب اليورانيوم المنضب في خريف 1991 ويموت كل شهر 140 بالإضافة إلى 160 محارب قديم  مصابون، وأن 36% من المحاربين الذي اشتركوا في حرب الخليج 1991 معرضون للموت بسب السرطان وفقا لشهادة خبير الفيزيائي الأميركي دوج روكة  ألا يعد هذا مخالفة صريحة لنص المادة 55 من البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف التي تحظر استخدام أساليب أو وسائل  القتال التي يقصد بها أو يتوقع منها أن تسبب أضرارا بالبيئة  الطبيعية ومن ثم تضر بصحة السكان كما تنص المادة 35 من البروتوكول الأول على حظر استخدام الأسلحة والقذائف  والمواد ووسائل القتال التي من شأنها إحداث إصابات أو آلام لا مبرر لها. وكذلك يحظر استخدام وسائل أو أساليب للقتال يقصد بها أو قد يتوقع منها أن تلحق بالبيئة أضرارا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد.

أما بالنسبة للسؤال الثاني الخاص بحماية الأسرى والمدنيين والصحفيين فإنه يكفي التذكير بالمادة الرابعة من البروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف فيما تنص عليه من وجوب  المعاملة  الإنسانية  وحظر الحط من احترام المدنيين وشرفهم ومعتقداتهم فهل راعت قوات الغزو ذلك حين قامت بتغطية وجوه هؤلاء  بأكياس القمامة، وحين قامت بتفتيش النساء المسلمات؟ أما عن حماية الصحفيين فإن المادة 79 من البروتوكول الأولى  لا تحتاج إلى إيضاح وقد أفضى ذلك إلى قتل 14 صحفيا وهو رقم هائل بكل تأكيد.

وأخيرا التساؤل يدور حول مدى حماية التراث الثقافي والروحي بموجب المادة 85/ 4 من البروتوكول  الأول والمادة 16 من البروتوكول الثاني. وألا توجب اتفاقية لاهاي لحماية الاعيان الثقافية المبرمة  في 1954 حماية هذا التراث  من الاستيلاء أو التدمير أو حتى مجرد التحقير ويقول الأميركان أن إصابة مباني هذا التراث لم يكن عمدا ولكن هل ينتفي حقا هذا العمد ولديهم قنابل ذكية وصواريخ توماهوك الموجهة بالأقمار الاصطناعية ثم هل كفلوا حماية هذا التراث من التحقير قبل التدمير وماذا عن سرقة التاريخ العراقي بمتاحفه ومكتباته ومخطوطاته وأثرياته وبطريق البث المباشر على الهواء هل تريد أميركا إقناع العالم حقا بأن لصوص بغداد من أهلها هم الذين  تكفلوا بذلك؟ وأين كانت قوات الغزو و هؤلاء اللصوص يقتحمون أبواب المتاحف المحصنة، وهل كان يجرؤ أحد على إتيان  أفعال النهب والتدمير لهذا التراث لو أن دبابة أميركية  واحدة كانت هناك؟ على أي حال يشهد التاريخ على أنه بموجب صلح فرساي في 1919 تم إلزام  ألمانيا بالتعويض عن أعمال التدمير التي قامت بها وألزمت أيضا برد جميع الآثار التاريخية والفنية التي نهبتها من فرنسا وبلجيكا وقضى أيضا على إيطاليا برد الآثار وبتعويض ما استحال العثور عليه. فهل ننتظر يوما أن يقول التاريخ كلمته ولو بعد حين خصوصا وأن جريمة حيازة الآثار وبصفة عموما حيازة أو إخفاء كافة الأشياء المتحصلة عن جرائم  النهب والسرقة هي  في المفهوم القانوني جريمة متمادية  مستمرة لا يبدأ تقادمها بمرور الزمن إلا منذ اليوم التالي لانتهاء حالة الاستمرار أي عملا منذ اليوم التالي لضبط هذه الأشياء  وهو ما يجعل ملاحقة مرتكبي مثل  هذه الأعمال جائزة  متى استمر إخفاء  وحيازة هذه الأشياء وفي كافة الأحوال فإن مادة  147 من اتفاقية جنيف الرابعة تعتبر من بين جرائم الحرب الخطيرة الاستيلاء على الممتلكات ومصادرتها بصورة غير مشروعة واستبدادية وقد قضت محكمة نورمبرج بإدانة من ارتكبوا جرائم السلب والنهب إبان الحرب العالمية الثانية. ومع ملاحظة أن النهب ليس فقط الذي يرتكبه جند الاحتلال بل أيضا الذي يرتكبه أي شخص يعمل لصالح إدراة الاحتلال بنهب مال منقول تملكه الدولة أو المؤسسات أو الأفراد في الإقليم المحتل.وقد تأكد حظر أعمال النهب بموجب المادة 33 0 من الاتفاقية الرابعة ويشمل الحظر جميع أنواع الأموال(أموال نقدية, سندات. أثاث، ألبسة مواد تموينية أدوات عمل) ألخ.

أما التساؤل الأخير فيدور حول مسؤولية سلطة الاحتلال عن تغيير الوضع القائم ومدى التزامها بالتعويض عن خرق التزامات اتفاقيات جنيف ولائحة لاهاي. تلزم  المادة 43 من لائحة لاهاي سلطات الاحتلال بالمحافظة على النظام القانوني للدولة المحتلة باستثناء ما تقتضيه الضرورة الحربية والنظام العام.

فلا يجوز  المساس بأحكام القانون المدني والتجاري وقد التزمت ألمانيا نفسها بذلك  إبان احتلالها لفرنسا في الحرب العالمية الثانية.

كما لا يجوز المساس بالتشريعات الجزائية وفقا للمادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة والوضع يختلف بطبيعة الحال بالنسبة للتشريعات الدستورية إذ يقضي عليها الاحتلال بالضرورة  ولكن لا يجوز المساس بالحقوق والضمانات القضائية للأفراد كما تلتزم سلطة الاحتلال بالإبقاء على المحاكم الوطنية وعلى التنظيم القضائي الذي كان متبعا قبل الاحتلال . وليس لسلطة الاحتلال تغيير وضع الموظفين أو القضاة وفقا للمادة  54 من الاتفاقية الرابعة، ولا يحق لها استحداث محاكم جديدة  وإذ حدث فإنها تعد باطلة وغير موجودة مع مراعاة حقها في إنشاء مجالس حرب للنظر في خروقات الأوامر  العسكرية وعلى صعيد الأموال والممتلكات فإنه لا يجوز  الاستيلاء على الأموال المملوكة للأفراد.

أما بالنسبة لمسؤولية سلطة الاحتلال بالتعويض عن خرق الالتزامات التي تفرضها  اتفاقيات جنيف فإن المادة 29 من الاتفاقية الرابعة تؤكد على مسؤولية دولة الاحتلال ليس فقط عن أعمال أفراد قواتها المسلحة مثلما كانت تنص اتفاقية لهاي الرابعة لسنة 1907 بل أيضا مسؤوليتها عن أعمال وكلائها أي جميع الأشخاص الذين يعملون لمصلحتها أيا كانت جنسيتهم أو وظيفتهم ولعل أهم نتيجة قانونية تترتب على ذلك قيام مسؤولية سلطة الاحتلال عن أعمال الحكومات العميلة التي تلجأ إلى تعيينها لكي تتتصل من المسؤولية القانونية. والفقه الدولي مجمع على أن مثل هذه الحكومة تعتبر أداة لسلطة الاحتلال والاعمال الصادرة بدورها عن سلطة الاحتلال فإذا كانت غير مشروعة فإن أساس التعويض يستند في هذه الحالة إلى المسؤولية وليس المسؤولية الإدارية التي تعرفها القوانين الداخلية . ومن السوابق المؤيدة لهذا النظر أنه إبان الاحتلال الألماني لفرنسا لم يتم الاعتراف بأي مصادرة أو نقل ملكية قامت به سلطة الاحتلال الألماني أو حتى حكومة فيشي العميلة للاحتلال.

ثانياً : مدى مشروعية المطالبة بتسليم بعض رموز الحكم العراقي من المسؤولين.

تسليم الأشخاص نظام قانوني بموجبه تطلب دولة تسمى الدولة الطالبة من دولة أخرى تسمى المطلوب إليها تسليمها شخص يوجد في إقليمها بهدف محاكمته بتهمة منسوبة إليه أو بهدف تنفيذ حكم جنائي صدر ضده من محاكم هذه الدولة. وينظم تسليم الأشخاص بموجب اتفاقيات دولية ثنائية  أو إٌقليمية أو عالمية، أو بمقتضى  تشريع وطني ويغلب أن يكون التسليم محكوما بالأعراف الدولية ومبدأ المعاملة بالمثل. وتعتبر الولايات المتحدة الأميركية  أكبر دولة أبرمت معاهدات تسليم مع غيرها من الدول إذ تتجاوز مائة وأربعين معاهدة، ولكن التسليم ولو أنه مظهر للتعاون القضائي الدولي بهدف مكافحة الجرائم ولا سيما الدولية منها والخطيرة ،منوط بتوافر شروط وقيود وضمانات عديدة  إلى حد يمكن معه القول أن هناك مسلمات تحكم نظام التسليم. وهي مسلمات يكاد يكون منصوصا عليها في جميع اتفاقيات  التسليم وتشريعاته الداخلية. لكن الحاصل في الآونة الأخيرة أن طلبات تسليم بعض الأشخاص من جانب الولايات المتحدة الأميركية تمثل خروجا على هذه المسلمات.

ومن مظاهر عدم قانونية  طلبات التسليم الذي تحدثت عنها وسائل الإعلام مؤخرا تتمثل فيما يلي:

1-      مخالفة مبدأ حظر التسليم في الجرائم السياسية والعسكرية وهو مبدأ تنص عليه جميع اتفاقيات التسليم التي  أبرمتها أميركا مع دول العالم الأخرى.

وكذلك معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية الموقع عليها في باليرمو بإطاليا في ديسمبر سنة 2000 والسؤال يدور في واقع الأمر حول طبيعة الجرائم  المنسوبة إلى هؤلاء الأشخاص وهل هي جرائم عادية من ناحية أو جرائم سياسية أو عسكرية من ناحية أخرى.

وفي الحالة الأخيرة يكون التسليم محظورا ولربما يرى الأميركيون أن بعض المسؤولين  أو السياسيين العراقيين المطلوب تسليمهم  قد ارتكبوا جرائم حرب أو جرائم إبادة الأكراد. لكن مثل هذا الإدعاء يجب تدقيقه باستخلاص هذه الجرائم على وجه التحديد وهل كل مسؤول أو سياسي عراقي يمكن هكذا اعتباره  متهما بجريمة بمجرد  تصريح صحفي يصدر عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية  أم أن الأمر يتطلب كما تقضي الأصول القانونية إعداد ملف قضائي بالتسليم تبين فيه على وجه التحديد التهمة المنسوبة إلى المتهم وما سبق اتخاذه من إجراءات في مواجهته  كصدور قرار إدعاء  أو اتخاذ إجراءات تحقيق أو صدور حكم إدانه.

2-             مخالفة مبدأ كفاية الأدلة .

وهو مبدأ يقضي بتوافر الأدلة أو بالأقل حد أدنى من الأدلة ، على إتهام الشخص المطلوب تسليمه بارتكاب جريمة، ويبدو للوهلة الأولى أن تسييس  طلبات التسليم   المتلاحقة منذ 11 سبتمبر الماضي قد أفضى إلى التسرع في توجيه طلبات التسليم دون أدلة كافية على اتهام الشخص.

 

 

1-             عدم قانونية طلب استرداد شخص متهم بجريمة هي في حقيقتها جريمة سياسية.

في حالة ما إذا كان هذا الشخص قد طلب حق اللجوء السياسي في دولة ما،وهو فرض متصور. وهنا يجب التذكير بالمادة  33 من اتفاقية جنيف  الخاصة بوضع اللاجئين المعتمدة 28/7/ 1951 والتي تنص على أنه لا يجوز لأية دولة متعاقدة أن تطرد لاجئا أو ترده بأية صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين  فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته  أو إنتمائه  إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية ولعل أهمية هذا النص الذي لا يحتاج إلى تعليق تكمن في تفريغ  الحملة الأميركية  ضد بعض الدول بحجة استقبال بعض المسؤولين العراقيين من محتواها لا سيما إذا كان هؤلاء بفرض وجودهم في هذه الدولة أو تلك هم من حزب البعث الذين لم يطلعوا بمهام عسكرية ولم تكن لهم صلة بأحداث جنوب العراق أو شماله سنة 1991 فهؤلاء هم بيقين لاجئون سياسيون لا يمكن  ملاحقتهم أو طلب تسلميهم بسبب أفكارهم السياسية  أو انتمائهم لحزب البعث.

وأخيرا وفيما يتعلق تحديدا باعتقال أبو العباس ، الأمين العام لجبهة التحرير الفلسطينية  الذي كان مقيما في بغداد حيث قامت قوات الغزو بالقبض عليه معتبرة أياه مطلوبا على قوائم التسليم الأميركية.وهو اعتقال يثير في الواقع العديد من التساؤلات القانونية. فأبو العباس من الناحية أولى متمتع بحصانة بموجب الاتفاق الانتقالي الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية  وإسرائيل في 28 أيلول سنة 1995 والذي ينص على عدم اعتقال أو محاكمة  أي من أعضاء المنظمة وأيضا من الطرف الإسرائيلي لأي عمل قام به قبل أيلول سنة 1993 ووقع على هذا الاتفاق الرئيس الأميركي بيل كلينتون. يقول الأميركيون أنه اتفاق يخص ترتيبات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية  ولا شأن لنا به متجاهلين  تماما كل القيمة قانونية لتوقيع أميركا على هذا الاتفاق ويتجاهلون ما يقره فقه القانون الدولي من اعتبار الدولة الشاهدة على اتفاق  جزءا من هذا الاتفاق ثم يقولون أيضا أن الاتفاق لا ينطبق على الوضع القانوني لأشخاص اعتقلوا  في دولة أخرى. ولكن هل يختلف التكييف القانوني للفعل حقا بسبب مكان اعتقال الشخص؟ تلك حجة متهافتة ومن ناحية ثانية تتجاهل أميركا أن أبو العباس قد دخل أراضي السلطة الفلسطينية  مرارأ على مرأى ومسمع من الجميع، بل وبعلم السلطات الإسرائيلية وبموافقتها حيث اشترك في جلسة المجلس الوطني الفلسطيني في 11 ديسمبر 1998 الذي شهد إلغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تتعلق بوجود إسرائيل فلماذا سمح له بالحضور علنا ولم تعتقله  إسرائيل آنئذ ولا أميركا التي أسقطت أمرا باعتقاله ثم تعود الآن لإثارة وافتعال القضية من جديد ومن ناحية ثالثة ينسى الأمريكيون الآن أن إيطاليا مالكة سفينة لكيلي لاورو كانت قد أفرجت عن أبو العباس لعدم كفاية الأدلة  التي قدمتها الولايات المتحدة ضده  حيث ثبت أن أبو العباس كان في 7 أوكتوبر 1985 في مدينة بور سعيد حيث تم استدعاؤه  للتفاوض مع الخاطفين الأربعة. ولو كان ثمة دليل حقا لما أفرجت إيطاليا عنه ثم من  ناحية رابعة وأخيرة ما هو التفسير الأميركي لإسقاط أميركا نفسها أمر الاعتقال عن أبو العباس وأنها لم تتخذ إجراءا واحدا لطلب اعتقاله أو تسليمه من قبل. ألا يعني هذا انقضاء الجريمة  الموجهة ضده بفرض اعتباره مرتبكا لها بمرور الزمن حيث مضى على هذه الواقعة الآن أكثر من ثمان عشر  سنة.

رابعاً : والآن ماذا عن الدروس المستفادة, بعض المقترحات.

1-      وجوب التحرك القانوني بالتواصل مع كافة المؤسسات الدولية والمنظمات الأهلية المغنية بمسائل القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان بعيدا عن روح الإحباط السائدة في الشارع  العربي وربما لدى بعض القانونيين أنفسهم وإذا كانت اتفاقيات جنيف هي قانون الضعفاء والمعتدى عليهم فلماذا لم تعطى  لها حتى الآن الأهمية الواجبة؟ إن إسرائيل تقيم الدنيا لمجرد أن كاتبا تلفظ بكلمة تعتبرها عداء للسامية فهل نسكت نحن إزاء هذه الجرائم لا الأقوال؟ وهذه الإبادة لا مجرد السباب؟ لقد بدت بعض الجمعيات الأهلية في العالم أكثر اهتماما بما يحدث لنا ربما من بعض الجمعيات الأهلية العربية .

2-       أهمية إنشاء لجنة عربية للقانون الإنساني الدولي تتواصل مع الصليب الأحمر والهلال الأحمر ومع كافة المؤسسات والجمعيات الأخرى المعنية بالموضوع وهناك ثلاث لجان وطنية بالفعل في مصر واليمن والأردن فلماذا لا يتم التنسيق بينها وإنشاء لجنة قومية  عربية تنسق وتوحد هذه الجهود وتضم لجانا وطنية أخرى جديدة.

3-      ضرورة القيام بجهد تشريعي على صعيد أحكام القانون الإنساني الدولي بما يحقق مصلحتنا القومية فلماذا لم نقم على المستوى التشريعي  بإدخال  الأحكام الهامة من اتفاقيات جنيف والتي تصب في مصلحتنا كمعتدى علينا في الماضي والحاضر وفي تشريعاتنا الوطنية نفسها مثلما  فعلت فرنسا مؤخرا ولماذا لم نفعل مثل بلجيكا مثلا التي أدخلت مبدأ الاختصاص العالمي واعتبرته معيارا لإعطاء محاكمها  صلاحية ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب؟.

محامون لبنانيون

المركز العربي للتدريب والتنمية

 

 

 

 

 

 

ملف العراق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دراسات في القانون الدولي العام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دراسات في القانون الجنائي